رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الأول - السنة الثامنة والعشرون - كانون الثاني (يناير) 2010م - محرّم 1431 هـ

شؤون دولية


البيان الأوروبي عن القدس
خطورته فيما لم يذكره وفيما ذكره على السواء

بون/نبيل شبيب
وجد بيان الاتحاد الأوروبي الصادر يوم 9/12/2009 حول بيت المقدس أصداء تفاوتت بين الترحيب والانتقاد والرفض، وفق تفاوت المنطلقات في التعامل مع قضية فلسطين، ومع أرض فلسطين التي لا تنفصل مدينة القدس عنها جغرافياً وتاريخياً، ولا يمكن أن تنفصل عنها مصيراً.

بيان يكرر ما سبقه؟
من الناحية الشكلية، كانت العبارة المحورية في بيان الاتحاد الأوروبي بشأن القدس هي اعتبارها عاصمة لدولتين، على أساس اتفاق بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يتم الوصول إليه عبر المفاوضات، ولم يخرج النص فيما عدا ذلك عن تكرار مواقف رسمية أوروبية سابقة بشأن عدم الاعتراف بتغيير الوضع القانوني الدولي -وفق الرؤية الأوروبية له- للأرض المحتلة عام 1967، بما في ذلك ما يشمل الجزء الشرقي من المدينة، وهذا ما قد ينشر الانطباع أن الاتحاد الأوروبي تمسّك بموقفه السابق دون تغيير. والواقع أن الأهم من عبارات البيان هو ما لم يذكره، ومن ذلك مثلاً:
- الإدانة الصريحة لقرارات ضم القدس الشرقية وتهويدها بالمستوطنات والإجراءات الإدارية.
- المطالبة الصريحة بعدم تهجير أهل القدس الفلسطينيين ومصادرة ممتلكاتهم، وبعودة من سبق تشريده.
- الإعلان الصريح عن اعتبار القدس الشرقية -على الأقل- عاصمة لدولة فلسطينية مستقلة.
هذا -لو قيل- لصحّت مزاعم أن الاتحاد الأوروبي ما زال يتمسك بحدود 1967، إنما كان جميع ما ورد بهذا الصدد عائماً بصياغة مقصودة حرفاً حرفاً، والتمييع في المواقف السياسية هو المرحلة الانتقالية لموقف قادم، لا يمكن في هذا الإطار أن يكون موقفاً أوروبياً في اتجاه ما يقتضيه الحق والعدل في قضية فلسطين.
من الناحية الشكلية ما زال المنظور الأوروبي يعتبر الأرض المحتلة عام 1948 هي (إسرائيل)، وأن ما عدا ذلك أرض فلسطينية، أي المساحة الجغرافية لقيام «دويلة» فلسطينية مقيدة عليها أو على جزء منها، فعلام لا يذكر البيان ذلك بصياغة قاطعة واضحة؟
أهمية البيان لا تكمن في هذه النواحي الشكلية التي تمكّن عبر ميوعة الصياغة من مواقف الترحيب والانتقاد والرفض والتجاهل محلياً، بل تكمن في المغزى السياسي الذي يؤثر على مجرى التعامل مع قضية فلسطين. وهنا يمثل البيان -بما في ذلك العبارة المحورية فيه- أمرين جوهريين:
الأمر الأول: تحرك الاتحاد الأوروبي خطوة أخرى في اتجاه حصر مستقبل قضية فلسطين في المفاوضات اللانهائية الجارية حيناً والمتوقفة أحياناً، جنباً إلى جنب مع استمرار إجراءات التهويد والتشريد، في القدس وخارج القدس، والتي تصنع واقعاً جديداً، يؤخذ في مرحلة من بعد أخرى من المفاوضات، ذريعة لاقتطاع جزء إضافي من الأرض لصالح جزء إضافي من التهويد والاستعمار الاستيطاني. فالبيان الأوروبي بتعبير مختصر: اختزال قضية فلسطين في «عملية» مفاوضات عبثية بديلاً عن واقعها الأصلي: قضية استعمار وتحرير، حتى في نطاق أرض 1967.
الأمر الثاني: تثبيت الاعتراف بوضع آخر يُعطى صبغة قانونية دولية مزيفة، وهو أسوأ مما كان يعطى هذه الصبغة من قبل. ما المقصود بذلك؟
1- كان يقال إن قرارات التقسيم وحق العودة هي أساس ما يوصف بالشرعية الدولية لقضية فلسطين، وفي ذلك اغتصاب الجزء الأول من الأرض.
2- ثم مُنح هذا الوصف زوراً لقرارات مجلس الأمن الصادرة بعد حربي 1967 و1973، وفيهما تثبيت اغتصاب الجزء الثاني، أي ما تجاوز حدود قرار التقسيم إلى ما بات يسمى حدود 1967.
3- ثم عبر محطات كامب ديفيد ثم مدريد ثم أوسلو، بدأت عملية انتزاع صفة «الأرض المحتلة» بمفهوم القانون الدولي عن الجزء الثالث المتبقي من أرض فلسطين المحتلة. وهو ما يعني تجريم المقاومة بدعوى المفاوضات.
في هذا المسلسل يتخذ البيان الجديد الصادر عن الاتحاد الأوروبي موضعاً خطيراً، عبر المضي خطوة أخرى:
4- أوروبياً لم يعد هذا المنظور مجرد موقف سياسي مختلف عليه، بل يعطيه البيان الجديد صبغة الإلزام للدول التي وافقت عليه، وهو إلزام قانوني دولي بنظرها.
ومما يعنيه ذلك: مضاعفة الاعتماد على ذريعة «المفاوضات» العقيمة وسيلة وحيدة لتقرير مستقبل الأرض المحتلة عام 1967، بما فيها الجزء الشرقي من القدس، لحصار «المقاومة» كوسيلة مرفوضة بالمنظور الدولي!.
وهنا أيضاً يأتي التعامل مع «المقاومة» على أنها وسيلة مرفوضة بمنظور من يرحب بالبيان الأوروبي، كلية، أو ينتقده ولا يرفضه!.

