|
|
قـضـايا
مصادرة جنسيات الفلسطينيين المقيمين في الأردن بين حق السيادة وحقوق المواطنة
عمان/نبيل الصافي
تعد قضية مصادرة الجنسيات الأردنية من مواطنين أردنيين أصولهم فلسطينية من أكثر
القضايا جدلية على الساحة الأردنية هذه الأيام، خصوصاً بعد تدخل بعض المنظمات
الدولية لحقوق الإنسان على خط المواجهة، فمن مؤيد للقرار وداعم له مختلقاً كافة
العلل والحجج، إلى المحايد الذي آثر السكوت تاركاً لجّة البحر، إلى المعارض الذي
يبدي امتعاضه الشديد من هذه الإجراءات مطالباً بوقفها على الفور. بين هؤلاء كلهم
تشابكت الخطوط وبهت بريقها، ولم يبق إلا خيط واحد طليق، تلتقي عليه كل وجهات النظر،
هو معاناة المتضررين الذين علا صراخهم فوق كل الضجيج من حولهم.
تبدأ قصة مصادرة الجنسيات حينما صدر قانون فك الارتباط الإدراي والقانوني مع الضفة
الغربية عام 1988، والذي بموجبه وحسب المادة الثانية منه يعتبر «كل شخص مقيم في
الضفة الغربية قبل تاريخ 31/7/1988 مواطناً فلسطينياً وليس أردنياً». واستثنت هذه
المادة المواطنين الحاصلين على لمّ شمل العائلات الذين يحملون البطاقة الصفراء.
وأرجع وزير داخلية أسبق في الحكومة الأردنية إصدار هذا القرار إلى «التعامل مع رغبة
منظمة التحرير والدول العربية المجتمعة في مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974،
واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد في تمثيل الفلسطينيين،
تمهيداً لتسوية النزاع مع (إسرائيل)، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض
فلسطين، حيث أكد الإجماع العربي على ضرورة إبراز الهوية الفلسطينية، وانفراد منظمة
التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني في مواجهة (إسرائيل) والمشروع الصهيوني، وأن
الدول العربية تقبل بما تقبل به منظمة التحرير في التسوية النهائية».
استناداً إلى هذا الكلام، نفهم أن العرب في قمّتهم أجمعوا أن يقزّموا القضية
الفلسطينية ويسلخوها من إطارها العربي ويقذفوا بها إلى دائرة أضيق هي دائرة منظمة
التحرير الفلسطينية، والتي انفردت بأشخاصها -الذين لم يتم انتخابهم في ذلك الوقت من
كافة الشعب الفلسطيني بالأطر الديمقراطية المعمول بها عالمياً– للتحكم بمصير شعب
كامل، واللعب بأمس حقوقه الإنسانية في المواطنية والجنسية، والتمتع بالحقوق المدنية
مثل أي شعب في العالم. وتكون الدول العربية أيضاً بذلك قد تنصلت من المسؤولية
القومية عن فلسطين وألقت المسؤولية على منظمة التحرير فقط، في أي تسوية مع العدو
الصهيوني، والتي قد يترتب عليها تفريط في الثوابت والحقوق الوطنية.
لا شك أن قضية مصادرة الجنسيات قضية معقدة ولها تشعباتها الكثيرة، فلا تلبث أن
تعالج القضايا القانونية في هذه المسألة حتى تفاجئك القضايا السياسية، وبعدها تأتي
الإدارية فالإنسانية، وهكذا إلى أن تصل إلى سد منيع يدعونه «السيادة»، حيث لا
تستطيع التقدم خطوة واحدة إلى عتباته.
