رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الأول - السنة الثامنة والعشرون - كانون الثاني (يناير) 2010م - محرّم 1431 هـ

في الذكرى الأولى للعدوان الصهيوني على غزة:
المتحمسون والمعارضون الإسرائيليون للحرب يؤكدون عدم إمكانية حسم المواجهة عسكرياً

أشعلت ذكرى الحرب الإسرائيلية الإجرامية على قطاع غزة جدلاً واسعاً بين النخب الإسرائيلية حول الحرب ونتائجها وأهدافها الحقيقية. وقد جاء هذا الجدل على شاشات التلفزة، وصفحات الجرائد، وفي الندوات، والأيام الدراسية التي نظمتها مراكز الأبحاث.
ففي مقال صحفي اعتبر البروفسور أورن يفتاحئيل؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة «بن غوروين» في النقب، أن ما قامت به (إسرائيل) خلال الحرب من فظائع هو «سلوك إسرائيلي تقليدي، يمثل استمراراً للنهج الصهيوني القائل بأنه بالإمكان وقف الزمان الفلسطيني، ومحو تاريخ الفلسطينيين ومكانهم، وتجاوز الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، والتي تعتبر حقوقاً قائمة بفضل مشروعيتها، وليس منّة من إسرائيل». وأضاف «لم يكن الغزو الإسرائيلي لغزة مجرد عملية عسكرية لوقف الصواريخ، أو مسعى لتلميع شخصيات سياسية تمهيداً للانتخابات، أو محاولة لترميم الردع الإسرائيلي. ولم يكن فقط مجرد محاولة أخرى لفرض النظام لدى الآخرين، وإسقاط حكومة حماس المنتخبة. وليس مسعى إسرائيلياً أمريكياً للسيطرة في حيز إسلامي بمستويات متصاعدة من العنف. لقد هدفت الحرب لتحقيق كل الأهداف السابقة، وعلاوة على ذلك فهو يمثل استمراراً لاستراتيجية معتمدة منذ زمن بعيد، تهدف إلى إنكار ومحو وشطب أي ذكر لتاريخ هذا المكان في العصور الأخيرة».
واتهم يفتحائيل جميع المستويات والنخب في (إسرائيل) بالمشاركة في مشروع المحو هذا، حيث ينخرط فيه السياسيون والفنانون ووسائل الإعلام والباحثون في الجامعات والمثقفون الإسرائيليون. وأكد يفتاحئيل أن شنّ (إسرائيل) الحرب على قطاع غزة، وعلى حركة حماس على وجه الخصوص، جاء لأن صعود حركة حماس أحبط إمكانية تمرير حل الدولتين، فكان الحصار والقصف والقتل.
وأشار يفتحائيل إلى أن النخب الحاكمة في (إسرائيل) حقنت كثيراً على حماس، لأن فكرة حل الدولتين مثل فكرة مثالية بالنسبة لـ(إسرائيل)، لأنها كانت تعني مواصلة (إسرائيل) مشروعها الاستيطاني الإحلالي بشكل لانهائي.
واعتبر يفتحائيل أن تنصيب إسماعيل هنية، وهو الذي ولد من أسرة لاجئة، مثّل بعداً إضافياً لتشبث الفلسطينيين بحق العودة للاجئين، الذي تعتبره (إسرائيل) خطراً وجودياً عليها. وأشار يفتحائيل إلى أن (إسرائيل) بدلاً من مواجهة الواقع بكل تعقيداته لجأت إلى «إرهاب الدولة». وختم يفتاحئيل مقاله قائلاً «إن مزيداً من أطنان الرصاص والمتفجرات، ومزيداً من قتل الأطفال وإحراق مدن القطاع، لن ينجح في إسكات صوت التاريخ، فالزمن الذي ضاع في صخب طبول الحرب سوف يعود بعد موته».
أما يورام شفارتس؛ المحاضر في قسم «دراسات الإرهاب» في «مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات»، الذي لا يخفي تحمّسه للحرب على حركة حماس، فإنه يشير إلى نقطة بالغة الأهمية، حيث يؤكد أنه من الصعب جداً على (إسرائيل) تحقيق حسم على منظمات تتخذ أسلوب حرب العصابات.
