|
|
حماس والثوابت.. سرّ البقاء وسرّ القوة
فلسطين/مصطفى الصواف
يوم الرابع عشر من كانون الأول/يناير لعام 2009، كانت حركة المقاومة الإسلامية
(حماس) قد أمضت من عمرها اثنين وعشرين عاماً تحت هذا الاسم (حماس)، وهو اليوم الذي
صدر فيه لها أول بيان في الانتفاضة، وقبل غيرها من قوى الشعب الفلسطيني العاملة على
الساحة الفلسطينية في فلسطين المحتلة، وهو ذكرى انطلاقتها الأولى، وذلك في الرابع
عشر من كانون الأول/يناير من عام 1987 من القرن الماضي، والتي شاءت الأقدار أن تكون
بعد ساعات قلائل من الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والتي تقدمت فيها حركة حماس
الصفوف لمواجهة الاحتلال الصهيوني، وإعلان مرحلة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني نحو
الخلاص من الاحتلال، والخلاص من الأوهام التي عاشها الشعب الفلسطيني على مدى عشرات
السنوات التي أعقبت النكبة عام 1948.
لم تكن حماس غائبة عن الميدان الفلسطيني قبل هذا العام؛ بل هي امتداد لحركة عالمية
أكبر من نطاق فلسطين، وإن كانت فلسطين همّها الأول وجرحها النازف، وهي جماعة
الإخوان المسلمين، والتي تعتبر حماس جزءاً أصيلاً منها، فحركة حماس موجودة منذ
اللحظات التي وجدت فيها شُعب الإخوان المسلمين في القدس وغزة وغيرها من مدن فلسطين،
وكان الفكر الإسلامي المنطلق الذي انطلق منه الشهيد القائد عز الدين القسام، هذا
البطل السوري خرّيج الأزهر الشريف جاء يحمل البندقية منطلقة من الفكرة الإسلامية
لتحرير فلسطين وبلاد المسلمين من المحتلين على مختلف مسمياتهم وأهدافهم.
فكر راسخ
لقد مثّلت فلسطين ثابتاً في فكر الحركة الإسلامية، ومعتقداً راسخاً، على أنها
أرض وقف إسلامي يجب أن يحافظ عليه، وأن تحرر من الاحتلال الصهيوني، فكانت الأرض
بالنسبة لحماس ثابتاً كما هي ثابت بالنسبة للشعب الفلسطيني، والأرض في فلسطين
بالنسبة لحماس هي فلسطين كل فلسطين من نهرها حتى بحرها، ومن رأس الناقورة شمالاً
حتى أم الرشراش جنوباً. هذا ثابت في ميثاق حماس وأدبياتها وفكرها منذ الانطلاقة
وحتى الآن، وهذا أحد عناصر القوة لحماس وبقائها ونموها وشعبيتها. وزاد من ذلك تمسّك
حماس مقابل تنازل القوة الأكبر (سابقاً) في الساحة الفلسطينية؛ أي حركة فتح،
وسلوكها منهجاً مخالفاً لمنهج الشعب الفلسطيني من خلال التخلّي عن فلسطين كل
فلسطين، ومن خلال الاعتراف بالكيان الصهيوني والتفاوض معه على حقوق الشعب
الفلسطيني، والدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جوار دولة الاحتلال، وهذا لا تفسير
له إلا تفسيراً واحداً وهو التفريط بالأرض، هذا الثابت لكل الشعب الفلسطيني.
