رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الخامس - السنة الثلاثون - أيار (مايو) 2013م - جمادى الآخرة 1434 هـ

تحليل
 

جعبة جون كيري الملغومة:
ترهات الاستكشاف والتقريب والسلام الاقتصادي

دمشق/علاء سالم
جاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للمنطقة بجعبة ملغومة وهي مُتخمة بمشاريع تعيد إنتاج القديم بالنسبة للقضية الفلسطينية، ساعياً لإعادة إحياء ما يسمى بـعملية التسوية بين الطرفين الصهيوني وفريق رام الله الفلسطيني وفق القواعد ذاتها، ودون حتى أدنى تغيير شكلي في محددات العودة للعملية السياسية. فالوزير الأمريكي لم يَنبس شفتاه بالنسبة لجرائم الاستيطان التي ابتلعت الأرض المحتلة عام 1967 في مناطق مختلفة من الضفة الغربية ومن القدس وحتى داخل أحياء المدينة، ولم ينطق بكلمة واحدة بالنسبة لقضايا الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، بل تبنى بالكامل الشروط الصهيونية لإعادة إحياء العملية السياسية، ومارس ضغوطه على مختلف الأطراف العربية لدفعها للعودة لنغمة ومعزوفة إعادة إحياء مبادرة السلام العربية التي ماتت في مهدها منذ أن رفضها الجنرال أرييل شارون لحظة إطلاقها في مؤتمر قمة بيروت العربية في آذار/مارس 2002، والتي ما زال النظام الرسمي العربي متمسكاً بها حتى اللحظة بالرغم من الرفض الصهيوني لها، وبالرغم من التعديلات التي طرأت عليها خلال السنوات الماضية، وهي تعديلات صبت باتجاه مراضاة دولة الاحتلال على قاعدة مقولة إحراجها.