وأشار شفارتس إلى سلسلة من المعيقات التي تجعل (إسرائيل) غير قادرة على حسم المواجهة بشكل واضح وجلي مع حركة حماس وحزب الله، على اعتبار أن المنظمتين تعتمدان على على أجهزة متعددة، وعلى دعم وإسناد شبكة من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، وتعملان في قلب الحيز المدني المأهول بكثافة، داخل دول أو كيانات سياسية هشة. وأشار شفارتس إلى أنه على الرغم من أن نجاح حماس في مواجهة آلة الحرب الإسرائيية كان محدوداً، إلا أنها نجحت في المقابل في منع (إسرائيل) من تحقيق نصر بائن وواضح كان يُفترض أن يتحقق نتيجة التفوق الجوي والكثافة النارية الإسرائيلية.
ويدافع شفارتس بحماس عن المس بالمدنيين خلال الحرب الأخيرة، ويقول «إن من يعتقد أن في الإمكان خوض حرب ضد منظمات عسكرية، تعمل بغطاء بيئة مدنية في دول فاشلة، من خلال استراتيجيا «جراحة موضعية» فقط، ومن دون المسّ بالمدنيين، يوهم نفسه. في المقابل، فإن من يتوقع أن تتمكن دولة ديمقراطية من هزيمة منظمات تعتمد حرب عصابات عسكرية هزيمة تامة وجلية، قد يجد نفسه محبطًا حين يتضح أن دعم الدول الراعية لهذه المنظمات، ودعم أجهزتها المدنية، سيمكنها من إعادة بناء قوتها وترميم قدرتها على العودة لاستئناف نشاطها الإرهابي والعسكري، وربما تجديد كامل قواها العسكرية».
من ناحيته اعتبر الصحافي والمؤرخ الإسرائيلي الجديد توم سيغف أن أحد أهم أهداف الحرب والحروب القادمة هو تطبيق «مبدأ أصيل» في الفكر الإسرائيلي المؤدلج بالصهيونية. ويعتبر سيغف أن هذا التفكير ينم عن عقلية كولونيالية راسخة. وأضاف «إسرائيل تسدّد الضربات للفلسطينيين من أجل أن تلقنهم درساً، وهذه هي إحدى الفرضيات الأساسية، التي ترافق المشروع الصهيوني منذ بدايته. فنحن -اليهود- مندوبو التقدّم والحضارة، الحنكة العقلانية والأخلاق، والعرب هم رعاع بدائيون ذوو نزعات عنيفة وهوجاء، جهلة لا بُدّ من تربيتهم وتعليمهم الفهم الصحيح بطريقة «العصا والجزرة»، على غرار ما يفعل المكاريّ مع حماره»، على حد تعبيره.
ويكمل سيغف أن (إسرائيل) افترضت أن يقضي القصف على سلطة حماس، وفقاً لفرضية أخرى ترافق الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، وبموجبها في الوسع أن نفرض على الفلسطينيين قيادة معتدلة تتنازل عن تطلعاتهم القومية. إن التبرير الإسرائيلي للحرب على غزة، والأهداف التي وُضعت لها، هي بمثابة إعادة لفرضيات أساسية ثبت بطلانها مراراً وتكراراً، غير أن (إسرائيل) تعيد إنتاجها من حرب إلى أخرى»، على حد تعبيره.
يبدو لي أن المعلق السياسي والعسكري الإسرائيلي عوفر شيلح كان أول من أشار إلى كون العدوان الإسرائيلي الراهن على غزة، جسداً وبشراً، والذي أطلق عليه اسم «عملية الرصاص المصبوب»، يندرج في إطار «عقيدة دفاعية جديدة» في (إسرائيل). وقد تبلورت هذه العقيدة فعلاً في الآونة الأخيرة من دون أن تكون نتاج تفكير مدروس، على حدّ قراءته. وفحوى هذه العقيدة الجديدة، وفقاً لهذا المعلق، هو أن تتصرف (إسرائيل) باعتبارها «دولـة هوجـاء» في مقابل «أعداء يتبنون استراتيجيا الاستنزاف وإطلاق النار عن بعد». وبكلمات أخرى «أن تردّ (على مصادر إطلاق النار) بعملية عسكرية كبيرة ووحشية، بغض النظر عن عدد الضحايا في صفوفها!» (صحيفة معاريف، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2008).
وعقب إشارة شيلح هذه، أكد أكثر من معلّق سياسي وعسكري إسرائيلي أن جانباً من التطبيقات المفرطة في وحشيتها لهذه العدوانية الإسرائيلية الهوجاء في غزة مستوحى قلباً وقالباً من «مقاربة الحرب الروسية في جورجيا»، خلال الصيف الفائت، والتي تقف في صلبها عقيدة أن «كل شيء في الحرب مباح»!. وذهب المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، إلى حدّ القول إنه من الآن فصاعداً ما عاد في إمكان الجنرالات الإسرائيليين، الذين سبق أن تحدثوا بلهفـة عن الأساليب التي استعملها الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين خلال حربه على جورجيا، إلا أن يتحدثوا باللهفة نفسها على أداء الجيش الإسرائيلي في القطاع.
