رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد الأول - السنة الثامنة والعشرون - كانون الثاني (يناير) 2010م - محرّم 1431 هـ

عام من العدوان على قطاع غزة:
الحرب المجنونة التي انتهت دون أهدافها

دمشق/علاء سالم
لم يكن ليمضي العام الأول من الحرب العدوانية الفاشية الصهيونية التي شُنّت على قطاع غزة، حتى اتخمت مصادر القرار السياسي والأمني والعسكري داخل الكيان الصهيوني بوابل من الأسئلة والإضافات والاستنتاجات. التي فتحت الطريق أمام نقاشات كانت متوقعة، وقد أخذت وما زالت حيزاً واستطالات قد تمتد زمنياً لفترات بعيدة، وذلك على خلفية هول وفظاعة الحرب التي شنتها سلطات الاحتلال على القطاع، ونتائجها المتواضعة من زاوية الأهداف التي كانت قد رسمت لها. فلم تحصد عملياً سوى قتل الأبرياء بشكل وحشي، وإلحاق الدمار ببنى المجتمع الفلسطيني، وهو ما أعاد وضع الدولة الصهيونية مرة جديدة أمام ملف الانحطاط الأخلاقي، وأمام سياستها العرقية العنصرية التي تفوقت على نازيي الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن العدوان الصهيوني بعيداً هذه المرة عن تأثير التفاعلات الدولية الهائلة على المستويات المتعلقة بالرأي العام على امتداد المعمورة، وهي تفاعلات غير مسبوقة في مسار الصراع العربي والفلسطيني مع الدولة العبرية الصهيونية. فضلاً عن التفاعلات التي تركتها داخل صفوف النخب الفكرية والإعلامية الصهيونية ذاتها.

نتائج سياسية معاكسة
في الجانب السياسي، فإن قطاع غزة بمساحته الصغيرة، تحوّل إلى فارس المقاومة، فحرّك بصموده الكبير السكون في العالم المحيط به، وألقى بحجره الناصع في الماء الراكدة للنظام العربي الرسمي علّه يسرع ولو متأخراً لإنقاذ شرفه المتهاوي أمام غطرسة الاحتلال. كما لم تستطع سلطات الاحتلال بعدوانها على القطاع تحقيق الأهداف البعيدة التي أرادتها، حيث صمدت قوى المقاومة، وتواصل حضورها، ولم تستطع سطوة الاحتلال أن تدفع بالناس نحو مواقع اليأس والإقلاع عن فكرة المقاومة. فاستطاع قطاع غزة بكافة مناطقه ومخيماته أن يسجل سطوراً ناصعة في ظروف دقيقة وشديدة الصعوبة، دفعت صعوبتها بعض المحللين العرب –فضلاً عن غيرهم- إلى اعتقاد أنه لا جدوى من مقاومة العدوان والحصار القاسي المضروب، وأنه ليس أمام غزة إلا خيار واحد، وهو النزول عند شروط الاحتلال، حتى يتوقف العدوان ويُفَكّ الحصار.
ففي محنة قطاع غزة وعملية الصمود التي واجه بها الفلسطينيون قوة وبطش جيش الاحتلال، توالدت نتائج مباشرة أدت لتكريس فعل المقاومة من جانب، وبروز دور حركة حماس على كل المستويات لتصبح لاعباً إقليمياً لا بد من وضعه في الاعتبار عند التفكير في أي خطوة لاحقة، وإلى تكريس حضور فصائل المقاومة التي شاركتها التصدي لقوات الاحتلال، رغم «الفيتو» الإقليمي والدولي.