غياب الحد الأدنى
لقد انتهت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري للمنطقة، وهي الزيارة الثالثة له في غضون أسبوعبن فقط بعد تَسَلُمه موقعه على رأس الدبلوماسية الأمريكية في إدارة الرئيس باراك أوباما في ولايته الثانية، دون نتائج ملموسة بالنسبة لملف القضية الفلسطينية، ودون حتى الحد الأدنى من المطلوب أمريكياً في هذا الوقت بالذات الذي تَشهدُ فيه الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تسعيراً إسرائيلياً صهيونياً في السياسات الاستيطانية التهويدية، وفي السباق المحموم من أجل كسب الوقت لتحقيق المزيد من المُتغييّرت الديمغرافية على الأرض في مدينة القدس وعلى قوسٍ واسع من محيطها. فضلاً عن استشراء وانفلات يد القمع الإسرائيلي داخل السجون والمعتقلات وسقوط الأعداد المتتالية من شهداء الحركة الأسيرة في فلسطين.
ويشار في هذا الصدد إلى أن أخر مفاوضات مباشرة وموسعة بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني جرت عام 2008 في المؤتمر الدولي للسلام (المؤتمر الاستعمالي الخلبي الذي دعت له الإدارة الأمريكية سنتذاك) في مدينة أنابوليس في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي فَشِلَ بإحياء المفاوضات المتعثرة منذ قمة كامب ديفيد عام 2000 برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون. وبعد توقف دام عامين، بدأت محادثات بتوجيه من إدارة الرئيس باراك أوباما في ولايته الأولى عام 2010 في العاصمة الأردنية عمان، وقد دُعيت في حينها (ويا للغرابة والمفارقة) تارة بالمفاوضات الاستكشافية، وتارة بمفاوضات التقريب، ولكنها سرعان ما باءت بالفشل وانتهت إلى الحائط المسدود.
والآن يطل علينا الوزير الأمريكي بمقولات ممجوجة يعيد فيها تصنيع الموقف الأمريكي ذاته القائم على الإنحياز وسيادة منطق (الديماغوجيا) واللف والدوران في التعامل مع الطرف الفلسطيني ومختلف الأطراف العربية، فمصادره (أي مصادر الوزير الأمريكي) تقول إنه جاء للمنطقة من أجل الإستماع للطرفين للتعرف على مطالبهم وأوجاعهم قبل فتح مسار المحادثات المباشرة، ومنها أن جولته إستكشافية ..! ومنها أن زيارته تندرج في إطار السعي لتفهم حال الفلسطينيين ودفع القادة الإسرائيليين للجلوس معهم على طاولة المفاوضات.. إلخ!
فوزارة الخارجية الأمريكية حذرت مسبقاً من أن الوزير جون كيري لا يحمل أية خطة سلام بل يسعى لفهم وتفهم الأمور على أرض الواقع، وهو ما كَسَرَ توقعات المراهنين ومنهم وزير خارجية السلطة في رام الله رياض المالكي، الذي قال إن السلطة الفلسطينية تنتظر أفكاراً جديدة من وزير الخارجية الأمريكي في ثالث لقاء يعقده مع الجانب الفلسطيني خلال أسبوعين لكن انتظار المالكي وسلطة رام الله ذهب مع الريح.
في هذا السياق، واستتباعاً مع الموقف الأمريكي المراوغ، تشير المعلومات المُستقاة من مصادرها الموثوقة، بأن جون كيري وفي زيارته الأخيرة للمنطقة، وبعد أن قرّب إليه بيل غوردون، رجل مجلس الأمن القومي ليحل مكان دنيس روس، أبلغ الأطراف المعنية بأنه سيعمل في وقت لاحق على عقد لقاء رباعي في العاصمة الأردنية عمان (فلسطيني، أردني، إسرائيلي، أمريكي) لتعميق الدور الأردني في المفاوضات ودعم ما سمّاه خيارات الدول العربية المعتدلة، في وقت قيل فيه إن الرئيس محمود عباس لن يذهب إلى أي لقاء دون أن تتخذ (إسرائيل) خطوات ملموسة على صعيد وقف الاستيطان لا في الأردن ولا في أي مكان آخر، مطالباً في الوقت نفسه أن يرى كل شيء في خريطة التسويات الإسرائيلية، وإن كانت لديه قناعة تامة بأنها غير موجودة.
وتضيف المصادر إياها، بأن جون كيري وعد في رام الله (كالعادة في استنساخ المواقف الأمريكية التقليدية) بأن يسعى لإقناع إسرائيل (لاحظوا المنطق الناعم: إقناع إسرائيل) بوقف البناء في المناطق خارج الكتل الاستيطانية (أي مع السماح بتسمين المستعمرات القائمة في الضفة الغربية ومناطق القدس)، وذلك مقابل تعهد الفلسطينين بألا يتوجهوا بمبادرات مستقلة إلى الأمم المتحدة، وعندها يتم الانتقال للخطوة التالية في عقد اللقاء الرباعي والسعي لتقليص الفوارق بين الطرفين في المسائل الجوهرية، ومنها إمكانية أن يتوصل الطرفان إلى توافق على (80%) من قضايا الأرض، وتسليم مناطق (ج) من خريطة (جلد النمر: الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية والقدس التي باتت مقطعة بالبقع الاستيطانية كجلد النمر) للفلسطينيين، شريطة أن تكون مجردة من السلاح.
وتضيف المصادر أيضاً بأن جون كيري رفض أثناء وجوده في رام الله أن يَحمِلَ عرضاً فلسطينياً، يطالب بتصورات إسرائيلية لعرض خريطة حدود مستقبلية، كشرط لاستئناف ما يسمى بـعملية السلام، بسبب قوله إن هكذا طلب لا يمكن تسويته بالمراسلة أو خارج نطاق المفاوضات المباشرة بين الطرفين. فالمعلومات تشير بهذا الصدد أن حكومة نتنياهو أعدت عملياً خارطة للحدود مع الضفة الغربية تَضُمُ سبعة كانتونات ذات كثافة فلسطينية وإمكانية تواصلها مع بعضها البعض عن طريق أنفاق مكيّفة أو جسور إسمنتية أو عربات تلفريك هوائية.