واقع الأزمة
نعود إلى المسألة من جديد، والتي احتدمت أكثر وظهرت على الساحة كمشكلة حقيقة في
الأعوام الثلاثة الأخيرة، وخصوصاً عندما وصل عدد الذين صودرت جنسياتهم حسب تقرير
هيومن رايتس ووتش الأخير إلى «أكثر من 2700 مواطن أردني في الفترة بين 2004 و2008»-
واستمرت هذه الممارسة –حسب المنظمة نفسها- لعام 2009. وهذا يدل على أن الرقم تجاوز
العدد المذكور بكثير، فهناك جهات حقوقية أخرى أشارت إلى أن الرقم تجاوز الثلاثة
آلاف مواطن. وفي تعليلها على هذه القضية بررت الحكومة موقفها هذا في أن عملية
مصادرة الجنسيات تأتي في سياق تصويب أوضاع الفلسطينيين، وتثبيتهم في أرضهم، خوفاً
من إجراءات مستقبلية قد يقدم عليها الاحتلال الصهيوني في مشروعه الذي يطلق عليه اسم
«الترانسفير» أو «الوطن البديل»، وهو تفريغ الضفة الغربية من سكانها الأصليين ليسهل
السيطرة عليها.
لا شك أن لدى الحكومة الأردنية هاجساً ملحوظاً من مسألة «الترانسفير» أو «الوطن
البديل»، لذلك نقدر جيداً تلك الكلمة التي أطلقها رئيس حكومة سابق نحو ما يقرب من
أربع سنوات حيث أشار إلى أن عدد الأردنيين من أصل فلسطيني في المملكة يقترب من نحو
46%، هذه الكلمة التي تضعنا وجهاً لوجه أمام عامل مهم من عوامل الصراع في المنطقة،
وهو الصراع الديمغرافي؛ الصراع الذي تضع دولة الاحتلال الكثير من ثقلها للتحكم
بأوراقه الرابحة لتمرير مشاريعها الاستيطانية بطريقة ناعمة بعض الشيء، إذا ما قورنت
بالخيارات العسكرية. وإذا كنا لم نزل نشهد بدايات هذا الصراع بين الجانب الأردني
والاحتلال الصهيوني، فهو ظاهر بشكل جلي على أرض فلسطين وخصوصاً في مدينة القدس.
مزاج الحكومة الأردنية فيما يتعلق بالأردنيين من أصل فلسطيني وأبناء الضفة الغربية
يرتبط بشكل واضح بالحديث عن «الوطن البديل»، فكلما زاد الحديث على المستوى الرسمي
أو حتى على المستوى الإعلامي في دولة الاحتلال أو في المجتمع الدولي عن قضية
اللاجئين والوطن البديل، كلما شهدنا أن نسبة المواطنين الذي تسحب منهم جنسياتهم في
ازدياد.
ومصداق هذا الكلام ما سمعناه من داخل الكنيست الصهيونية، حين تعالت أصوات تنادي بأن
يكون الوطن البديل للاجئين هو الأردن، ومما زاد الأفق عتمة أن هذه الدعوات تتزامن
مع الانهيار المتسارع في «الأونروا» وما تقدمه من خدمات للاجئين الفلسطينين
القاطنين في المخيمات.
إن متطلبات الحل النهائي تلزم الطرف الفلسطيني أن يجد مخرجاً لحق اللاجئين في
العودة إلى فلسطين، ولم يعد يخفى على أحد أن أنظار الأطراف المعنية في الحل النهائي
تتجه إلى توطين اللاجئين في المناطق التي هم فيها، وهذا يؤدي على الصعيد الأردني
على وجه الخصوص إلى أن تكون كفة الفلسطينيين في الأردن تساوي تقريباً أو ترجح بقليل
كفة الأردنين.
بناء على ما أسلفت، يكون الجانب الأردني في سباق مع الزمن حتى يتمكن من إنهاء لعبة
الديمغرافيا لصالحه، ولا يفاجئه أمر قد يكون من تداعياته تغيير معالم الخريطة
السياسية في الساحة الأردنية ككل، أو حتى تغيير الهوية العامة للدولة. من هنا خرجت
علينا موضة مصادرة الجنسيات والمسماه رسمياً «تصويب أوضاع»، وهي عملية ذات منطق
سليم للغاية حسب رأي الحكومة الأردنية ومن يدور في فلكها.
سيادة الدولة!!
