|
|
واقع ومستقبل الرواية الفلسطينية.. أين نجحت وأين أخفقت؟!
دمشق/غياث ناصر
استطاعت الرواية الفلسطينية أن تحقق حضوراً خاصاً في المشهد الروائي العربي،
ورغم أنها جزء لا يتجزأ من هذا المشهد، إلا أنها تتمتع بخصوصية تنبع من أهمية
القضية الفلسطينية التي لم ترتقِ لمستواها حتى الآن، وإن تعددت الآراء واختلفت
وجهات النظر حول واقعها ومستقبلها، إلا أن أحداً لا ينكر أنها نجحت في أن تكون
حاملاً حقيقياً لمعاناة الشعب الفلسطيني داخل وخارج الأرض المحتلة، بفضل كتّابها
المنتشرين في جميع أنحاء العالم. وقد انتهزت «فلسطين المسلمة» فرصة انعقاد مؤتمر
الرواية الفلسطينية في دمشق، والتقت العديد من المشاركين فيه، للوقوف على واقع
ومستقبل هذه الرواية، والتطورات التي طرأت عليها.
حققت حضوراً عالمياً
يؤكد د.حسام الخطيب (فلسطين) أن الرواية الفلسطينية تلقى ارتياحاً وإقبالاً
عربياً ومحلياً، فمعالجة القضية الفلسطينية من الناحية الإنسانية ما زالت مستمرة،
ويبيّن أن التجربة الفلسطينية أكبر من أي كاتب، لذلك يوجد مجال دائماً للانتقال من
مرحلة إلى أخرى. كما يشير د.الخطيب إلى أن الرواية الفلسطينية قد حققت حضوراً
عالمياً، حيث تُرجِمَت روايات كثيرة إلى لغات عدة، وشهدت إقبالاً شديداً. والرواية
الفلسطينية تنقسم إلى قسمين: الأول الرواية التي يكتبها كاتب فلسطيني عن جوانب
القضية الفلسطينية، من جهة المعاناة في ظل الاحتلال، وهل هناك مستقبل، وهذا سؤال لم
تستطع أية رواية أن تجيب عليه. والثاني الرواية التي تدور حول مأساة الخروج من
فلسطين. ويذكر الخطيب أن سيل الروايات توسع بحيث أصبحت تتابع الإنسان الفلسطيني
وليس الرمز الفلسطيني، فأصبح فيها حيوية واضحة تماماً، تشجع الإنسان أن يقرأها،
سواء كان القارئ مع القضية أم لا، وهذا تطور جيد برأيه، فالروائيون يتنافسون اليوم،
والنقاد لا يستطيعون متابعة رواياتهم.
كما يوضح أن الرواية الفلسطينية الجديدة تختلف عن رواية غسان كنفاني شكلاً
ومضموناً، وكل جيل من أجيال الرواية الفلسطينية يلمس فيه مزيداً من العمق والأنسنة
معاً، ومزيداً من محاولات عدم المبالغة لا تقهقراً كما يرى البعض. كما أصبح كل كاتب
فلسطيني –كما يقول الخطيب- يشعر أن عمله قد يُتَرجَم، فأصبح واعياً، وأصبح هناك نوع
من التركيز التحليلي على القضية الفلسطينية والإنسان الفلسطيني، ويبدو أن الخطيب
متفائل بمستقبل الرواية الفلسطينية الذي لا يراه مسدوداً كما يدّعي البعض، وهو بذلك
يكون عكس مستقبل القضية الفلسطينية: «إن القضية الفلسطينية اليوم تمر بأحلك حالاتها
ويصعب التنبؤ بالمستقبل، إلا إذا كان لدى الإنسان إيمان داخلي قوي، خاصة وأن كل
الشواهد تشير إلى أن الوضع الفلسطيني في انهيار».
جزء من الرواية العربية
يرى د.سلطان القحطاني (السعودية) أن مستقبل الرواية الفلسطينية كمستقبل أية
رواية عربية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها، طالما أن الهم الذي تحمله الرواية
الفلسطينية هو همُّ الأمة العربية عموماً، ويشير القحطاني إلى خصوصية الرواية
الفلسطينية عند الروائي داخل الأرض المحتلة حيث يعايش الروائي كل يوم المشاكل
والصعوبات التي يسمعها الآخر عن طريق وسائل الإعلام، في حين أن الكاتب الفلسطيني
خارج فلسطين يعيش حياة الإنسان العربي الذي يحمل هماً، مع ارتباطه بخيط رفيع مع
أهله في الداخل، ويأخذ القحطاني على الرواية الفلسطينية كثرة الإنتاج في الوطن
العربي، وهذا بدوره يكون دائماً على حساب النوعية. ويعتقد أن هذا الخوف من كثرة
الإنتاج مبرر، مع اعترافه بوجود كتّاب جيدين وآخرين غير ذلك.