لا تغيير على أرض الواقع
الجدير بالتنويه هنا، أن استصدار البيان كان بمبادرة الرئاسة الدورية السويدية، ولولا ذلك ما صدر بيان أصلاً، وبالتالي لا يصح تأويل ما جاء فيه سلباً أو إيجاباً، كما لو كان بياناً مقصوداً من أجل تحديد معالم دور جديد ما للاتحاد الأوروبي. وليس صحيحاً الزعم أن دوره ضعيف، أو مقيد صهيونياً وأمريكياً، فالواقع أنه يقوم بالدور الذي يريد، وفق الرؤى السياسية للدول ذات النفوذ والتأثير فيه، بما في ذلك الحرص على أن يكون الدور الأمريكي هو الأبرز للعيان على أرض الواقع، ثم مواكبته بالجهود الممكنة لتحقيق الأهداف الأمريكية والصهيونية، فهذا ما يقتضيه ميزان المصالح الأوروبية الحالية، ولن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى دور جديد، ما لم يتبدل التعامل الفلسطيني والعربي معه في اتجاه قد يجعله يبدل هذا الدور عبر موازين المصالح السياسية والاقتصادية وغيرها.
لا بد في تقويم بيان أوروبي جديد، أو أي موقف انفرادي أو جماعي، من إدراك أن واقع التعامل مع قضية فلسطين أكبر شأناً وأوسع نطاقاً من مواقف الترحيب والنقد والرفض لما يصدر في بيان ما.
إن المواقف المتبدلة في مجرى قضية فلسطين ارتبطت في الماضي وحتى الآن، بموازين القوى وتوظيفها، وموازين المصالح ومفعولها. فصدرت دوماً تبعاً لذلك، سواء من أجل دعم وضع باطل، (ونعلم أنه يبقى باطلاً رغم النصوص المختلفة لبيانات واتفاقات لا تلتزم بالمعايير الثابتة في مواثيق الشرعية الدولية) أم في اتجاه يتوافق مع الحق والعدل (والحق يبقى حقاً وإن لم تصدر نصوص تعترف به). ولا يقتصر مفعول موازين القوى والمصالح على المواقف من القدس، شرقها أو غربها، أو أي جزء من الأرض الفلسطينية دون آخر.
إن ما تحققه الصهيونية العالمية والمحلية ومن يدعمها من قوى أخرى، علناً وسراً، يصنع في قضية فلسطين واقعاً، فتلحق به المواقف السياسية، والبيانات الرسمية، بما في ذلك الأوروبية، وليس العكس.
وإن ما تحققه المقاومة الفلسطينية، ومن يدعمها من قوى شعبية ورسمية، يصنع في قضية فلسطين واقعاً، هو وحده الذي يمكن أن يؤثر على المواقف السياسية والبيانات الرسمية، من جانب مختلف الأطراف، إقليمياً ودولياً.
هذه المعادلة لم تتبدل على امتداد تاريخ قضية فلسطين، ولن تتبدل في المستقبل المنظور، كما أنها لا تختلف من ميدان إلى آخر في قضية فلسطين، سواء ما يطلق عليه وصف حلول دولة ودولتين، أم مفاوضات رسمية وعبثية، أم ما يجري تمزيقه بين قضايا عاجلة كالمؤسسات والحواجز والأسرى، وقضايا نهائية كالقدس والعودة والحدود.
