رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الأول - السنة الثامنة والعشرون - كانون الثاني (يناير) 2010م - محرّم 1431 هـ

تحليل


بسبب الاستيطان وجرائم الحرب في غزة
الاحتلال يعيش في عزلة والملاحقات القضائية سلاح فلسطيني مسلّط على قادته


تعيش دولة الاحتلال الصهيوني في هذه الآونة حالة غير مسبوقة من الشعور بالعزلة الدولية، التي تضاف لعزلتها الإقليمية، بعد فشلها في الحصول على الشكل الطبيعي في «خريطة العالم العربي».
وعززت حرب الاحتلال على غزة، والتي أطلق عليها اسم «الرصاص المصبوب» بين السابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2008 والسابع عشر من كانون الثاني/يناير 2009، من هذه العزلة التي بدأ رموز الاحتلال يطلقون نداءات الاستغاثة للخروج منها.
كما يبدو أن «الرأي العام الدولي والغربي»، على وجه التحديد، صار أكثر تنبّهاً لتجاوزات الاحتلال في مجال البناء الاستيطاني في الجزء الذي تعتبره «الشرعية الدولية» محتلاً للأرض الفلسطينية.

مظاهر العزلة
أدخلت «حرب غزة» الأخيرة كل محاولات دولة الاحتلال للتواصل مع الشعوب العربية في «ثلاجة للتجميد»، بل وخلقت موقفاً رسمياً عربياً عاجزاً عن مطالبة الشارع العربي بالانفتاح على علاقات طبيعية و«تطبيعية» مع دولة الاحتلال.
وأصبحت أخبار رفض الوفود العربية الزائرة للضفة الغربية ولسلطة رام الله وضع الختم «الإسرائيلي» على جوازات السفر أمراً مألوفاً، مثلما اعتاد سفراء دولة الاحتلال على الاستقبال بتجهم، والطرد من المرافق العامة والخاصة في العواصم العربية والإسلامية.
وإذا كانت خسارة «تل أبيب» للتفاعل مع الشعب العربي أمراً يدخل في حسابات المنطق، فإن الأيام التي تلت الحرب بدأت تكشف عن خسارات أخرى ربما بدت ذات عمق أكبر وتأثير أشد على دولة الاحتلال.

خسارة الأتراك
تمثّل مواقف تركيا التي تزامنت حرب الاحتلال على غزة مع صعود نجم الإسلاميين فيها وإحكامهم السيطرة على مقاليد الحكم، لطمة صريحة لدولة الاحتلال التي باتت عاجزة عن مجاملة أنقرة، وأصبحت تجاهر في توجيه الانتقادات لها.
لقد خسر الاحتلال الحليف التركي القوي في المنطقة بما تعنيه تلك الخسارة من أبعاد استراتيجية واقتصادية وعسكرية كبيرة، تجاوزت حدود وقف النشاطات العسكرية والمناورات المشتركة إلى مرحلة تكريس قناعة «العثمانيين الجدد» بعبثية الحلف مع «تل أبيب»، والاتجاه لتحسين العلاقات مع الجيران العرب، لا سيما سوريا إحدى الدول الأساسية التي تعتبرها (إسرائيل) عدواً لها.

في أوروبا
ومن تركيا والعالم العربي إلى أوروبا منشأ كيان «الحركة الصهيونية»، حيث برزت العزلة في قرارات المقاطعة الأكاديمية التي تبنتها كثير من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العليا في أوروبا تجاه جامعات ومعاهد الاحتلال.
وينمو اليوم بشكل متصاعد تيار يطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ويعتبر التعاون الأكاديمي مشاركة علمية في ذلك الاحتلال، خاصة مع نمو المؤسسات الأكاديمية التعليمية المقامة في المستوطنات بالضفة الغربية مثل «معهد أريئيل».
وروى الكاتب سيبر فلوتسكر أن أحد المحاضرين الجامعيين الإسرائيليين اليساريين في بريطانيا أبلغه أن حياة أي إسرائيلي في الخارج باتت شبه مستحيلة.
وضرب مثلاً من تجربته هناك فقال «حياتي الاجتماعية والأكاديمية تحوّلت إلى جهنم، زملائي في المهنة ابتعدوا عني كما لو كنت أجرب، لا يدعونني إلى لقاءاتهم. ولكي يغلقوا الباب في وجهي نقلوا لقاءاتهم للبيوت الخاصة، لم يفدني أنني يساري أعارض الاحتلال وأقول بصوت عال إنني أؤيد العودة إلى حدود 1967، قاطعوني، فاليوم يقبلك البريطانيون فقط إذا كنت ترفض حق (إسرائيل) في الوجود، وتقول إن الصهيونية حركة إمبريالية، وإن ما فعلته (إسرائيل) في حرب غزة هو جريمة حرب ضد الإنسانية».
كما ينعكس الموقف الشعبي الأوروبي الذي يعزز عزلة الكيان الصهيوني على قرارات البرلمانات الأوروبية المختلفة، والتي شرعت القوانين المناهضة للاستيطان وأبرزها البرلمان البريطاني الذي يناقش قانوناً يوصي بإظهار منشأ البضاعة الإسرائيلية التي تمّ إنتاجها في المستوطنات، وتمييزها عن تلك المنتجة في فلسطين المحتلة عام 1948، في خطوة ينظر إليها كإنجاز لدعوات مقاطعة الاحتلال وتكريس عزلته.