أرباح للإسرائيليين
وعليه، إن زيارة الوزير الأمريكي جون كيري الثالثة للمنطقة، لم تلامس الموضوع الفلسطيني إلا بخجلٍ وحياء، فيما حصل الكيان الصهيوني على الأمور العملية من دعم أمني وعسكري، وحتى اقتصادي يتعلق بمستويات الدعم المادي حتى في ضوء التقليصات المفاجئة على الميزانية الأمريكية نتيجة العجز المالي لديها. كما حصلت على دعم سياسي ومعنوي من خلال الترديد والتبني الأمريكي للشروط الإسرائيلية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، ومنها الاعتراف الفلسطيني بـيهودية الدولة مقابل المطالبة الفلسطينية بتجميد الاستيطان (لاحظوا تجميد الاستيطان)، وعدم التوجه للجنايات الدولية، ووقف ما يسمى بالتحريض، وهي شروط لن تكون مقبولة من الفلسطينيين بأي حال من الأحوال.
وهنا نتساءل، وفي ظل التبني الأمريكي الكامل للشروط الصهيونية لإعادة إحياء ما يسمى بـعملية التسوية ما فائدة قيام لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية بإقرار توجه وفد عربي إلى واشنطن في التاسع والعشرين من آذار/مارس 2013 للقاء الرئيس باراك اوباما ووزير الخارجية جون كيري، فهل الإدارة الأمريكية بحاجة حقاً لفهم وتفهم وشرح الأمور واستكشافها، وهل سيبقى الخطاب الرسمي العربي رهين منطق الاستجداء؟
من جانب آخر، وفي سياق السلوك والنهج الديماغوجي للإدارة الأمريكية، طالعنا وزير الخارجية جون كيري بالشيء المضحك والمثير، مع إطلاق نظريات ومقترحات فيها الكثير من الضُحك على الفلسطينيين وحتى على العرب، فالأكاذيب أطلت تحت عناوين خادعة وبراقة كالحديث عن مقولة السلام الاقتصادي وعن الأموال والمشاريع التي ستساعد على نغنغة ورخاء الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة، وكأن المسألة هي مسألة اقتصادية بحته وليست قضية تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال، وقضية عودة لشعب ما زال أكثر من نصفه مشرداً خارج وطنه التاريخي في المنافي والشتات.
ومن المعلوم أن مقترحات ونظريات وأكاذيب السلام الاقتصادي سبق وأن تم الحديث عنها والتطبيل والتزمير والتَنظير لها عشية توقيع اتفاق أوسلو الأول في حديقة البيت الأبيض في واشنطن في أيلول/سبتمبر 1993، عندما تم الترويج لمقولة تحويل قطاع غزة إلى سنغافوره الشرق الأوسط، وتحويل الضفة الغربية إلى ماليزيا المنطقة، في أكاذيب وتُرهات ثبُتَ بالملموس بأنها مشاريع وهمية وخلبية للضحك على ذقون الفلسطينيين والعرب، وتقزيم ومسخ القضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بعد هذا المشوار الطويل والشلال المتواصل من الدماء والتضحيات التي عَبَدتّ مسار وطريق الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة في الداخل والشتات.
ونختم القول، إن زيارة الوزير الأمريكي جون كيري للمنطقة لم تأتِ بجديد على صعيد الموقف الأمريكي من الموضوع الفلسطيني، بل جاءت تعيد إنتاج المواقف الأمريكية على المنوال ذاته، تحت عنوان العملية الاستكشافية تارة، والتقريب تارة، والسلام الاقتصادي تارة، وتبنّي الشروط الإسرائيلية الكاملة للعودة لطاولة المفاوضات ومنها الاعتراف الفلسطيني بما يسمى يهودية الدولة مقابل تجميد الاستيطان (لاحظوا تجميد الاستيطان).















 

  

 العدد بصيغة PDF  

     ولنا كلمة

حماس.. وضريبة الثبات على الحق

تتعرض حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، منذ فترة، لهجمات سياسية وإعلامية، بسبب خروج قيادتها من سوريا.
فمنذ عام وأكثر، تتعرض الحركة لهجمات تصدر أحياناً بشكل مباشر، وأحياناً كثيرة بشكل غير مباشر، منتقدة أداءها ومواقفها، وتترافق هذه الهجمة مع اتهام الحركة بالخروج من محور الممانعة والانضمام للمحور التركي القطري الأمريكي... للمزيد  

     أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

     بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

 
جميع الحقوق محفوظة 2011