ويوضح القحطاني أن المضمون في الرواية عموماً والرواية الفلسطينية بشكل خاص هو
الأهم، لأن الشكل ما هو إلا تابع له، لذلك فإن المضمون الجديد للرواية الفلسطينية
يكمن في أن بعض الأقلام خرج من إطار الرومانسية التي كان يتبعها بعض الكتّاب كجبرا
إبراهيم جبرا لأنها أصبحت ممجوجة، إضافة إلى تجاوز مرحلة المقاومة التي استُهلِكت
في كتابات بعض الروائيين، لذلك حاولت الأقلام الجديدة –كما يشير القحطاني- الخروج
من هذين الموضوعين باتجاه البحث عن ملامح الإنسان الفلسطيني وحياته الاجتماعية التي
كانت شبه مغيّبة في الأعمال السابقة باستثناءات قليلة، ككتابات سحر خليفة وغسان
كنفاني، وهذا ما انتبه إليه أبناء الجيل الجديد في كتاباتهم .
حلم التعلّق بفلسطين
يتفق د.حسين جمعة (سورية) مع ما قيل حول إن الرواية الفلسطينية هي جزء لا يتجزأ
من الرواية العربية، فنياً ودلالياً ووظيفياً، شئنا أم أبينا، مع خصوصيتها التي
تحملها من خلال التركيز فيها على معاناة الشعب الفلسطيني، وما يتطلع إليه في الحديث
عن حالة حلم العودة، والحديث عن سوط الشتات واللجوء، ولكنه يؤكد أن الرواية
الفلسطينية اليوم تستطيع أن تعيد إلى الذاكرة العربية وذاكرة الأجيال حلم التعلق
بفلسطين، والتشبث بها، والانتماء إليها: «كنا سابقاً لا نعرف كثيراً عن خريطة
فلسطين، لكننا اليوم صرنا نعرف الكثير ليس فقط من خلال الرواية، وإنما من خلال عدد
من الأجناس الأدبية». لكن الرواية برأي جمعة تبقى الأهم لأنها ترسم واقعاً سواء
أكان متخيلاً أم موازياً للواقع التاريخي، كما لا ينفي د.جمعة قدرة الرواية
الفلسطينية على معالجة الموضوعات المختلفة.
المزيد من الفاعلية
يعترف الكاتب يوسف جاد الحق (فلسطين) أن الرواية الفلسطينية حتى اليوم، وبعد
صدور نحو 200 رواية في الموضوع الفلسطيني «وهو عدد قليل»، لم تعطِ القضية
الفلسطينية حقها، ليس تقصيراً من جانب الكتّاب وإنما لأن القضية كمأساة ومقاومة
أكبر بكثير من الإمكانيات التي رأيناها حتى الآن في المشهد الروائي والأدبي، حيث إن
الرواية الفلسطينية كانت في أغلب الأحيان تعتني بفنيتها أكثر من الاهتمام بالموضوع
الفلسطيني، حيث كان كل كاتب –برأي جاد الحق- يكتب وفي ذهنه ردود فعل النقاد
والجمهور على ما سيكتب، بدلاً من أن يكون الاهتمام منصباً على رواية حقائق القضية
الفلسطينية ومعالجتها بعمق, وبذلك، فإن الرواية التي لا تعبِّر عن شعبها ومأساته
وقضيته وليس لديها فكرة ولا موقفاً لا قيمة لها كما يشير جاد الحق، وإن فعل الكاتب
ذلك فهو ينتهج مقولة الفن للفن، وهذا مرفوض بالنسبة للرواية العربية بشكل عام،
والرواية الفلسطينية بشكل خاص، لذلك يطالب جاد الحق الرواية العربية والفلسطينية أن
تكون هادفة وملتزمة لا بإيديولوجية معينة وإنما بقضية الوطن، وهذا هو الالتزام
الحقيقي –برأيه- خاصة وأن القضية الفلسطينية قضية معقدة تتعرض للتجاهل قبل الحل،
لذلك فإن الروائي مطالَب أن يتحدث عنها لإيصالها إلى العالم حيث لا جدوى من أن تكون
رواية للأهل والأصدقاء والأشقاء.
رواية عربية بنكهة محلية
يشير إبراهيم خليل (الأردن) إلى أن الرواية الفلسطينية نشأت منذ بدايات القرن
العشرين كمثيلتها العربية، وكانت تلك البدايات على يد كتّاب تأثروا بالأدب الغربي
كخليل بيدس، وقد ظهرت هذه الأعمال على شكل قصص مسلسلة في مجلات وصحف لتطبع بعد ذلك
وتُنشَر في كتب، ولتمر بمراحل متعددة، فظهر روائيون متميزون كجبرا إبراهيم جبرا
وغسان كنفاني. ويبيّن خليل أن حركة التأليف الروائي بعد عام 1967 ونتيجة المقاومة
داخل الأرض الفلسطينية، ومع تزايد الوعي بأهمية الرواية في فلسطين أفرزت جيلاً من
الكتّاب أغنوا المكتبة العربية كرشاد أبو شاور وليلى الأطرش وسحر خليفة، وقد
تناولوا الهم الفلسطيني، سواء من حيث المكان أم الزمان أم التاريخ أم الصراع
العربي-الصهيوني بلغة تعكس خصوصية الواقع الفلسطيني.