البرفسوران إبراهام سيلع وأورن باراك، من الجامعة العبرية في القدس المحتلة، يشيران إلى أن سلوك (إسرائيل) خلال الحرب على القطاع مثّل «فشلاً أساسياً في التفكير السياسي والعسكري». واعتبرا أن «حرص (إسرائيل) على استهداف المرافق المدنية والسيادية خلال الحرب، يعني أن (إسرائيل) لم تميّز بين من يمارس العنف ضد (إسرائيل) وبين من يمكن، عاجلاً أم أجلاً، أن ينجح في إقامة سلطة مستقرة في الجانب الآخر»، على حد تعبيرهما. وبخلاف وجهة النظر الإسرائيلية التقليدية، فإن كل من سيلع وباراك يريان أن انعدام الاستقرار السياسي لدى العرب، والذي يتمثل في ضعف الحكم المركزي، شكّل عاملاً مقوضاً في العلاقات الإسرائيلية - العربية، في حين أدى الاستقرار السياسي في الجانب العربي، بصورة عامة، إلى استقرار في هذه العلاقات. وعلى سبيل المثال، فإنه يوجد لـ(إسرائيل) سلام رسمي مع دول مستقرة مثل مصر والأردن. ويشير الباحثان إلى حالة سوريا ولبنان كحالة مثالية لتأكيد وجهة نظرهما، مشيرَيْن إلى أنه نظراً لإستقرار نظام الحكم والأوضاع في سوريا فإن علاقتها مع (إسرائيل) مستقرة، في حين أن الأمر يختلف مع لبنان، على الرغم من أن قائمة المشاكل بين (إسرائيل) وسوريا أكثر عمقاً بكثير عما عليه في العلاقة مع لبنان. وأضاف الباحثان «إذا كانت (إسرائيل) معنية بالحد من العنف من جانب منظمات مثل «حماس» و«حزب الله»، فإنه يتعين عليها أن تتطلع إلى إقامة سلطة مستقرة في الجانب الآخر، والشرط الضروري لذلك هو ظهور زعامة معترف بها ومؤسسات ناجعة».
ويشير الباحثان إلى أن الدولة السيادية لديها ما تخسره -موارد ومكتسبات مادية وتأييد محلي ودولي-، في حين لا توجد لمنظمات مثل «حزب الله» و«حماس» مكتسبات أو مسؤولية تجاه المجتمع الدولي.
ويشير الباحثان إلى أن (إسرائيل) تحارب منظمة «حماس» في قطاع غزة، وهي منظمة لا تمثل دولة، وتستخدم قوة عسكرية كبيرة بهدف قهر وإخضاع هذه المنظمة، منوهين إلى أنه حتى في الوقت الذي يتمتع فيه الجانب الإسرائيلي بتفوق حاسم في الجو والبر والبحر، فإنه لا ينجح في تحقيق الحسم، وبالتالي فإن الاستخدام المستمر للقوة العسكرية يؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل في التأييد لـ(إسرائيل) والمسّ بقدرتها الردعية، التي تسعى إلى ترميمها. وأشار الباحثان إلى أن حماس حركة اجتماعية وسياسية، نجحت في الفوز بتأييد واسع في صفوف الجمهور الفلسطيني في الانتخابات الأكثر ديمقراطية التي جرت على الإطلاق في أي مجتمع عربي. واعتبر الباحثان أن تدمير هذه المؤسسات المدنية قطاع غزة سيؤدي إلى «فراغ سلطوي وفوضى اجتماعية ستفاقم على المدى البعيد المخاطر المتربصة بإسرائيل». وختم الباحثان مقاربتهما بالقول «لن يختفي مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في قطاع غزة من واقع حياتنا، حتى إذا منيت «حماس» بهزيمة عسكرية ساحقة، وهو أمر مشكوك فيه أصلاً في ضوء التجربة الفاشلة، توجد لـ(إسرائيل) مصلحة جلية في توطيد كيان فلسطيني سياسي مستقر وذي هيبة في قطاع غزة، حتى وإن لم يكن مثل هذه الكيان ودياً تجاه إسرائيل».

 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حماس.. اثنان وعشرون عاماً على طريق واحد

تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.    للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012