رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الأول - السنة الثامنة والعشرون - كانون الثاني (يناير) 2010م - محرّم 1431 هـ

«حماس».. هل نجحت في المزاوجة بين السلطة والمقاومة؟

غزة/وسام عفيفة
«هل استطاعت حماس الجمع بين السلطة والمقاومة؟» سؤال بقي يتردد على مدار ثلاث سنوات من عمر الحركة في السلطة، وبعد 22 عاماً من مسيرة المقاومة التي انطلقت باسمها.
الإجابات على السؤال تباينت بين ثلاثة اتجاهات, الأول اعتبرها تجربة ناجحة حتى الآن، في حين يتحفظ الاتجاه الثاني من زاوية أن حماس سوف تدفع ثمن السلطة من حساب المقاومة, بينما يرى الاتجاه الثالث أن الحركة فشلت في تجربتها، بل وتتجه نحو الانسياق إلى مسار التسوية لتكرّر تجربة حركة فتح.
لم يكن اعتماد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فكرة ممارسة الحكم قبل التحرير نمطاً ابتكرته أو استحدثته وفق حالة من المزاوجة بين المقاومة وممارسة الحكم؛ إذ إن كل حركات التحرير والمقاومة مارست «الحكم والسلطة» وفق أشكال متعددة خلال نضالها وجهادها، قبل أن تصل إلى إنجاز التحرير الكامل.
كان النموذج في ذلك هو نمط إدارة المناطق المحررة، الذي اعتمدته كل حركات التحرير خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية، كما كان النمط الأكثر شيوعاً من بعدُ هو تشكيل المقاومات لحكومات في «المنفى» لقيادة النضال، وممارسة الحكم بطرق سرية في الداخل تحت الاحتلال، ولنيل الاعتراف الرسمي والدبلوماسي بها كممثل رسمي للشعب -تحت الاحتلال- وليس كحركة مقاومة فقط.
ولتقويم تجربة حماس بموضوعية، ينبغي اعتماد الاتجاهات الثلاثة السابقة كفرضيات لقياس تجربة حماس في إطار معادلة شبيهة بالمعادلة الكيميائية، للحصول على نتائج تثبت إحدى الفرضيات الثلاث.

أوضاع معقدة
وسوف نبدأ بالاتجاه الثالث الذي يرى أن حماس ارتكبت أخطاء جرّاء مشاركتها بالانتخابات الفلسطينية الأخيرة, والنتيجة أنها وجدت نفسها في ورطة سياسية معقدة أشبه ما تكون بمستنقع سياسي آسن، حيث إنها لم تكن تتوقع هذا الفوز الكاسح الذي ألقى عليها مسؤولية تشكيل الحكومة الفلسطينية، التي انبثقت عن اتفاقيات أوسلو، ولها استحقاقات دولية وإقليمية وعربية (وإسرائيلية) وأمريكية، وأول هذه الاستحقاقات الاعتراف بدولة الاحتلال والتخلّي عن المقاومة المسلحة.
ودليل هؤلاء على ذلك أن حماس لم تطلق ولو طلقة واحدة على الكيان اليهودي منذ نجاحها في الانتخابات.
وأمام هذا الرأي يمكن القول إن حماس خاضت مجابهة قاسية للحفاظ على خط المقاومة توّجته بعد انطلاقتها الـ21 في كانون/ديسمبر 2008 بالتصدي لأشرس حرب يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ عدوان 1967, وبعد حصار دام ثلاث سنوات بلغ ذروته عقب عملية «الوهم المتبدد» -التي أسرت فيها الجندي الصهيوني جلعاد شاليت- بعد شهور من فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006.
ومنذ وقف إطلاق النار في عدوان «الرصاص المسكوب» في كانون الثاني/يناير 2009، تدور معركة خفية بين حماس والاحتلال, ضمن دروس ونتائج الحرب, استعداداً للمواجهة القادمة, وعليه تشير المعطيات بشكل واضح إلى عدم صحة الفرضية الثالثة, وأن المواجهة متواصلة بين حماس والاحتلال بمستويات وأشكال مختلفة.
ولمناقشة الفرضية الثانية التي ترى أن حماس سوف تدفع ثمن السلطة من حساب المقاومة, يعبّر هذا الرأي عن خشية من احتواء حماس وترويضها ضمن استحقاقات المحافظة على الحكم، ضمن سياسة غربية أمريكية تعتمد على العصا والجزرة.
العصا رُفعت في وجه حماس منذ نجاحها في انتخابات المجلس التشريعي، وزادت وطأتها عقب تشكيل الحكومة، ورفض الحركة الدخول إلى بيت الطاعة عبر شروط الرباعية.
الجزرة استُخدمت لاحقاً من قبل أطراف أوروبية وعربية، وعدت بفتح نافذة لحماس على المجتمع الدولي تفضي لاحقاً إلى تخفيف الحصار، مقابل تقديم تنازلات؛ أحد عناصرها المقاومة.
الحركة لم تقدم التنازلات المطلوبة –حتى الآن- وسعت إلى استثمار النافذة مجاناً، مما أضعف الحماسة الأوروبية في هذا الاتجاه.
نظرية الاحتواء كانت الأساس الذي قبلت بموجبه دولة الاحتلال والولايات المتحدة إجراء الانتخابات الفلسطينية عام 2006 ومشاركة حماس فيها.
كل التقويمات أشارت يومها إلى تحقيق حماس نجاحاً محدوداً في الانتخابات، يجعل حضورها في التشريعي والحكم تحت السيطرة من جانب, ويخلق حالة تقيّد حماس بموجب شراكتها السياسية والتزامها بقواعد اللعبة التي حددتها اتفاقيات أوسلو، لكن المخطط فشل.
وفي هذا الشأن، أصبحت حماس في وضع سمته «الازدواجية» في مصادر الشرعية والمرجعية القانونية لممارسة الفعل السياسي، فهي تمارس السلطة بتفويض شعبي مقنّن، بينما أخذت شرعية حق ممارسة المقاومة من خلال تفويض شرعية وحق مقاومة الاحتلال، مثلها مثل كل حركة مقاومة في العالم؛ إذ إن المقاومات لا تبدأ نشاطها المقاوم بعد استفتاء الشعب على خط المقاومة من عدمه.
ومع أن مدّ الغرب يده لحماس بعد فشل العدوان الصهيوني الأخير، في تدمير بنية الحركة، يأتي في سياق استراتيجية أمريكية قديمة سبق اتباعها مع فتح وعرفات لـ«تليين» المقاومة، والدخول في مسارات التسوية السلمية التي تلغي المقاومة، فإن حماس تعتبر السيناريو مختلفاً معها.
قد يبدو الهدف الغربي الأمريكي خبيثاً، ويستهدف تطويع الحركة سياسياً، كما حدث مع حركة فتح باستيعابها في العمل السياسي، ودفْعها للتخلي تدريجياً عن العمل المسلح، لكن تصرفات قادة حماس تؤكد استيعابهم لهذه الأهداف الغربية، وحرصهم على المزاوجة بين السلطة والمقاومة.