إن الرفض الإسرائيلي لا يعني أن محتوى البيان الأوروبي موافق أو مخالف للمنظور الإسرائيلي القائم على الاحتلال والتهويد في القدس وفي بقية أرض فلسطين التاريخية، إنما هو الرفض الذي ينطلق من التشبث بأسلوب فرض الاحتلال والتهويد بالقوة، سواء صدر هذا البيان أم لم يصدر، وسيان هل عُدّل نص مشروعه الأصلي أم لم يُعدّل.
أما الترحيب بالبيان كما عبر عنه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى فلا يعود لطبيعة محتوى البيان بل إلى حقيقة انسياق غالبية الدول الأعضاء في الجامعة وراء منطق المفاوضات اللانهائية وربطها بالإرادة السياسية الدولية بدلاً من الإرادة السياسية العربية. وهو ما يعلم به الأوروبيون فلا يجدون حاجة إلى إصدار بيان أفضل!.
وهنا يتلاقى موسى مع صائب عريقات، بصفته «كبير» المفاوضين باسم منظمة التحرير، أو السلطة، أو فتح، سيان، طالما أن المغزى هو استمرار خنق القضية بعناصرها النهائية والآنية في نفق مفاوضات أخفقت على امتداد 18 سنة على الأقل، وليس أمامها سوى المزيد من الإخفاق إن استمرت سنوات عديدة أخرى سواء حول القدس أم حول أي موضوع آخر.
إنما يختلف عن ذلك موقف الترحيب الصادر عن سلام فياض، فهو موقف يعبر عن لامبالاة بالمفاوضات ومضمونها، وبمن يشارك فيها، ومن يتخذ مواقف دولية أو محلية منها، فالمهم لديه هو المضي -وفق الدور المناط به- في مشروع بناء «مؤسسات فلسطينية تحت الاحتلال»، تكون بديلاً حتى عن التحرير الجزئي من الاحتلال، مع الوصول أو عدم الوصول إلى صيغة مختزلة ما باسم دولة فلسطينية!.
إذا كان البيان الأوروبي منسجماً مع سيرة الدول الأوروبية سياسياً في قضية فلسطين، وهي المنطلق الأول لنكبتها، ومنسجماً مع من يتعامل بمنطق مفاوضات تشغل عن صناعة الواقع على أرض القضية، فإنه لا ينبغي أن يبدّل شيئاً عند من يتعامل مع قضية فلسطين بلغة صناعة الواقع عبر المقاومة، على أرضية ثابتة من المشروعية التاريخية والقانونية الدولية. ولا يمكن للبيانات ولا المفاوضات أن تجعل من الاحتلال والاغتصاب للقدس أو أي جزء آخر من فلسطين، وضعاً مشروعاً، ولا من المقاومة المشروعة والتحرير المفروض انتهاكاً للشرعية الدولية.
وتبقى الإشارة إلى أنه رغم كل اهتمام خاص ببيت المقدس، يجب التأكيد أن مصير المدينة مرتبط بمصير قضية فلسطين، وليس العكس، ولا ينبغي في التفاعل مع مواقف وبيانات وتصريحات تصدر عن القوى الغربية أو محلياً بشأنها، أن تعكس معادلة هذا الارتباط، وأن تشارك في قلب القضية ومشروعية التحرير رأساً على عقب.

 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حماس.. اثنان وعشرون عاماً على طريق واحد

تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.    للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2010