|
|
مجازر الاحتلال محفورة في ذاكرة ضحايا العدوان على غزة:
سميرة بعلوشة تبكي بناتها الخمس وعوني ينادي على ابنه يوسف
غزة/محمد أبو قمر
انطوى عام على العدوان الصهيوني على غزة، وما زالت ذكريات الحرب الأليمة راسخة
في عقول ضحاياها، ومحفورة في الذاكرة، لم تتمكن الأيام من محوها من ذاكرة الأمهات
الثكالى، والنساء الأرامل، والأطفال اليتامى.
تمرّ ذكرى الحرب التي اندلعت شرارتها في السابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر عام
2008، وخلّفت ألف وأربعمائة شهيد وخمسة آلاف منزل مدمر، ويبقى الجرح الفلسطيني
غائراً يبحث عمن يضمده.
محفورة بالذاكرة
في شوارع غزة المدمرة تبدو وكأن الحرب لم تنته، حيث الأنقاض على حالها وتردد
أصحاب المنازل على أطلال منازلهم لم يتوقف، فعلى أعتاب بيت صغير مدمر وسط مخيم
جباليا تقف سميرة بعلوشة (في العقد الثالث من عمرها) شاردة الذهن، وشريط الذكريات
يعود بها إلى مجزرة بشعة ارتُكبت بحق عائلتها، وأفقدتها خمساً من بناتها.
في ليلة ظلماء خيمت عليها أصوات طائرات الاحتلال المقاتلة، خلدت بعلوشة وأسرتها
للنوم مبكراً، بعد أن تركوا منزلهم عدة أيام، خوفاً من تهديدات الاحتلال بقصف مسجد
الشهيد عماد عقل.
وما إن أمنت العائلة وعادت للمنزل، وغلب النعاس على الأم بعد أن غفت عيون أطفالها
الذين كانوا يرتجفون خوفاً من شدة القصف، فإذا بها تستيقظ على صوت الانفجار وركام
المنزل يغطي جسدها.
دخلت بعلوشة في دوامة من الدوار ولم تستعد وعيها إلا في المستشفى، حيث أبلغوها أن
خمساً من بناتها لقين حتفهن جرّاء انهيار المنزل على رؤوسهن وهن نيام.
بعلوشة التي نجت هي وزوجها وطفلها الوحيد واثنتان من الفتيات ما زالت تتردد على
المنزل المدمر بين الفترة والأخرى، وتستعيد مشهد المجزرة كلما وقفت على ركام بيتها.
فور عودة بعلوشة وزوجها مؤخراً من الأراضي الحجازية بعد أن أدّيا فريضة الحج ضمن
مكرمة الملك السعودي لأهالي شهداء الحرب، سارعت لزيارة منزلها المدمر والدموع تنساب
على وجنتيها، ولسانها يدعو لبناتها بالرحمة والمغفرة.
قتل العائلات
الطريق الوعرة إلى جبل الريس شرق مدينة غزة لم تتغير منذ عام، حيث دارت في تلك
المنطقة حرب ضروس أودت بحياة عدد من المواطنين، وأجهزت على منازلهم.
من فوق الركام، كانت أصابع يد الدكتور عوني الجرو تشير إلى المنزل الذي لم يعد سوى
ركاماً، «هنا بنينا أحلامنا برفقة زوجتي ألبينا وأطفالي عندما عدت من أوكرانيا عام
1997 فور انتهاء دراستي. كانت رحلة شاقة في البناء، شكّلت زوجتي خلالها المساند
الأكبر لي»، هكذا تحدث الجرو الذي بدأ باسترجاع شريط الذاكرة إلى لحظات عصيبة مرت
كابوساً لم يفق منه بعد.
ويقول الجرو «في أول أيام الحرب البرية تقدمت دبابات الاحتلال إلى منطقة جبل الريس
التي كانت أرضاً خصبة لعمليات الاحتلال على مدار الانتفاضة، ورفضنا فكرة ترك المنزل
حيث اعتدنا على الاجتياحات سابقاً، ولم نتعرض خلالها لأي أذى» .
ظهر يوم الخميس الثامن من كانون الثاني/يناير 2009، كان الدكتور الجرو يجلس في إحدى
غرف المنزل التي تعد منفصلة عن الجزء الآخر الذي تواجدت به زوجته وأطفاله، حينما
توالت أربع قذائف في السقوط عليه. في تلك اللحظة ارتمى على الأرض من قوة الضربة،
ولم يعد يعلم ما يدور حوله بعدما غاب عن الوعي.
بعد فترة من الزمن انتفض من مكانه رغم الإصابة في رأسه، فتبين له في اللحظات الأولى
أن زوجته كانت تقف في المطبخ، بينما كان طفله الأصغر يوسف نائماً في سريره، فيما
تواجدت ياسمين ابنة الاثني عشر عاماً وعبد الرحيم ابن الرابعة عشرة من عمره في
الغرفة.
