رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد التاسع - السنة الثامنة والعشرون - أيلول (سبتمبر) 2010م - رمضان 1431 هـ

تحقيق

«طرد الغزاة» حرب صهيونية على أهالي النقب:
مخطط لطرد 85 ألف نسمة وهدم 40 ألف وحدة سكنية

القدس/مها عبد الهادي
الزمان:13/7/2010
المكان: منزل العريس مصطفى خمايسة في بلدة رخمة بالنقب المحتل.
الحصيلة: ذكرى أليمة ستبقى عالقة في ذهن العريس وذاكرة عائلته.
لماذا؟ لأن التاريخ لم يكن مصادفة لدى قوات الشرطة الصهيونية وآليات الهدم التي تحتمي بها، حينما سارعت الى تنفيذ عملية هدم المنزل المذكور في قرية رخمة الواقعة في النقب المحتل جنوبي فلسطين، فذلك اليوم كان تاريخ زفاف الشاب مصطفى الذي تحولت فيه الابتسامات الى أحزان بعد أن أصبح البيت كومة من التراب والحديد.
ويقول المسن علي الخمايسة (65 عاماً) والد العريس مصطفى، وهو مصاب بعدة أمراض، «حسبنا الله على الظالم، ما الذنب الذي اقترفناه ليهدموا بيوتنا، هذه الأرض لنا ولن يثنينا عن البقاء فيها أحد».
والادعاء الشكلي الذي قدمته الأجهزة الصهونية أمام الإعلام هو أن المنزلين غير مرخصين، بل إنهما موجودان –على حد ادعائها- في قرية رخمة غير المعترف بها أصلاً في النقب قرب بلدة «يروحام» الصهيونية.
أما الهدف الحقيقي، فهو الاستيلاء على أراضي عرب النقب ومنحها للمستوطنين الصهاينه الذين يسيطرون اليوم على مساحات كبيره من تلك الأراضي.
وحال خمايسة هي حال عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية التي تقطن في منطقة النقب المحتل، والتي تواجه في السنوات الأخيرة حملة شرسة من جانب السلطات الصهيونية في الكثير من المجالات، لكن أهمها وأخطرها ما يتعلق بقضية الأرض، التي تسعى السلطات للاستيلاء عليها لإقامة مستوطنات صهيونية ومزارع فردية مخصصة للصهاينة فقط.
وتنشأ من قضية الأرض، خصوصاً في القرى العربية غير المعترف بها، سياسة هدم البيوت العربية بشكل مستمر. وهناك مشاكل أخرى يعاني منها بدو النقب، نسيت المجتمعات المتمدنة وجود مثلها منذ زمن طويل، ومنها عدم ربط قرى بأكملها بشبكات الماء والكهرباء، وعدم تقديم أبسط الخدمات وبينها الخدمات الصحية، إضافة إلى نسبة بطالة عالية إلى جانب نسبة تكاثر مرتفعة جداً.