لا أحد ينكر مشروعية أن تدافع الدولة عن سيادتها، وأن تحافظ على هويتها بأي شكل
كان وتحت أي ثمن، لكن المعارضين لقضية مصادرة الجنسيات نظروا إلى الأمر من زاوية
أخرى هي زاوية اللحمة الاجتماعية، إذ يقولون إن أفضل طريقة لصد أي مشروع استعماري
توسعي للعدو الصهيوني على حساب الأردن يجب أن يجابه بتوحيد الصف الداخلي، ورأب
الصدوع المتناثرة هنا وهناك داخل النسيج الأردني، وتأصير الوشائج الحميمية بين جميع
أفراد هذا المجتمع، لا أن تخلخل أركان المجتمع، وتدكّ وحدته على سنديانة مصادرة
الجنسيات ومطرقة الخوف من المستقبل المجهول.
نعود إلى المعارضين لقرار مصادرة الجنسيات، والذي يرون فيه أنه يضرب الوحدة الوطنية
ويغرق آلاف الأسر بمستنقعات الشقاء، وهم ينطلقون بمعارضتهم هذه من أن السند الذي
ترتكز عليه الحكومة لمصادرة الجنسيات هو سند غير قانوني، إذ لا يسمح القانون
الأردني بمصادرة الجنسية الأردنية إلا في حالات معينة لا تنطبق على حالات فك
الارتباط، بالإضافة إلى أن مصادرة الجنسية لأي مواطن يحتاج إلى قرار مجلس الوزراء،
ومن ثم مصادقة الملك عليه بعد ذلك، هذا الإجراء الأخير قد غُيّب تماماً في حالات فك
الارتباط التي كشفت غالبيتها أن الإجراء المتّبع لمصادرة جنسية مواطن كان جرة قلم
من أحد موظفي دائرة الرقابة والتفتيش!!
هناك معاناة حقيقية على مستوى الأفراد الذين صودرت جنسياتهم وحتى على صعيد الأسر،
فكم من أسرة تشتت بها السبل في أكثر من بلد، وكم من أسرة هددت بالطرد من مسكنها،
وكم من فرد فصل من وظيفته، أو طالب فصل من جامعته، ولا يوفتنا الحديث عن تلك
الطالبة في كلية الطب في احدى الجامعات الأردنية والتي تعيش في حالة هيستيريا كلما
قارب فصل دراسي على الانتهاء، إذ تجبرها الجامعة الحصول على تصريح من وزارة
الداخلية لقبول تسجيلها في الفصل الذي يليه، وغيرها الكثير من الحالات لو أردت
سردها لطال الكلم وجف القلم.
قرار فك الارتباط هو قرار سياسي بامتياز بل وسيادي بالوقت ذاته ولا تستطيع حتى
الحكومة الأردنية أن تخاطر فيه، ولكن ما تستطيعه هذه الحكومة هو إنصاف هؤلاء
الأشخاص الذين صودرت منهم جنسياتهم على الصعيد المدني والمعيشي، فلا يعقل أن يسلب
شخص ما حقوقه المدنية بعد أن كان مواطنا لعشرات السنوات بين ليلة وضحاها، متقلباً
بين انتكاسة وأخرى، بين أن يفقد وظيفته أو دراسته، أو ينفصل عن أسرته فيعيش هو في
مكان وباقي أهله في مكان آخر أو ربما لا يستطيع أن يعالج أبناءه في المستشفيات
الحكومة لفقده هذا الرقم. إن الانصاف المدني لهؤلاء جميعاً ضمن مقدرة الحكومة بلا
شك، ولن تكون هذه الحقوق المدنية داخلة في إطار الحسابات السيادية العليا للدولة،
بل هي مجرد خدمات تقدمها الحكومة لهؤلاء الذين كانوا يوماً مواطنين، مراعاة لحق
العروبة والدين والجوار.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
أولمرت يعلن الفشل والهزيمة
متأخراً.. أعلن رئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود أولمرت أنه فشل في العدوان الذي
شنّه على قطاع غزة، والذي عُرف باسم «الرصاص المسكوب»، في نهاية عام 2008.
للمزيد |
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت
مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن
الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|