القذيفة الأولى كانت أقرب إلى الدكتور الجرو الذي يعمل طبيباً في قسم الباطنة بمجمع
الشفاء الطبي، فأبعدته عن المشهد وأحدثت أضراراً في المنزل، عندها أسرعت الزوجة إلى
غرفة النوم لتفقد طفلها النائم فانتشلته مسرعة مع بقية أبنائها.
ولم تكمل الأم صراخها على أبنائها «يلا نهرب» حتى باغتتها القذيفة الثانية وأصابت
الجزء السفلي منها وهي تحمل طفلها، بينما شطرتهما القذيفة الثالثة إلى نصفين.
بعدما أفاق من صدمته هرع الدكتور الجرو إلى الجزء الذي تواجدت به زوجته وأبنائه،
ودخل غرفة النوم مسرعاً وهو ينادي «يوسف.. يوسف»، فلم يجبه أحد، حينها وجد ياسمين
على قيد الحياة رغم الكدمات التي أصابت وجهها، وقالت «يوسف أخذته ماما».
خرج الدكتور من غرفة نوم أطفاله فتفاجأ بمشهد ابنه عبد الرحيم والنيران تشتعل في
جسده ليسأله عن أمه ويوسف، وبصعوبة أجابه «اتطلع تحت رجلك».
هناك كانت الفاجعة، حيث ما تبقى من جسد زوجته الذي أصابته القذائف وقدم ابنه.
أحداث دراماتيكية تسارعت على لسان الدكتور الجرو الذي حاول مداراة الدموع التي
ارتسمت في عيونه، وكأنه عايشها قبل لحظات.
وبينما مرارة الألم تعتصر قلب الدكتور كبقية أهالي المنطقة المدمرة، تبقى مشاهد
الدماء راسخة في ذهنه لم تزلها الأيام.
تفاصيل المجزرة
لم تكن الطريق إلى عزبة عبد ربه إلى الشرق من بلدة جباليا شمال قطاع غزة أفضل،
فالطريق لم تعد منبسطة كما كانت رغم مرور عام على الحرب، كما أن معالم المنازل قد
تغيرت إثر القذائف والصواريخ التي سوّتها بالأرض وباتت أثراً بعد عين.
سلمان أبو سليم أحد سكان المنطقة الناجين من الحرب، يروي تفاصيل المجزرة التي بقي
شاهداً على بشاعتها.
يقول أبو سليم وهو يقف فوق سطح منزل وحيد لم ينهر من بين المنازل المجاورة، ليرسم
من خلاله خط سير جرائم الاحتلال «مع بدء المرحلة الثانية من الحرب وإعلان قوات
الاحتلال بدء العدوان البري، انهمرت قذائف الاحتلال على المنطقة بشكل كثيف، قبل أن
تتقدم آليات الاحتلال إلى المنطقة».
وما هي إلا دقائق معدودة، ومع منتصف الليل، اشتدت أصوات الانفجارات والقذائف التي
تطلقها دبابات الاحتلال المتقدمة.
ويشير أبو سليم بيده إلى منزل جاره صلاح أبو أيوب الذي هدمته قوات الاحتلال على
رأسه دون سابق إنذار، وبقي تحت الأنقاض لحين انسحاب قوات الاحتلال، في حين بقيت
المسنة أم ماهر بدوان تنزف بعد إصابتها ثلاثة أيام، ولم تتمكن طواقم الصليب الأحمر
من الوصول إلى المنطقة المستهدفة، ففارقت الحياة.
محاصرة النيران لجميع مساكن المنطقة التي هدم جزء كبير منها دفع المواطنين للتجمع
في منزل واحد لعله يكون أكثر أمناً، لكنه لم يسلم هو الآخر من قذائف الاحتلال، وبدأ
المتواجدون به البحث عن مخرج يحميهم من رصاص وقذائف الاحتلال، لاسيما مع نفاد
المياه والطعام من المنزل الذي تجمع فيه ما يزيد عن عشرين شخصاً، والذي دفع بإحدى
النساء لتقديم السكر المذاب بالمياه لطفلتها الصغيرة التي لم تتجاوز العام والنصف
على مدار ثلاثة أيام متواصلة.
ومع بدء الحديث عن هدنة تمتد من الواحدة إلى الثالثة عصراً من كل يوم، سمع
المحاصرون صوت إنذار الإسعافات ظناً منهم بأن الهدوء عم المنطقة، وهمّوا بالخروج من
المنزل فإذا بطلقات الاحتلال تباغتهم وعلموا حينها بأن دبابات الاحتلال هي من تصدر
تلك الأصوات لاستدراج المواطنين.