السلطة والمقاومة
الفرضية الثالثة بنجاح حماس الكامل في الجمع بين السلطة والمقاومة تحتاج أيضاً إلى تقويم. ويمكن القول إن وجود الحركة خارج الحكم كان أخف وأسهل في المناورة العسكرية. حماس تتحمل اليوم أعباء إدارية في الحكم تحت الحصار، وهي بالتأكيد تزيد من ثقل الحركة، وتجعل حساباتها العسكرية مختلفة.
صحيح أن حماس سعت للحرص في مزاوجتها بين السلطة والمقاومة في العامين الماضيين على عدم التنازل عن ثوابت عقدية ومفاهيمية في أسس الصراع، والتأكيد على حق المقاومة، لكن وقوع غزة بين فكّي كماشة إسرائيلية وحصار خانق واعتداءات إسرائيلية متتالية، فرض على «سلطة حماس» نوعاً من «التهدئة» الإجبارية.
الحالة التي تعيشها حماس منذ ثلاث سنوات، فرض عليها التفكير بتوازن كي تحافظ على خطها الأساسي (المقاومة) من جانب, وتراعي احتياجات الواقع الجديد في السلطة من جانب آخر.
ولهذا تحاول حماس منذ الحسم العسكري خلق حالة من التحول في الشأن الإداري السلطوي الذي ورثته من حركة فتح، كنظام يخدم مشروع التسوية إلى نظام يخدم مشروع المقاومة, ولهذا السبب ركّز الاحتلال في الحرب الأخيرة على تدمير البنية التحتية الحكومية والمدنية في غزة، واعتبرها جزءاً من حالة المقاومة ضمن المتغيرات الجديدة.
وكما راهن خصوم حماس على عامل الوقت -لترفع الحركة الراية البيضاء- مع طول مدة الحصار والعزلة السياسية, تراهن حماس على الوقت أيضاً لفرض واقع جديد يفرز حالة إدارية للسلطة أو الحكومة، يشكل حالة من التكامل مع المقاومة والتحرر قدر الإمكان من الأعباء التي ارتبطت بالاحتلال, ولا نبالغ إذا قلنا إن الحصار على غزة ساهم من حيث لا يدري الخصوم في تشكيل هذا الواقع، وشعور المواطنين بضرورة الاعتماد على الذات قدر الإمكان، بدل الاعتماد كلياً على العدو, والبحث دائماً عن البدائل بدل الركون الى الحصار وتوابعه.
في مرحلة ما بعد دخول السلطة استهدفت حماس إحداث تغييرات في نمط مفاهيم وأهداف وأسس قيام السلطة لتطوير الأداء باتجاه طرح رؤية سياسية جديدة -وصفها خالد مشعل باللغة والممارسة السياسية الجديدة-، كما استهدفت توسيع التعبئة الجماهيرية من خلال الأطر الأوسع التي تتيحها قيادة أجهزة الحكم، وتوسيع عملية التنظيم لتشمل المجتمع الفلسطيني كله وفي ذلك سعت حماس إلى توسيع إطار السلطة ليناسب أهدافها، وإلى إقامة حالة «مزاوجة» دقيقة بين ممارسة المقاومة وممارسة أعمال السلطة، وكان الأبرز هنا أنها وافقت قبل الانتخابات بفترة على «التهدئة» في أعمال المقاومة، لتصبح التهدئة إطاراً سياسياً رسمياً لاستمرار المقاومة في ظل ممارسة السلطة. هذا ما فهم لاحقاً. كما فهم أنها بقبولها التهدئة كانت توجه رسالة لطمأنة الأطراف الداخلية والخارجية حول سلوكها وهي في السلطة.
لكن السمة الجديدة الأبرز في إطار مزاوجة حماس بين الحكم والمقاومة هو خلق عامل ثالث يتيح لحماس هامشاً من المناورة، والتعامل مع أطراف دولية تحتاج إلى لغة جديدة للتعامل معها.