الخسائر الفلسطينية ووحشية الاحتلال
ومن نافل القول إن العدوان على قطاع غزة كما كان مكلفاً لجيش الاحتلال، فقد كان مكلفاً للمدنيين الفلسطينيين على وجه التحديد، الذين استهدفهم عدوان الاحتلال حيث استشهد ما يقارب من (1500) شهيد، وأصابت الجراح ما يقارب 5000 فلسطيني، كما استهدف القصف الوحشي الصهيوني البنى التحتية من المدارس إلى المساجد إلى المشافي، التي تضررت بشكل كبير جراء عنف القصف الجوي الصهيوني، حيث أشارت التقديرات الملموسة إلى أن إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة في المباني والبنية التحتية وخسائر الاقتصاد الوطني في قطاع غزة بلغ حوالى مليار وأربعمائة ألف دولار.
فقد أصبح قطاع غزة بعيد العدوان منطقة منكوبة من النواحي الإنسانية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، كما أدى العدوان إلى تدمير البنية التحتية لقطاعات الخدمة العامة وتدمير مباني المؤسسات العامة والجمعيات والممتلكات الخاصة، كما أدى إلى شلل كامل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
أما فيما يتعلق بخسائر الأنشطة الاقتصادية فقد تم الاعتماد على سلسلة المسوح الاقتصادية التي تتعلق بالقطاعات والأنشطة الاقتصادية كافة والتي يصدرها جهاز الإحصاء، وقدرت خسائر الاقتصاد الفلسطيني ما يقارب 80% من قيمة الإنتاج لكل قطاع اقتصادي، حيث تمّ تقدير تلك الخسائر بناءً على قيمة الإنتاج اليومي لكل قطاع اقتصادي. وفيما يتعلق بقطاع الزراعة والأراضي الزراعية فقد تم تقدير قيمة الخسائر بناءً على قيمة رأس المال والاستهلاك الوسيط حيث تم تدمير ما يقارب 80% من الأراضي الزراعية والمحاصيل، وذلك بالاعتماد على إحصاءات الزراعة (2006/2007). أما فيما يخص إعالة أسر الشهداء والجرحى، فقد تم تقدير متطلبات الإعالة السنوية لتلك الأسر مستقبلاً بالاعتماد على متوسط الأجر السنوي للعامل في قطاع غزة والذي بلغ (4,830) دولار، حسب نتائج مسح القوى العاملة للربع الثالث (2008).
وفي ثلاثة قطاعات رئيسية هي البنية التحتية والمباني، الأنشطة الاقتصادية، والخسائر البشرية، تشير المراجع الإحصائية الفلسطينية إلى أن تعداد المباني والمنشآت في قطاع غزة بلغ 147437 مبنى. وتبين التقديرات أن العدوان الصهيوني أدى إلى الإضرار بحوالى 14% من هذه المباني والمنشآت.
أما خسائر الفرد في قطاع غزه فتُقدّر بحوالى 13.1 دولار يومياً. وكما هو معلوم، فإن إجمالي عدد الأفراد في قطاع غزة 1.45 مليون نسمه، أي إن حجم الخسائر اليومية بلغ حوالى 19 مليون دولار. كما وصل معدّل البطالة في قطاع غزة عشية العدوان 41.9% (حوالى 120 ألف عاطل عن العمل)، لكن بسبب الحرب الحالية ونتيجة لتدمير معظم المنشآت والمؤسسات العاملة في القطاع، فمن المتوقع أن تصل النسبة إلى 62.2% من مجموع المشاركين في القوى العاملة، أي إن العدد سيصل لحوالى 145 ألف عامل وهؤلاء بحاجة لمساعدات تصل لحوالى 2.2 مليون دولار يومياً، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة يمكن أن تكون أقل في حالة إعادة الإعمار والبناء. وبالتالي، فإن مجموع الخسائر اليومية لكافة الأنشطة الاقتصادية بلغ حوالى 24 مليون دولار يومياً، وهذا يعني أن الخسائر التي انتهى بها العدوان على قطاع غزة بلغت بهذا الجانب حوالى 500 مليون دولار.

