رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الأول - السنة الثامنة والعشرون - كانون الثاني (يناير) 2010م - محرّم 1431 هـ

هدم المنازل وتفريغ السكان..
طريق الصهاينة إلى قدس يهودية خالصة

القدس/مها عبد الهادي
دلّل التقرير المسهب الذي انفردت بنشره صحيفة «هآرتس» الصهيونية في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2009، والموضوع من قبل الاتحاد الأوروبي، على مدى تسارع الخطوات الصهونية لتهويد القدس عبر تغيير الميزان الديمغرافي فيها.
ووفقما جاء في الصحيفة، فإن من قام بوضع التقرير المشار إليه هم قناصلة دول الاتحاد الأوروبي في القدس الشرقية ورام الله. وينتقد هذا التقرير انتقاداً شديداً السياسة الصهيونية في شرقي القدس، ويوصي باتخاذ خطوات احتجاجية ضد الدولة العبرية، وفرض عقوبات على «الجهات المشاركة في عمليات الاستيطان في المدينة ومحيطها».
وبحسب «هآرتس»، فإن التقرير يؤكد أن «حكومة الاحتلال وبلدية القدس تعملان طبقاً «لاستراتيجية ورؤيا» سعياً إلى تغيير الميزان الديمغرافي في المدينة»، و«عزل شرقي المدينة عن الضفة الغربية». كما يحدد التقرير أن الحكومة الصهيونية وبلدية القدس تساعدان جمعيات اليمين الصهيوني، ومنها جمعية «عطيرت كوهنيم» و«إلعاد» لتطبيق هذا الحلم، والسيطرة بشكل أساسي على منطقة «الحوض المقدس» في المدينة.
وكانت تقارير متعددة أشارت إلى أن جهات يمينية خاصة تقوم بشراء بيوت في الأحياء العربية، وتحاول «زرع مستوطنات يهودية في قلب الحي الإسلامي». وتؤكد هذه التقارير حالة التمييز ضد الفلسطينيين في المدينة في كل ما يتعلق بتصاريح البناء، وخدمات الصحة والنظافة والتعليم. فمنذ عام 1967 منحت البلدية 20 تصريح بناء فقط في بلدة سلوان. وتعطي البلدية في كل عام لغاية 200 تصريح بناء فقط للأحياء العربية في المدينة، مع أن الزيادة الطبيعية للفلسطينيين تلزم منح 1500 تصريح بناء سنوياً. ويشير تقرير الاتحاد الأوروبي السابق إلى أنه على الرغم من أن الفلسطينيين يشكلون 35% من سكان المدينة، إلا أن البلدية تخصص لهم بين 5-10% فقط من ميزانيتها في الأحياء الفلسطينية.
ويتبدى حجم التمييز بالمقارنة بين مساحتي القدس الشرقية والغربية. فمساحة القدس الشرقية لم تتغير منذ حرب 67 وهي 6 كيلومترات مربعة، على الرغم من التزايد الطبيعي لعدد السكان، ومساحة القدس الغربية تضخمت منذ ذلك التاريخ إلى 38 كيلومتراً مربعاً. الغرض من ذلك واضح وهو: تهويد المدينة القديمة لتثبيتها عاصمة أبدية للكيان الصهيوني. أما ما يُمنح للفلسطينيين فهو الفتات، مثل مشروع منح الفلسطينيين قرية (أبو ديس)، التي انتُزعت من أراضي الضفة الغربية المحتلة، وضُمت بصورة غير قانونية إلى أراضي القدس الكبرى. وما نجم عن هذا أن عدد سكان القدس من الفلسطينيين، وهو حوالى 219 ألف نسمة، لا يمكنهم توسيع مساحة الرقعة الجغرافية التي يشغلونها خارج حدود عام 67، بينما يناهز عدد سكان القدس من الصهاينة الـ600 ألف نسمة، وهم أحرار في التوسع كما يشاؤون.
إن ما سبق يدلل على أن المؤسسة الصهيونية عزمت على الانتهاء من ملف القدس من خلال تهويد المدينة، عبر خلق حقائق ناجزة على أرض الواقع تحول دون تقسيم المدينة من جهة، وتحول دون قيام عاصمة فلسطينية فيها وفقاً لرؤى بعض التنظيمات الفلسطينية من جهة ثانية.
فمنذ أن وحّدت الدولة العبرية شطري المدينة وفقاً لقانون الكنيست المسنون في 27/6/1967، أي بعد أيام من احتلال المدينة، وإلى هذه اللحظة، لم تتوقف الدولة العبرية عن عملية التهويد، ضاربة عرض الحائط القرارات الدولية كافة والرافضة لعمليات التهويد.