حق العودة
حماس أعلنت ولا زالت عند إعلانها أن عودة اللاجئين ثابت لديها، كما هو ثابت لدى
كل الشعب الفلسطيني؛ بدليل أن الفلسطينيين في كل مكان في الشتات أو المنافي أو
مخيمات اللجوء في الضفة وغزة أو حتى في بعض المدن من فلسطين المحتلة ما زالوا
يحتفظون بكواشين الأرض والعقار والبيارة ومفتاح الدار. العودة لدى حماس ثابتة وهي
عودة وتعويض، عودة لا تعني عودة إلى غزة أو الضفة الغربية، بل عودة إلى مدن وقرى
«فلسطين 48» التي هُجّر أهاليها عنوة على أيدي الإرهابيين الصهاينة، وعبر التآمر
عليهم من قبل البعض العربي. والتعويض لا يعني المال من أجل التفريط بالأرض أو
بيعها، لكنه تعويض عن المعاناة التي ألمت بالشعب الفلسطيني في اللجوء ونهب خيراته،
لذلك هذا عامل من عوامل القوة لدى حماس، وعامل على استمرار البقاء وزيادة الشعبية،
لأن البعض لا يرى إمكانية لهذه العودة كاملة إلى فلسطين، ويريد أن يبحث من الظالمين
عن حلول عادل لقضية اللاجئين بعودة بعضهم إلى الضفة، وتوطين بعضهم في البلاد
العربية، وتعويض من لا يريد العودة أو من يوطن رغم أنفه أو يهجر إلى بلدان العالم،
وهذا المنطق يتبناه اليوم محمود عباس، قائد حركة فتح، ويدعو إليه.
كل القدس
القدس جزء لا يتجزأ من فلسطين، وهي أرض فلسطينية إسلامية احتلت عام 67، وهي
العاصمة الأبدية لفلسطين، والقدس التي نعنيها هي كل القدس، فلا شرق ولا غرب فيها،
أما القدس الشريف كلمة حق يراد بها باطل لدى دهاقنة السياسة من بعض الفلسطينيين
التي باتت تتردد على ألسنة محمود عباس وفريق التفاوض وحركة فتح، فهي محاولة للتزييف
والخداع الممارس على الشعب الفلسطيني؛ لأن هذا البعض قبل التفاوض على القدس، ومن
يقبل التفاوض عليها سيقبل بالمساومة أيضا والتفريط، لأن القدس التي يتحدثون عنها
ليس القدس المعروفة جغرافياً أو تاريخياً للعالم الإسلامي والعربي عامة
وللفلسطينيين خاصة، إنما هم يعنون سيطرة مدنية أي تواجد إداري في محيط الأماكن
الإسلامية في المدينة، وهي المسجد الأقصى وقبة الصخرة، أما القدس التي لديهم القبول
بها فهي إما أبوديس أو العيزرية كعاصمة، وهما حيّان صغيران في محيط مدينة القدس.
فلم تعد القدس لديهم ثابت، وحماس لا بديل لها عن القدس كجزء من فلسطين وعاصمتها
مهما تغيرت الأحوال أو تبدلت، وهي حتى هذه اللحظة تعتبر القدس ثابت من ثوابت الشعب
الفلسطيني، وثابت أساسي في فكرها، ولذلك كان التفاف أهالي القدس حول حماس واضحاً في
انتخابات 2006، حيث حازت على غالبية مقاعد مدينة القدس في المجلس التشريعي.
هذا بعض الثوابت التي تدافع عنها حماس وتدفع مقابل دفاعها الغالي والنفيس، وسرّ
البقاء والديمومة والنماء الذي تعيش فيه حركة حماس يعود بعد الله إلى تمسكها بهذه
الثوابت التي يؤمن بها الشعب الفلسطيني، وهي على يقين أن هذه الثوابت لن تتغير أو
تتبدل بفعل عوامل الضعف والقوة، لأن المقولة الشهيرة التي قالها الإمام الشهيد
المؤسس لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين أن القوي لن يبقى قوياً والضعيف لن يبقى
ضعيفاً، فالتغيير سنّة كونية، وفي نهج حماس أن من لا يستطيع الزواج لا يجوز له
الزنا، ومن لا يقدر اليوم بسبب الظلم العالمي والاستبداد من تحرير أرضه لا يجوز له
التفريط بها، أو التنازل عنها تحت مفاهيم مغلوط فيها كالواقعية والشرعية الدولية
وغيرها.