ضغوط سياسية
تجاوزت عزلة كيان الاحتلال الكثير من الخطوط التي كان ينظر إليها على أنها حمراء، ووصلت للإدارة الأمريكية الجديدة التي بدأت عهدها بممارسة ضغوط على تل أبيب -تراجعت عنها فيما بعد- كانت بحد ذاتها من مظاهر العزلة التي تعيشها الدولة العبرية.
تلك الضغوط دفعت بدولة الاحتلال للإعلان عن تجميد «صُوري» للبناء في المستوطنات لعشرة أشهر، فيما بدا أشبه بصفقة أمريكية - إسرائيلية لإجبار رئيس السلطة المنتهية ولايته في رام الله محمود عباس على العودة لمفاوضات التسوية مع الاحتلال.
ورغم اختراق هذا القرار قبل أن يجف الحبر الذي كتب فيه، إلا أن مجرد إصداره كان انكفاءة مهمة لسيطرة «تل أبيب» على وجهة واشنطن ومواقفها.
ويقول دوف فايسغلاس، الكاتب الصحفي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، إن قرار تجميد البناء لم يلق ترحيب «الرباعية الدولية»، مؤكداً أن الشكّ الأولي وشبه التلقائي الذي واجهته خطة تجميد البناء في العالم تعكس العزلة التي تعيشها دولة الاحتلال.
ويعتقد الكاتب أن قرار تجميد البناء جدير بأن يقرأ على أنه «تسليم بواقع سياسي آخذ في الاحتدام يجعل استمرار التواجد الاسرائيلي في الضفة الغربية وشرقي القدس متعذراً».
وينظر كثيرون إلى أقوال كتلك على أنها نتيجة حتمية للشعور الذي ينتاب قادة الاحتلال بتعاظم عزلتهم، خاصة وأن معظم الدول الأوروبية تؤيد بشكل تقليدي الطلب الفلسطيني بانسحاب إسرائيلي كامل إلى حدود 67 وتعارض كل تواجد إسرائيلي في الضفة الغربية.
ويقول الكاتب إن استمرار البناء الاستيطاني في كل أرجاء الضفة الغربية يسحق الذخر السياسي الأساس لـ(إسرائيل)، وهو علاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة.