تعددت الأساليب والتهويد واحد
تتعرض المدينة المقدسة إلى عمليات قضم منظم للأراضي، ومصادرات منهجية، تهدف إلى خنق الناس وتشريدهم بشكل بطيء. فالتهويد جارٍ في البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى المبارك، كما تستمر الحفريات المنظمة في هذا المحيط، وبشكل واضح للعيان، بل إن السلطات الصهيونية تعرض بعض أعمال الحفريات على المواقع الإلكترونية الحكومية كموقع دائرة الآثار (www.antiquities.org)، ويتحدث فيه بعض علماء الآثار عن العمل الجاد على فتح قسم من آثار سلوان - البوابة إلى الأقصى المبارك - أمام الصهاينة خلال الأسابيع القادمة. وكانت حكومة نتنياهو كذلك قد وقعت على اتفاقيات ائتلافية، تهدف إلى دعم المنظمات اليهودية العاملة على تهويد المدينة المقدسة.
وتعددت الأساليب التي انتهجتها السلطات الصهيونية لتهويد المدينة، منها:
1- الأسلوب الجغرافي وهو مصادرة الأرض، فمنذ عام 1967 حتى اليوم عام 1999 تمّت مصادرة حوالى 35% من مساحة القدس للمصلحة العامة، أي ما يعادل 24 كيلومتراً مربعاً من مساحة 72 كيلومتراً مربعاً من القدس الشرقية.
2- الناحية الديمغرافية: كان عدد المستوطنين الصهاينة عام 1967 صفراً، اليوم أصبح 180 ألف مستوطن، وتم ذلك عن طريق بناء مستوطنات على الأراضي التي تمّت مصادرتها، حيث بنى الصهاينة 45 ألف وحدة سكنية منذ عام 1967.
3- تهجير الفلسطينيين من داخل مدينة القدس عن طريق الرخص، حيث تتعمد السلطات الصهيونية عدم إعطاء الرخص للفلسطينيين. وفيما يتعلق بالتنظيم والبناء لا يسمح للفلسطيني إذا تم البناء في أن يأخذ رخصة بناء في داخل المدينة لأكثر من ثلاثة طوابق، بينما يُسمح للصهيوني بأن يبني ثمانية طوابق. والدليل على ذلك ما يتم بناؤه في رأس العامود بالنسبة لليهود حوالى 115% من مساحة الأرض، أو ما يعادل حوالى ستة طوابق، بينما لا يبعد الفلسطينيين عنه حوالى 10 أمتار ولا يسمح لهم بالبناء بأكثر من 50% وهي حوالى طابقين.
4- هدم المنازل: ضاعفت السلطات الصهيونية من عمليات الاستيلاء على البيوت العربية في الفترة الأخيرة، الأمر الذي حذرت منه أكثر من جهة حقوقية. فقد حذّر «مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية» من مخطط لبلدية الاحتلال في القدس، يقضي بهدم وشيك لنحو 150 منزلاً في أحياء المدينة المختلفة، كانت صدرت في وقت سابق أوامر فورية بهدمها من قبل الرئيس السابق للبلدية أوري لوبليانسكي، ومن رئيس البلدية الحالي نير بركات.
وقال تقرير لوحدة البحث والتوثيق في مركز القدس إن الجزء الأكبر من هذه المنازل يقع في الأحياء الشمالية من المدينة، خاصة في بيت حنينا، وشعفاط، والأشقرية، ومشروع نسيبة، وكذلك في الضواحي الجنوبية من المدينة، وتحديداً في سلوان والثوري، وجبل المكبر وصور باهر، وفي أحياء وبلدات الطور، والزعيم، والعيسوية، ورأس خميس إلى الشرق من المدينة.
وأشار التقرير إلى أن ما يربو على ألف نسمة يقطنون في هذه المنازل، جزء كبير منها كان شيّد قبل أكثر من ثلاث سنوات، ولا يشمل هذا العدد من المنازل المهددة بالهدم، المنازل التي كانت صدرت أوامر بهدمها في أحياء البستان، والعباسية، وواد حلوة، البالغ عددها نحو 125.
ويؤكد العديد من المصادر الحقوقية أن التشديد في رخص البناء هو فقط على العرب، وبالمقابل يتم غضّ الطرف عن الشارع الصهيوني، مع أن 45% من البناء غير المرخص هو من حظ اليهود.
وكشفت الدراسات أن هناك 100 ألف بيت عربي مهدد بالهدم، وهذا الرقم يحمل الكثير من المعاني والدلائل الفاضحة للهيمنة الصهيونية وللعقلية لمتطرفة. فالحملة الراهنة لهدم البيوت العربية تأتي ضمن الحسابات الجديدة القديمة للمؤسسة الصهيونية، والتي دخلت أزمة أخلاقية وسياسية منذ عقود، وتأزمت مع تفاقم أزمتي الهوية والقيم الصهيونية التي ما فتئت تنهار مداميكها منذ حرب 1967 وإلى اليوم.
من ناحية أخرى، كشفت التقارير عن سيطرة حارس أملاك الغائبين الصهيوني على ما مجموعه 200 منزل داخل أسوار البلدة القديمة، تدار معظمها من قبل جمعية استيطانية يهودية، حوّل بعضها إلى كنس يهودية. إضافة إلى عدد غير محدد من المنازل في أحياء الشيخ جراح، وسلوان، وجبل الزيتون. ولا يشمل هذا العدد من المنازل البؤر الاستيطانية التي تديرها الجمعيات المتطرفة داخل البلدة القديمة وسلوان ورأس العامود، حيث تشرف جمعية «إلعاد» على 70 بؤرة استيطانية.
5- الجدار العازل الذي أخرج ما يزيد على 270 ألف مقدسي، وصادر ما يزيد على 20% من أراضي الضفة الغربية، مع العلم أن الدولة العبرية منذ احتلالها لمدينة القدس قامت بمضاعفة مساحة المدينة ثلاث مرات، عن طريق ضمّ أراضٍ من الضفة الغربية تابعة لـ28 بلدة عربية، ومنها بيت لحم وبيت جالا.
6- منع لمّ الشمل داخل مدينة القدس. إضافة إلى حرمان المواطن المقدسي من فرص عمل، وفرض الضرائب والغرامات الباهظة عليه، والتي لا تتلاءم مع ظروف معيشته، من أجل إجباره على الرحيل.