رواية المكان بالدرجة الأولى
وصف د.أحمد حيدوش (الجزائر) الرواية الفلسطينية بأنها رواية المكان بالدرجة
الأولى، حيث تبنى كل الأحداث المرتبطة بهذا المكان الذي يصنع الفضاء الروائي بكل
تحولاته، وبالتالي فإن الحديث عن الرواية الفلسطينية هو حديث عن رواية فلسطين،
ويشير إلى أن الروايات التي اتخذت من فلسطين مكاناً لها كثيرة ومتعددة، وبالتالي
فإن الرواية الفلسطينية –برأيه- ليست فقط هي المكتوبة من قبل روائي فلسطيني، وهذا
ما يجعله يرفض فكرة تجنيس الرواية الفلسطينية بجنسية كاتبها فقط لتكون كل رواية
عربية كُتِبَت عن فلسطين هي رواية فلسطينية. وكجزائري يؤكد أن العمل الفني والأدبي
مهما ارتقى فلن يرتقي إلى مستوى القضية الفلسطينية، وما تتطلبه من جهود فنية،
فالرواية الفلسطينية التي نقرأ فيها حياة الفلسطيني واللجوء، وإن حاولت جاهدةً أن
تفعل إلا أنها مازالت بعيدة عن التماس حقيقة القضية الفلسطينية، وجوهر معاناة
الإنسان الفلسطيني، على اعتبار أن القضية بحد ذاتها تتطلب جهوداً روائية وفنية
كبيرة، لتصبح محور كل عمل فني وأدبي عربي.
المخيم ليس صنيعتي
ترى نعمة خالد (فلسطين) أن الرواية الفلسطينية مرت بمراحل ثلاث: مرحلة ما قبل
النكبة وحاولت فيها الرواية أن تتلمس طريق الرواية كفنٍّ كحال الرواية العربية بشكل
عام، وقد حاولت في هذه المرحلة أن ترصد ثنائية الأنا الفلسطينية و(المهاجر)
الإسرائيلي القادم وانعكاس ذلك على البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية في
الداخل. وبعد عام 1948؛ زمن رواية النكبة، التي حاولت أن ترصد حال اللجوء والتحول
السوسيولوجي والنفسي والاقتصادي لهذا المجتمع الذي رُحِّل قسراً من أرضه فلسطين.
وتذكر على سبيل المثال روايات عدنان عمامة وعارف آغا وإميل حبيبي وغسان كنفاني،
التي رصدت حالة اللجوء وحالة المخيم ومعاناة الشعب الفلسطيني في الخارج.
ومع انطلاقة الثورة عام 1965 صار هناك تحول في الرواية العربية بشكل عام،
والفلسطينية بشكل خاص، فأصبح المد القومي وحالة المقاومة سمة أساسية في الرواية
الفلسطينية، فظهر في هذه الروايات البطل السوبرمان الذي لا يُقهَر، لكن بعد انطلاق
الثورة والانتكاسات التي مرت بها مسيرة الثورة الفلسطينية ظهر جيل جديد من الكتّاب
حاول أن يتمثل الواقع، فبدلاً من السوبرمان الفلسطيني الذي لا يُقهَر في الرواية
الفلسطينية صار الفدائي شخصاً عادياً، يخاف، يحب، يكره، مثله مثل أي إنسان آخر، كما
تعرضت الرواية الفلسطينية إلى تحولات كثيرة في بناء الشخصيات الروائية، فأصبحت
الرواية لا تشتغل على الهم السياسي بل انتقلت إلى رصد الهم الاقتصادي والاجتماعي
والإنساني للحالة الفلسطينية بشكل عام «كروايات سحر خليفة وليلى الأطرش وحسن حميد
وتجربتي الروائية التي تحدثت عن التحول السوسيولوجي والتبدل في الهوية الفلسطينية
الذي حدث في فترة الاجتياح 1982».
تعترف نعمة خالد أن الكتّاب الروائيين الفلسطينيين يشتغلون اليوم بطريقة مختلفة عن
طريقة جبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وغسان كنفاني، وإن تأثروا بهم، إلا أنهم خرجوا
من عباءتهم، فصار هناك انفجار في المعنى والسرد والرواية وبناء الشخصيات، وحتى في
المضمون، وتشير خالد إلى أنها كفلسطينية لا تستطيع أن تخرج من جلدها فهي مازالت
ابنة مخيم، وإن كتبت فستكتب عن القضية الفلسطينية، لكن ليس بطريقة غسان كتفاني،
وإنما بطريقة ابنة المخيم، وتوضح أن ما أُخِذ عليها أنها لا تقدس المخيم في
كتاباتها كما حاول بعض الكتّاب أن يفعلوا ذلك وأن يجعلوا منه رمزاً بل هي حاولت أن
تنقد هذا المخيم: «المخيم ليس صنعي ولولا النكبة لما كنتُ ابنة مخيّم».
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حماس.. اثنان وعشرون عاماً
على طريق واحد
تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها
المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع
بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.
للمزيد |
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت
مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن
الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|