ثوابت ليست للمناورة
حماس تتمسك بهذه الثوابت ليس من باب المناورة، أو الاستثمار الجماهيري، أو
الاستقطاب الشعبي في مرحلة من المراحل ينتهي بزوال العلة، أو أن هذا التمسك نابع من
مرحلة سياسية معينة قد ينتهي لو امتلكت حماس زمامها، لكن الواضح أن هذه الثوابت
تشكل استراتيجية لدى حماس؛ بل أكثر من ذلك فهي عقيدة عندها لا يمكن التفريط فيها؛
لأن التفريط في واحد منها يعني التفريط في ركن من أركان الإسلام، وهدم ثابت منها هو
هدم للدين.
حماس اليوم وصلت إلى مكانة مرموقة في صنع السياسة في المنطقة، ووصلت إلى كل الشارع
الفلسطيني؛ لكنها في الوقت نفسه ما زالت تتمسك بهذه الثوابت، رغم كل ما تلاقيه من
ظلم وتضييق على أيدي من يريدون تصفية القضية الفلسطينية من دول العالم، حتى إنها
وُضعت على قائمة الإرهاب لأنها تدافع عن حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني. ولأنها كذلك،
فقد نالت بجدارة وبنزاهة ثقة الشعب الفلسطيني، فقام من وضعها على قائمة الإرهاب إلى
حصارها ومحاربتها، وساعده في ذلك بعض من ينتسب إلى فلسطين زوراً وبهتاناً، وبعض
العرب المحيطين بهدف إفشال تجربتها، ومن أجل أن ينفض عنها الشعب الفلسطيني، والشعوب
العربية والإسلامية؛ لكنها زادت إصراراً على التمسك بالثوابت، والدفاع عنها، وفي
الوقت نفسه زاد تمسك الشعب الفلسطيني بها؛ لأنها باتت الأمل الوحيد له بعد الله في
استعادة الحقوق الفلسطينية، بعد أن كشفت الأيام زيف المتاجرين بحقوقه، والذين أبدوا
استعدادهم لتقزيم الحقوق والتنازل عنها.
ستبقى حماس وستقود مشروع التحرير لفلسطين وسيقف خلفها الشعب الفلسطيني، ومن يؤمن
بأن القضية الفلسطينية هي قضية عدالة، وأن حق الشعب الفلسطيني في فلسطين كل فلسطين،
ولا دولة لليهود فيها إنما تواجدهم هو نوع من الاغتصاب، لكن شرط أن تتمسك حماس بهذه
الثوابت ولا تفرط بها، وإن فعلت ذلك، ولا أظن، فسوف يبحث الشعب الفلسطيني عن من
يحمي ثوابته ويدافع عنها مهما طال الزمن أو قصر، فليس مهماً لدى الشعب الفلسطيني
زمن، لكن المهم هو التحرير وعودة الحقوق والتمسك بالثوابت والدفاع عنها، والثمن عند
الفلسطينيين لا قيمة له، ولديهم الاستعداد في أن يدفعوا ثمناً أكبر مما دفعوا من
دماء وشهداء ومعوّقين.
الثوابت هي سرّ البقاء، وسرّ القوة، وسرّ الانتشار والجماهيرية، من يتمسك بها يحافظ
على البقاء والقوة والانتشار، ويبدو أن حركة حماس على قناعة بها، وستبقى متمسكة
بها، رغم تشكيك المشككين ومزايدة المزايدين، ولن تتنازل عنه أمام أي ضغوط أو إرهاب
دولي، وسيساندها في الصمود والثبات الشعب الفلسطيني بأكمله بعد أن بدأ يصل إلى
قناعة أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي قانون المرحلة القادم، وهي عنوان
التحرير والخلاص.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حماس.. اثنان وعشرون عاماً
على طريق واحد
تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها
المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع
بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.
للمزيد |
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت
مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن
الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|