|
|
في الذكرى الأولى للعدوان على غزة:
فلسطينيون يتذكرون مشاهد الصمود والموت
غزة/هادي أحمد
لا تزال الآلام تحتل الحيز الأكبر في ذاكرة الفلسطينيين في قطاع غزة، لاسيما
الذين حلّت بهم المآسي خلال الحرب الصهيونية الأخيرة على القطاع.
وتطرق الذكرى الأولى للحرب على غزة عقول أهالي القطاع المكلومين، فتفتح الجروح
المضمدة، وتفجر ذكريات قاسية، يبدو أن السنين لن تمحوها لما حملته من آلام تقطر
دماً، ومشاهد يصعب نسيانها.
وليس بالأمر الهين أن يفقد الإنسان من يحب، فكيف للطفلة أميرة القرم التي رأت
والدها وإخوتها جثثاً هامدة أمامها، وعايشت مشاهد حرب لا يستطيع الكبير تحمّلها.
أميرة تستذكر مأساتها التي حلّت بها قبل عام فتقول «إلي سنة كاملة بحكي قصتي
للإعلام (...) لم يحصل جديد»، ثم بدت مستاءة من الأوضاع، وتساءلت بمرارة عن النكبات
المتواصلة للشعب المقهور «وين العرب؟ 61 عاماً منكوبين».
دفتر الذاكرة
تصمت أميرة (14 عاماً) برهة كأنها تقلب في دفتر الذاكرة عن صور المعاناة، وتقول
«كنا نسمع صوت الصواريخ والقذائف والدبابات.. أصرّ والدي على البقاء في المنزل رغم
خطورة الأوضاع في منطقتنا، لكنه استشهد هو وشقيقاي عصمت وعلاء».
وتضيف الطفلة أميرة ودموعها تنساب على وجهها الصغير «ذهبت لأبحث عن مسعف لوالدي
فأُصبت بساقي اليمنى بعيار ناري من قبل الجنود المتمركزين في الدبابات، وبقيت أزحف
مسافة500 متر، واختبأت تحت شجرة طوال الليل، ثم دخلت أحد البيوت الخالية من
ساكنيها، وربطت جرحي ببنطال، وبقيت أشرب من زجاجة ماء وجدتها بجواري، ومكثت على هذه
الحال يوماً وليلة».
بعد مرور عام على حرب غزة تخلله عيدان حملا لأميرة كل البؤس، خاصة أنها لم تشترِ
الحلوى التي تحب، ولا الثياب الجديدة، ولا الألعاب, وتقول «عن أي فرح يتحدثون، وأي
عيد وأي فرح هذا الذي سيطرق قلب إنسان فقدَ أعز الناس لديه». ثم صمتت أميرة وأجهشت
بالبكاء.
وعن المستقبل الذي تحلم به أميرة اليوم تقول «في حياة والدي تمنيت بأن أصبح تاجرة
مثله، لكن اليهود قتلوه وقتلوا حلمي معه». وأضافت «رغم ما حصل سأكمل تعليمي لأصبح
محامية أدافع عن أطفال فلسطين وحقوقهم الضائعة». ثم برق في عينيها كبرياء الفلسطيني
الصامد، موجهة رسالة للمجاهدين والمرابطين على الثغور، مفادها الصمود والتحدي وعدم
التخلي عن أرض الوطن، فالصبر مفتاح الفرَج.
خيمة إغاثية
ينبطح الطفل أحمد معروف (8 أعوام) على بطنه، وهو يراجع دروسه داخل خيمة إغاثية،
منحتهم إياها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين.
يقول الطفل معروف «هكذا أصبح حالنا اليوم (..)، كنا نراجع دروسنا وندرس على الطاولة
لكننا فقدنا كل شيء، وكما ترى ندرس على الأرض». ويضيف بحرقة «هل هناك طفل في هذا
العالم يعاني مثلما نعاني؟!».
ويتابع الطفل معروف الذي فقدت عائلته منزلها الواقع إلى الشمال من مدينة غزة «خلال
هذا العام عانينا الكثير، ويبدو أننا سنبقى نعاني في ظل المكوث في هذه الخيمة
المهترئة».
وتغيب بوادر الإعمار عن قطاع غزة في ظل التجاذب السياسي الحاصل في الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 1967، فيما لا تزال آلاف المنازل مدمرة.
وجاء في تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة العاملة في قطاع غزة، أن «الاحتلال
الإسرائيلي دمّر أكثر من 3500 وحدة سكنية بالكامل على رؤوس قاطنيها، وشرد عشرات
الآلاف من الأسر، وألحقت شظايا نيرانه وقذائفه الصاروخية أضراراً جسيمة بخمسين ألف
وحدة سكنية».
ويقف الشيخ عبد الرحيم أمام مسجد السلام في منطقة عزبة عبد ربه الواقعة إلى الشرق
من مدينة غزة، يسترجع ذكريات المسجد الذي هدمته الدبابات وسوّته بالأرض أثناء
الحرب، ويؤكد أن المساجد لم تسلم من بطش العدوان.
ويقول لم يسبق في تاريخ الاحتلال أن هدم المساجد مثلما فعل في الحرب الأخيرة على
غزة(..)، الاحتلال خال من أي مشاعر وأخلاق، ولا يراعي الدين ولا المقدسات.