خطر على الأجيال القادمة
في هذا السياق، أكد باحثون إيطاليون أن تربة قطاع غزة تحتوي معادن سامة ومواد مسرطنة وسامة للأجنة، بسبب امتصاصها لهذه المواد التي استخدمت في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة قبل عام تقريباً، حيث تم العثور على 12 مادة سامة في أماكن القصف عُرضت على المختبرات الدولية في روما وباريس. وطالب الباحثون، خلال مشاركتهم في مؤتمر صحفي عقدته وزارة الصحة التابعة للحكومة بغزة عبر الفيديو كونفرينس من روما، «بفحص المواطنين في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي خلال الحرب لإيجاد سبل علاج لأي مرض»، مؤكدين أن سكان قطاع غزة معرضون للإصابة بأمراض مزمنة للجلد، وأمراض الجهاز الهضمي والتنفسي. كما أن التحاليل التي أجريت على المساحيق والمواد التي وجدت في الحفر الناتجة عن قنابل القصف الهمجي الصهيوني، وكذلك المعادن المستخدمة في المقذوفات، أكدت أنها تحتوي على بعض العناصر المسببة لأمراض خطيرة جداً، ومنها العناصر المسماة بالعناصر الانتقالية، كعنصر المولبيديوم (MO) وهو عنصر سام للحيوانات المنوية، ووجود مستويات عالية منه يؤثر على الخصوبة وعلى تكوين الحيوانات المنوية، كما وُجد عنصر الكادميوم (Cd) المسبب للسرطان، وعنصر التنغستين (W) وهو عنصر سام للأجنة، وعنصر الكوبالت ((Co، وعنصر النيكل (Ni)، وعنصر المنغنيز (Mn)، وعنصر الزنك (Zn)، وكل تلك العناصر والمواد لا تترك آثاراً مرئية تُرى بالعين المجردة ولا بالأجهزة الموجودة في مستشفيات القطاع. ومن الواضح أن الاحتلال الإسرائيلي استخدم كل الأسلحة الحربية المحرمة دولياً، بهدف إبادة الأجيال القادمة من خلال تسميم الأجنة والمياه.

مرحلة ما بعد غزة
لقد بدأت المعركة السياسية في احتدام واضح بُعيد الساعات الأولى لوقف إطلاق النار الذي أعلنه إيهود أولمرت في حينها، ولتأخذ صورة قاسية من جانب السعي الإسرائيلي لجني مكاسب سياسية مباشرة وتحقيق «مجزرة سياسية» بحق الفلسطينيين. وما ساعد الموقف الإسرائيلي وجود تخبط متواصل في الساحة الفلسطينية، نتيجة استمرار الانقسام الداخلي، وهو ما خلق حالة من التعقيد في الحالة السياسية، وأتاح لدولة الاحتلال ظروفاً مريحة حتى الآن للتدخل واختلاق مشكلة جديدة عنوانها البحث عن الجهة المعنية بتسلم المساعدات المقدمة عربياً ودولياً للفلسطينيين لإعادة إعمار غزة، حيث تصر (إسرائيل) على ربط تدفّق الأموال ومواد الإعمار بموافقاتها المسبقة، بحيث لا يتم إدخال «طوبة بناء واحدة، أو حجر إعمار، أو كيس إسمنت، أو سلك من الحديد، أو حتى مسمار فولاذ، دون موافقتها»، في وقت ما زالت فيه الاحتياجات الحياتية ذات أولوية للفلسطينيين في قطاع غزة، حيث يعاني السكان الفلسطينيون فقدان الأمن الغذائي (ماء وقمح وطحين وسيولة نقدية)، نتيجة استمرار الحصار وإغلاق المعابر.
أخيراً، إن مرحلة «ما بعد غزة»، بكل ما فرضته من حقائق جديدة على أرض الواقع، ومن مهمات محددة، تؤشر بوضوح ساطع إلى أن لملمة الجراح الفلسطينية النازفة جرّاء العدوان تستدعي أولاً لملمة البيت الفلسطيني الداخلي فوراً ودون تردد، ووضع حد نهائي للانقسام الداخلي، والقفز فوق حدود الاختلافات والتباينات مهما علا شأنها أو مقدارها، فمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، بل ومستقبل المنطقة بأسرها يرتسم الآن على أرض قطاع غزة. والفلسطينيون الآن أيضاً أمام خيار واحد عنوانه السير نحو الحوار الجاد لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وتجاوز آثام وخسائر الانقسام، والترفّع عن الحسابات العصبوية التنظيمية لصالح برنامج الوحدة.


 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حماس.. اثنان وعشرون عاماً على طريق واحد

تفاجئ حماس كل من يعرفها ويراقبها بثباتها على خطّها السياسي ونهجها المقاوِم، وتصدم حماس كل متابع لها بطرح منهج متكامل لعملها السياسي يجمع بين الدين والتاريخ والفكر والثقافة والسياسة.    للمزيد  

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني   للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012