أعاد المواطنون محاولة التسلل من المنزل مرة أخرى، فإذا بأحد الجنود الذي يتمركز
أعلى منزل مجاور يخرج فوهة بندقيته من فتحة أحدثها بجدرانه، وينادي بصوت مرتفع
بلغته العبرية التي تمكن أحد المواطنين من ترجمتها «قفوا مكانكم ومن يتحرك سنقتله».
ورغم إحاطة المواطنين بالدبابات من الجهة الخلفية، إلا أنهم فضلوا الرجوع باتجاهها
بدلاً من الوقوف في وجه الجندي الذي يصفه أبو سليم بأنه بدا خائفاً من تحركات
المواطنين، لكن الجندي عاد ليهددهم بإطلاق النار تجاههم في حال تحركوا.
وطلب الجندي من جميع الهاربين من النيران، بما فيهم النساء والأطفال، الجلوس ورفع
أيديهم لأعلى، فبقوا على ذلك الحال لما يزيد عن ساعة ونصف الساعة، قبل أن يعيد
الجندي المتمركز في المنزل نداءه على أحد الرجال ليتقدم تجاهه ويحتجزه هناك.
وتوجه الجندي بسؤاله إلى المواطنين عن الأسباب التي دفعتهم بالخروج من منازلهم، حيث
كانت إجابتهم موحدة بأن الطعام والماء نفدت من منازلهم، ولم يبق لديهم أي شيء.
شهادات حيّة
كان سلمان أبو سليم يحمل بين يديه طفلة صغيرة، لكن صرخاتها لم تشفع لها أمام
جنود الاحتلال الذين طلبوا منه تركها مكانها والتقدم نحوهم، وأمروا النساء والأطفال
بالتقدم خارج عزبة عبد ربه.
وقبل أن يصل أبو سليم لمكان تمركز جنود الاحتلال طلبوا منه خلع ملابسه، وفور التأكد
من عدم امتلاكه لأي سلاح وافقوا على إعادة ارتداء ملابسه والدخول إلى حفرة كبيرة
حفرتها آليات الاحتلال للتمركز بها، ويتابع «الخوف بدا واضحاً على جنود الاحتلال
الذين تكررت مطالبهم بالتوقف والتقدم رغم فتحهم لحفر وتأكدهم من خلوها من السلاح».
وبدأ جنود الاحتلال بنقل أبو سليم من جندي لآخر لحين وصوله إلى صالون شقة كبير تم
وضع بداخلها عدد كبير من المواطنين يتجاوز الأربعين شخصاً.
وأشار جندي بإصبعه إلى منزل مجاور تمّ إعدام شخصين بداخله ووضع جنود الاحتلال
جثتيهما على سطح المنزل بعد تدميره وقال لهم «من يتحرك فسيكون مصيره هكذا».
وبقي المواطنون محتجزين في المنزل لساعات متأخرة من الليل قبل أن يطلب أحد الجنود
ممن يملك بطاقته الشخصية الاستعداد للمغادرة، واحتَجز الآخرين.
وبحسب إفادة أبو سليم، فإن المواطنين طلبوا من الجنود تأمين خروجهم من المنطقة في
ظل انتشار الدبابات وطائرات الاستطلاع في الجو، وبدؤوا بإخراجهم من داخل المنازل
التي فتحت جدرانها على بعضها البعض.
حينها لم يعد سلمان أبو سليم يعرف منازل المنطقة التي تبدلت معالمها بعدما كان على
علم بكل تفاصيلها، وقال لهم الجندي باللغة العبرية وتمكن أحد المواطنين من ترجمتها
«أي واحد بيرجع على عزبة عبد ربه وعلى بيته راح يموت، ممنوع أي واحد ييجي على بيته،
كلكم انزلوا على جباليا».
وبكلمات متقطعة ومختصرة يروي الطفل إياد قويدر الذي لم يتجاوز الستة أعوام تفاصيل
محاصرتهم من قبل الاحتلال لعدة أيام، «كنا سبعة في غرفة واحدة وانضم إلينا الجيران،
وصارت القذائف تسقط علينا، والدبابة كانت عنا وتوجه مدفعها علينا، شردنا على جباليا
ولمن رجعنا لقينا أموالنا مسروقة، والدار انهدمت».
تلك بعض قصص المعاناة التي لا تزال راسخة في أذهان أهالي غزة الذين تعرضوا لأبشع
عملية برية، ارتقى على إثرها مئات الشهداء والجرحى، إلى جانب تدمير عدد كبير من
البيوت مما أدى لتغيير ملامح غزة المنكوبة.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حماس.. اثنان وعشرون عاماً
على طريق واحد
تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها
المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع
بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.
للمزيد |
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت
مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن
الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|