مسلسل تدميري
إن القارئ لتاريخ النقب مع الدولة العبرية وتصاعد الخطوات التي تطبق على النقب وأهله، يدرك أن الدولة العبرية بدأت مرحلة ما يمكن تسميته بالدمار الشامل للقرى العربية غير المعترف بها من قبل الكيان الصهيوني والقائمة منذ مئات السنين قبل قيام كيان دولة الاحتلال.
فاستراتيجية الجرافه والبلدوزر الصهيونية، صارت نهجاً ثابتاً ومبرمجاً بهدف تدمير التاريج العربي النقباوي، سواء على مستوى المكان أو الإنسان أو الهوية الحضارية والتاريخية العربية، وما يجري في النقب هو أن الدولة العبرية تهدم بصوره ممنهجه كل ما هو تابع للتاريخ البدوي هناك، وعلى رأسها مصادرة الأرض والتغيير الجغرافي والديمغرافي لطبيعة المكان، وهدم البيوت، وعدم الاعتراف بالقرى العربية في النقب.
وتبلغ مساحة النقب 62% من مساحة ما يسمى بالدولة العبرية. ويبلغ عدد سكان عرب النقب حوالى175 ألفاً يشكلون حوالى 27% من سكان النقب. ويطالب عرب النقب بتملك نحو 750 ألف دونم، وهم يخوضون معارك قضائية ضد السلطات الصهيونية من أجل الحصول عليها.
قد تنبّه البدو إلى أن السلطات الصهيونية بدأت في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي تخطط لتمدينهم، أي بناء بلدات لهم. وفعلاً تمّت في عام 1969 إقامة البلدة الأولى وهي تل السبع، وفي عام 1973 تمّت إقامة بلدة رهط. عندها بدأ البدو معركة الأراضي، وبدأوا يطالبون بتسجيل أراضيهم.
وقد اقترحت المسؤولة في النيابة العامة الصهيونية بليئا ألباك بأن يقدم البدو ادعاءات ملكيتهم على الأراضي ومواقع هذه الأراضي. وقدّم البدو في عام 1974 ادعاءات ملكية على 732 ألف دونم. وحاولت السلطات القيام بتسوية على الأراضي من خلال دفع المال مقابل تنازل البدو عن أراضيهم. في تلك الفترة، في نهاية السبعينيات، أعلنت السلطات الصهيونية أنها مستعدة لتعويض البدو عن 20% من مجمل ادعاءات الملكية التي قدموها، وأن يتم دفع تعويضات مالية مقابل 80% من ادعاءات البدو، شرط أن تقرر الحكومة الصهيونية حجم التعويض المالي. بعد ذلك أعلنت السلطات أنها مستعدة لدفع مبالغ تتراوح ما بين 500 إلى 1000 شيكل للدونم الواحد-من 150 إلى300 دولار-، وبالنسبة للشق الأول يتم إعطاء أراض مقابل أراض فقط لمن قدم ادعاءات ملكية تزيد عن 400 دونم، ومن يملكون أقل من 400 دونم يتم تعويضهم مالياً فقط. وعملياً، فإن السلطات أرادت الاستيلاء على أراضي عرب النقب مقابل المال، لكن البدو بقوا صامدين إلى أقصى درجة في قضية الأرض.
في عام 1982 تلقى البدو ضربة جديدة مع انسحاب دولة الكيان من سيناء بموجب اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، فقد صادرت السلطات حوالى 100 ألف دونم من البدو، جميعها يطالب البدو بتملكها، وذلك من أجل إقامة مطار «نفاطيم» العسكري في منطقة تل الملح المحاذية لبلدة كسيفة. وقد كانت هذه المنطقة واحدة من أكثر المناطق الصالحة للزراعة في النقب، وكانت مأهولة بالسكان العرب الذين أخلتهم السلطة الصهيونية وأقامت لهم قريتين هما كسيفة وعرعرة النقب، وذلك في عام 1982، وبقية السكان من عشائر الزبارقة والنصاصرة وأبو عرار هاجروا إلى منطقة المثلث، إلى الطيبة وقلنسوة وكفر قاسم وأيضاً إلى اللد والرملة. وفي عام 1984 أقامت السلطات قرية شقيب السلام، وفي عام 1990 أقامت السلطات قريتي حورا واللقية.
البدو من جانبهم لم يوافقوا على اقتراح بليئا ألباك، وتوجهوا إلى المحكمة المركزية في بئر السبع، وقررت المحكمة في العام 1982 أن البدو بحسب تعريفهم لا يستطيعون أن يكونوا ملاكي أراضٍ. ولهذا اعتبرت المحكمة أن جميع ادعاءات البدو على الأرض ليست عادلة، وأن السلطات كانت كريمة جداً في توجهها للبدو للتوصل إلى حل وسط. من جانبهم أدرك البدو أنه لا توجد حاجة للتوجه للمحاكم.
وقد تميّزت نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بالتوسع الاستيطاني الكبير في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل حكومة مناحيم بيغن، والنشاط الاستيطاني الكبير الذي مارسه أريئيل شارون. وفي ظل هذه الأجواء أدرك البدو أنه ليس أمامهم من سبيل للحفاظ على أراضيهم سوى البناء بشكل عشوائي، وفرض وقائع على الأرض. وكان البناء بغالبه عبارة عن براكيات من ألواح الزنك، والآن من الإسمنت والحجر في مضارب العشائر، أي أن البيوت أقيمت مكان الخيام. وهنا بدأت تنشأ القرى غير المعترف بها في النقب، أي القرى التي لا تعترف بها السلطات الصهيونية. كذلك بدأ البدو في النضال من أجل حقوقهم، وقد أثمر ذلك إقامة المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في عام 1997، الذي يعتبر الهيئة العليا لهذه القرى، وتحول بهذا نضال البدو إلى نضال جماعي وسياسي. وفي عام 1999 أقدم المجلس الإقليمي على خطوة بالغة الأهمية بإصدار خريطة تاريخية بأسماء القرى غير المعترف بها ومواقعها، وأكد على وجوب الاعتراف بالقرى غير المعترف بها التي بلغ عددها 45 قرية والمطالبة بمنح خدمات لهذه القرى.