مرونة الواقع
وهنا سعت حماس إلى صياغة برنامج سياسي للاستفادة من الهامش الضيق المتاح أمامها، هامش لا يفرط بأي من الثوابت على رأسها المقاومة, في المقابل يقدم لغة سياسية يفهمها المجتمع الدولي، وهو نموذج جديد وتجربة فلسطينية لا تزال تمر في مرحلة التقويم.
وفي هذا الإطار، عادت حماس على الصعيد السياسي إلى بعض مواقفها السابقة، فصارت تعلن موقفاً مؤيداً لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشريف، كما أعلنت عن موافقتها على هدنة طويلة الأجل، مشددة على أن تلك المواقف ليست جديدة، وإنما سبق إطلاقها خلال قيادة الشيخ أحمد ياسين للحركة، كما وافقت وفقا لبرنامج الحكومة الجديدة «حكومة الوحدة», على أن منظمة التحرير هي المخولة بالتفاوض مع (إسرائيل)، مع إضافة صيغة تنص على احترام الاتفاقيات الموقعة دون إعلان بالموافقة عليها أو الالتزام بها.
وعلى الصعيد العسكري اتجهت حماس إلى استراتيجية دفاعية في صراعها مع العدو، خصوصا في ظل تولّي أجهزة أمن عباس ضرب المقاومة في الضفة وخنق جبهتها, وبهذا فإن المواجهة العسكرية باتت محصورة في غزة، وهو ما ثبت بشكل واضح خلال العدوان الأخير على غزة، حيث ظهر واضحاً عدم قدرة حماس على فتح جبهة مساندة من الضفة, ما يضيف متغيّراً جديداً للصراع.
إن الدور الذي تلعبه أجهزة عباس في الضفة فرض قيوداً قاسية على حماس، وقلّل تكتيكاتها العسكرية، خصوصاً بعد انسحاب الاحتلال من غزة عام 2005، مما جعل المواجهة العسكرية تتقلص نحو إطلاق الصواريخ والتصدي لعمليات الاحتلال في المناطق الحدودية للقطاع.
لقد غيّرت الحرب الأخيرة قواعد المواجهة، بحيث أصبحت أكثر شمولية وقسوة، وتحتاج إلى جبهة داخلية مستعدة للمجابهة, ولم يعد الأمر مقتصراً على الأجنحة العسكرية, وهو ما يفسّر جنوح حماس إلى التهدئة، والتركيز على إعادة بناء وتطوير قدراتها العسكرية، وتحضير الجبهة الداخلية، ولا يمكن فصل ذلك عن أنواع المقاومة الأخرى.
وبناء على ما سبق يمكن الخروج بنتائج للمعادلة التي تطرح السؤال: هل استطاعت حماس المزاوجة بين المقاومة والحكم من خلال الإجابات التالية:
أولاً: حماس في مزاوجتها هذه لم تتنازل عن ثوابت عقدية ومفاهيمية في أسس الصراع، بمعنى أن تكون قد رجحت كفة الوجود في السلطة على الالتزام بثوابت الحركة والشعب الفلسطيني.
ثانياً: وجودها في السلطة لم يجبرها على الدخول في مفاوضات وعقد اتفاقات تتنافى وتمنع أو تقيد سعيها لتحقيق استراتيجيتها، ذلك أن الحكم على أسلوب العمل هو من خلال تأثيره على الأهداف الاستراتيجية سلباً أو إيجاباً.
ثالثاً: لم تدفع مقابل استحقاقات البقاء في السلطة ثمناً من موقفها من حق المقاومة في الفعل الواقعي، مثل نبذ أو إدانة هذا السلوك، ولم تقم بحل الأجنحة المقاومة بعد تشكيل الحكومة.
رابعاً: حماس لم تعلن خروجاً على الثوابت والمبادئ والأهداف الاستراتيجية، وربطت بين موافقتها على الدولة الفلسطينية في حدود 67 والهدنة الطويلة مع عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني. كما أنها لم تعقد أية اتفاقيات تمنع أو تقيد حقها في ممارسة المقاومة.
وبهذه النتائج يمكن تقويم تجريه حماس بموضوعية بعيداً عن الأحكام العاطفية أو المبنية على مواقف مسبقة.
 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حماس.. اثنان وعشرون عاماً على طريق واحد

تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.    للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012