الهدف: قدس يهودية خالصة
إن ما تقوم به الدولة العبرية في مدينة القدس وأحياء البلدة القديمة من سياسات هدم بيوت، والاستيلاء على أخرى، وطرد سكانها في وضح النهار، والاستيطان في جميع أرجاء القدس، حتى في داخل البلدة القديمة التي أصبح عدد المستوطنين فيها نحو ألف مستوطن، وهذا لا يشمل عدد المستوطنين داخل ما يسمى الحي اليهودي، وهو حي الشرف الذي استولت عليه الدولة العبرية بالقوة عام 1967، وقامت بطرد أهله وترحيلهم وإسكان اليهود مكانهم، إنما يهدف إلى تفريغ مدينة القدس من السكان العرب من أجل جعلها مدينة يهودية خالصة.
إن مواجهة المخاطر التي تلحق بمدينة القدس اليوم، تتطلب وقفة جماعية، وجهوداً مشتركة، لحماية المدينة من الأخطار والمخططات التي تستهدفها، وهناك حاجة وطنية ملحّة لإعادة تفعيل المؤسسات الفلسطينية العاملة بالقدس، وإعادة الحيوية لها، وضخّ دماء جديدة فيها. ولا يجوز أن تبقى المدينة على حالها، مغيبة عربياً وإسلامياً، دون أن تتحمل الدول العربية والإسلامية المسؤولية تجاه ما تعانيه المدينة من مخاطر، تستهدف الوجود الفلسطيني فيها، ودون أن تتحمل أي جهة المسؤوليات تجاه المدينة المقدسة التي تئن تحت سطوة الاحتلال وسياسته العنصرية.
 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حماس.. اثنان وعشرون عاماً على طريق واحد

تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.    للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012