طرد وهدم
وفي شهر شباط/آذار 2006 سن الكنيست الصهيوني قانون «طرد الغزاة» –في إشارة إلى البدو-الذي يعتبر أن كل بدوي يبني بيتاً على أرضه هو غازٍٍٍ لأن هذه الأرضي مسجلة على أنها أراضي الدولة، ويبلغ عدد السكان في هذه القرى حوالى 85 ألف نسمة.
وبسبب عدم الاعتراف، فإنه لا توجد خرائط هيكلية وكل ما يتم بناؤه، حتى لو كان قن دجاج، يعتبر غير مرخص. وتتحدث السلطات الصهيونية عن وجود 40 ألف مبنى غير مرخص هذا العام.
وفي كل مرّة تهدم السلطات بيتاً أو اثنين تحشد قوة كبيرة من الشرطة، في حين أن البدو يعيدون بناء هذه البيوت خلال أسابيع قليلة. ولذلك لم تعد عملية الهدم مجدية بالنسبة للسلطات. والآن بدأت السلطات الصهيونية بانتهاج سياسة جديدة وهي هدم قرى كاملة، وهو أمر خطير جداً. في السنة الأخيرة تم هدم قريتين، القرية الأولى هي طْوَيّل أبو جَروال حيث تم هدم 17 بيتاً مرة واحدة، وقبل عدة أسابيع قليلة تم هدم 26 بيتاً في عتير أم الحيران. والأمر المؤلم هو أنه يتم هدم البيوت، وبالمقابل يتم تخصيص أراضي القرية ذاتها لإنشاء مزارع فردية للصهاينة، أو إقامة مستوطنات فردية. وبحسب التخطيط، فإنه سيتم إنشاء مستوطنة مكان عتير أم الحيران، وسيطلق على المستوطنة اسم حيران. وهذا الوضع يعني أن هناك عملية تهويد للنقب.
والمتابع لقضية النقب الغائبة عن قضايا الإعلام العربي يكتشف أن القرى العربية في النقب تتعرض يومياً لجولات من هدم البيوت وتجريف الأرض، إلا أن عرب النقب وسكان القرى تحديداً يتصدون دوماً للجرافات الصهيونية، سواء في قرية طويل أبو جرول التي تقطنها عائلة الطلالقه التي هدم الصهاينة بيوتها أكثر من 40 مرة وبقي سكانها صامدين في ديارهم وأرضهم، أو في قرية العراقيب التي تملك أراضيها أكثر من عائلة من بينهم العقبي والطورة وأبو صيام والملاحي، أو في رخمه أو في خشم زنه، أو في ام نميله وغيرهم الكثير.
ومنذ عقود وهذه القرى مع سكانها تتصدى لجرافات الهدم الصهيونية ولملاحقات شركة «كيرن كييمت» المتخصصة بالأراضي، والتي تحاول الاستيلاء على أراضي القرى العربية الصامدة والنيل من عزيمة أهلها الذين يتصدون بصدورهم العارية لقوات الهدم والنهب الصهيونية.
والأكاذيب التي تسوقها الدولة العبرية وتختبئ خلفها لتسويق ممارساتها كثيرة، خاصة أكذوبة التطوير وأكذوبة «البناء الغير مرخص»، وهي تشن منذ فترة طويلة حرباً شاملة على الوجود العربي في النقب، ومن الواضح أن القضية لا تتعلق بهدم بيت أو اثنين بحجة «البناء الغير مرخص»، لا بل إن الاستراتيجية الصهيونية تهدف إلى هدم شامل للبيوت، وإزالة قرى عربية بالكامل من الوجود وعن الخريطة السكانية في النقب، حيث تعرضت الكثير من القرى العربية في النقب إلى محاولات الهدم الصهيونية، ومن بينها للمثال لا للحصر طويل أبو جرول والعراقيب وقرية النصاصره ورخمه وعشرات القرى العربيه الأخرى التي لا تعترف الدولة العبرية بها.