حصار العزلة
وتزداد المخاوف والتوجسات لدى قادة الدولة العبرية من اتساع نطاق عزلتهم إلى الحد الذي بات يشعرهم أنهم يعيشون في حصار.
وكشفت مصادر في خارجية الاحتلال أن مئات المحامين والنشطاء السياسيين العرب والأجانب، يعملون بصورة حثيثة منذ بضعة أسابيع، على إعداد لوائح اتهام ينوون تقديمها في عدة محاكم أوروبية، من أجل محاكمة عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين، العسكريين والسياسيين، بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية.
ويستدل من هذا النشاط حسب وزارة الخارجية، أن أولئك النشطاء يستهدفون الزعماء الإسرائيليين في فترة الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، وكذلك عمليات أخرى في الماضي، مثل عملية اغتيال صلاح شحادة، القائد العام لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة حماس سنة 2002، التي قتل خلالها تسعة أطفال وخمس نساء.
ومن بين المشبوهين المقرر محاكمتهم رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، ووزيرا الدفاع الحالي والسابق، إيهود باراك وبنيامين بن إليعيزر، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق وزير الشؤون الاستراتيجية حالياً، موشيه يعلون، ورئيس الأركان التالي، دان حالوتس، ورئيس الأركان الحالي، غابي أشكينازي، ورؤساء المخابرات، عامي إيلون وآفي ديختر ويوفال ديسكين، وضباط كبار آخرون في الموساد والمخابرات والجيش.
وحسب التقارير الواردة إلى الخارجية الإسرائيلية، فإن المحامين المذكورين يجمعون الشهادات من فلسطينيين تعرضوا لاعتداءات إسرائيلية خطيرة، وهم يعملون بتنسيق تام في ما بينهم ويزودون بعضهم بعضاً بما يجمعونه من معلومات، وينسقون نشاطاتهم مع فلسطينيين مقيمين في أوروبا.
كما تشير المعطيات ذاتها إلى تعاون وثيق بين أولئك النشطاء ونشطاء حقوقيين في دولة الاحتلال نفسها، خاصة بين صفوف نشطاء حركات وجمعيات حقوق الإنسان.
وتم ذكر المحامي اليهودي البريطاني، دانييل مخوفر كأحد أبرز هذه الشخصيات القانونية التي تقود الحملة ضد (إسرائيل).
ومخوفر اليهودي البريطاني مغضوب عليه في (إسرائيل) كونه المحامي الذي استصدر أمر اعتقال ضد الجنرال دورون ألموغ، القائد الأسبق للواء الجنوب في الجيش الإسرائيلي الذي كان مسؤولاً عن قطاع غزة لدى اغتيال صلاح شحادة.
وكان ألموغ في الطائرة القادمة من «تل أبيب» إلى لندن، عندما صدر القرار باعتقاله بهدف التحقيق معه في تلك الجريمة، فما أن حطت في مطار هيثرو، حتى صعد إليها سفير (إسرائيل) وطلب إليه أن لا ينزل من الطائرة ويعود على الرحلة نفسها.
وحذرت التقارير من أن هذه المجموعة تقوم برصد نشاط الجمعيات والتنظيمات والجامعات التي تدعو شخصيات إسرائيلية إلى الحديث لديها، وذلك للتعرف على تحركات هؤلاء المسؤولين ومفاجأتهم بأوامر الاعتقال.
من جهته، قال المدير الأسبق لديوان رئيس الوزراء والساعد الأيمن لرئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إسحق رابين، إن «إسرائيل تعيش عزلة دولية رهيبة»، وإن هناك إسرائيليين كثراً يحلو لهم أن يقولوا إن هذه العزلة بسبب اللاسامية والكراهية التقليدية لليهود.
وبيّن أن النفور من (إسرائيل) وعزلتها ناجمان عن سببين أساسيين، الأول أن الولايات المتحدة ملّت من الوقوف إلى جانب (إسرائيل) في السرّاء والضرّاء، وأنها لم تعد تغض الطرف عن ممارسات (إسرائيل) وسياستها، وأصبحت في زمن باراك أوباما تفتح عينيها على اتساعهما لتقول إنها ترفض استمرار الاحتلال.
والسبب الثاني يكمن في وجود بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكم، حيث يعتبره العالم مخادعاً يتكلم بلسانين، أحدهما لليمين المتطرف والثاني لهيلاري كلينتون.

في الصميم
وعجزت سلطات الاحتلال عن منع إقرار تقرير «غولدستون» الذي اتهم الدولة العبرية بارتكاب جرائم الحرب في عدوانها على غزة نهاية عام 2008 ومطلع عام 2009.
وإذا كانت «تل أبيب» قد جنّدت العالم وركزت على دور للسلطة الفلسطينية في رام الله لمنع إقرار التقرير في مجلس حقوق الإنسان الدولي في جنيف، فإن الضغط الشعبي الفلسطيني قاد هذا التقرير مرة أخرى للنقاش والاعتماد، وصدرت استناداً إليه مذكرة اعتقال في لندن بحق تسيبي ليفني وزيرة خارجية الاحتلال خلال فترة الحرب وإحدى أركان الحكومة التي قادت تلك الحرب.
وأسست هذه المذكرة لمرحلة جديدة، عنوانها قلق قادة دولة الاحتلال والمشرفين على سياساتها من قرارات ومذكرات توقيف مشابهة في عواصم عالمية مختلفة، وهو ما زاد من توجّسهم من زيارة تلك الدول، وبالتالي زاد من عزلة الدولة العبرية.
 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حماس.. اثنان وعشرون عاماً على طريق واحد

تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.    للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012