واليوم يؤدي الشيخ عبد الرحيم وأهالي «العزبة» الصلاة على أنقاض المنزل الذي تحول
فيما بعد إلى «كرفان» مغطى «بالنيلون» لأداء الصلاة بداخله.
فقد ملابسه
يرتدي رجل ملتحٍ ثلاثيني معطفاً صوفياً أصفر اللون، ينحني ليتوضأ من صنبور
اقترب من الأرض، حوله ثمة نساء يتمتمن بامتعاض..الجو كان بارداً، لكنه لا يكترث
لبرودته، ليس لشيء إلا لأنه فقد ملابسه بعد أن دمرت الجرافات الإسرائيلية بيته في
السادس عشر من كانون الثاني/يناير 2009، أثناء العدوان الأخير الذي شهده القطاع.
الجميع ممن شردوا وهدمت بيوتهم في حي السلام الواقع إلى الشمال الشرقي من القطاع،
كانوا يدخلون الخيام بيسر، لكن إسماعيل خضر كان يصعد إلى بقايا بيته بعسر، فلا
الطريق معبد ولا السلم مجهز.. يصعد متكأ على بقايا قضبان حديدية وضعها لمساعدته،
بعد أن دق ألواحاً من الخشب في سطح منزله الذي سوي بالأرض، لتساعده وأفراد أسرته
التسعة للصعود إلى غرفة الصفيح.
من الغرابة أن تجد رجلاً كخضر متمسكاً بعد عام على مرور الحرب، ببيت من ثلاثة أدوار
قد نسف عن آخره، في وقت انصاع فيه الجميع من جيرانه الذين هدمت بيوتهم للأمر
الواقع، واحتوتهم الخيام، لكنه يقول «لن أتخلى عن بيتي ولن أرحل».
قد تبدو الحياة في بيت خضر مختلفة تماماً عن ذي قبل. أطفاله يستفيقون في الصباح
والبرد قارص، للخروج لمدارسهم بلا زيّ مدرسي، أما هو فيجلس على طاولة صنعها من
بقايا الأخشاب والإسمنت، يتألم بصمت على حاله.
يقول خضر «كان لدي مزرعة دواجن أعتاش من خلالها، أما اليوم فلا عمل ولا مال..
الاحتلال لم يرحم البشر، فما بالك بالطيور. داس عليها بجنازير الدبابات وقصفها(..)
الحرب كانت أقسى مما يمكن أن يتخيله العقل البشري!».
وتختلف حياة خضر كلياً عن السابق، حيث يجمع كل صباح أعواداً من القش ليوقد النار
ويطهي الطعام، ويندفع فجأة بقوله «ترى هذه حياة التي نحياها اليوم؟ لا غاز ولا وقود
ولا كهرباء»، معبّراً عن استهجانه واستغرابه لعدم اكتراث العالم لمأساتهم.
ويقول المواطن المكلوم «مضى عام على الحرب والخراب الذي حل بنا، لكن أحداً لم ينظر
إلينا. الجميع وعد بإعادة بناء غزة بعدما دمرها الاحتلال، لكننا لم نلمس شيئاً على
الأرض. مر عام وقد حرقتنا شمس الصيف، وأنهكنا برد الشتاء، والكل يقف متفرجاً».
لا تقي حراً ولا برداً
وعلى بعد عشرة أمتار من بيت خضر مجمع من الخيام لا تقي حر شمس ولا برد شتاء،
يطلق عليها اسم «مخيم الصمود» يقطنها نحو عشرين عائلة دمرت منازلهم وأملاكهم في
طرفة عين، ويقولون إن (إسرائيل) لم ترقب فينا إلاً ولا ذمة.
ويبدو أن غزة لا تزال مستهدفة، خاصة أنه وبعد مرور عام على انتهاء الحرب عليها في
إطار العملية العسكرية التي سمّتها سلطات الاحتلال «الرصاص المصبوب»، صرّح قائد
الأركان العسكرية الإسرائيلية «غابي أشكنازي»، أن الهدوء النسبي بين (إسرائيل)
وقطاع غزة يمكن أن يُنتهك في كل لحظة.
وحسب أقواله التي نقلتها عنه القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي: «ليس لدي أية
أوهام، فعلى الرغم من وجود هدوء نسبي جنوبي (الدولة) بعد مرور ثماني سنوات من إطلاق
الصواريخ من غزة نحونا إلا أن الوضع يمكن أن يتغير، فمن الممكن أن يتغير في تلك
الأيام أو في الأيام المقبلة».
كما أن قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي العميد يوآف غالانت، تطرق للوضع
جنوبي فلسطين المحتلة، وقال هذا هو أهدأ عام أتذكره خلال العشر سنوات الماضية،
لكننا علينا أن نستعد للمستقبل-حسب تعبيره.
ويتخوف الفلسطينيون من عدوان قدام، فيما يقول لسان حال أصحاب المآسي «لا شيء يخيفنا
بعد أن خسرنا أعز ما نملك على مرأى ومسمع من العالم كله».
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حماس.. اثنان وعشرون عاماً
على طريق واحد
تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها
المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع
بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.
للمزيد |
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت
مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن
الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|