تمييز أعمى
ومقابل هذه الصورة المأساة، نجد الصورة معاكسة في جانب المستوطنين، حيث تمنح الدولة العبرية مستوطنات الأفراد الصهاينة كل التسهيلات والحماية للاستيلاء على أراضي عرب النقب، وفي الوقت نفسه تطارد سلطاتها وجرافاتها العرب وتهدم بيوتهم وتصادر أرضهم.
وبينما تستحوذ المستوطنات الصهيونية والمستوطنون على أكثرية مساحة النقب، تقوم سلطات الاحتلال بملاحقة عرب النقب على كل متر أرض في النقب من جهة، وتقوم جرافاتها بحرث أراضي عرب النقب وتخريب مزارعهم ومصادرة المواشي تاركة العائلات العربية في النقب دون مصدر رزق يعتاشون منه، وبالتالي تُحاول الدولة العبرية من خلال هذه السياسة سحب رُخصة عيش عرب النقب على أراضيهم تحت ذرائع عدة، وقوانين غابة الكيان الشاسعة والمطاطة، والتي تأخذ منحى ومعنى آخر إذا تعلق الأمر بشرعية الوجود العربي في النقب.
وفي المقابل نرى أن المستوطنات الصهيونية التي تُقام على أراضٍ عربية في النقب تحظى بكل الدعم، وفي مقدمته منح رُخص البناء ومزارع شاسعة تحظى بجميع مقومات البنية التحتية الزراعية.
والسؤال المطروح هو: لماذا ترفض الدولة العبرية منح عرب النقب رخصة بناء وحق عيش على أراضيهم وفي ديارهم التاريخية، وفي المقابل تحظى المشاريع الاستيطانية الصهيونية في النقب بكل الدعم ورخص البناء؟
والجواب واضح: فالسياسة الصهيونية الإحلالية وضعت نصب أعينها استراتيجية تهويد النقب التي تتناقض جذرياً مع وجود وبقاء عرب النقب في أراضيهم وأماكن تواجدهم، التي تستهدفها مشاريع التهويد الهادفة إلى تغيير خريطته الجغرافية والسُكانية على أساس الاستيلاء على الأرض العربية في النقب من جهة وحصر السكان العرب في مساحة جُغرافية ضيقة على شكل محميات بشرية من جهة ثانية، وبالتالي مُحاولة الكيان فرض واقع جديد يتجلى في تكثيف الاستيطان الصهيوني في النقب، وفي المُقابل تخفيف التواجد العربي وحصره بين مطرقة التوطين القسري وبين سندان المساحة الجغرافية الصغيرة التي خَصّصتها الدولة العبرية لاستيعاب أكبر عدد ممكن من عرب النقب داخل مدن وقُرى التوطين القسري القائمة منها والمزمع إقامتها بهدف استيعاب ما تبقى من البدو القاطنين في أرضهم وديارهم الاصليه.
لكن ورغم سوط الجلاد، فإن بدو النقب يعلمون أن التمسك بِالأرض تحت وطأة البرد وأشعة الشمس أو ظل خيمة أفضل ألف مرة من الانتقال إلى مشاريع التوطين الصهيونية، والأهم من هذا وذاك أنهم مقتنعون أن الحفاظ على الأرض العربية في النقب واجب تاريخي ووطني وإن أدى ذلك الى انفجار أو انتفاضة قادمة.
 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

القدس والأقصى ويوم القدس العالمي

تؤكد غالبية المواقف السياسية للقوى والأحزاب العربية والإسلامية، على مركزية القضية الفلسطينية وأهميتها بالنسبة للأمّة، باعتبارها لبّ الصراع في المنطقة، وخط المواجهة الأول مع المشروع الصهيوني التوسّعي الذي يسعى للسيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة.  للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012