|
وجه وحدث
قصص إنسانية من قطاع غزة الصامد:
سعدية سليمان تتمنى إطعام صغارها من روحها
الاحتلال أعدم عائلة أبو سلطان واستعان بكلاب لاقتحام المنازل
غزة/فادي الحسني
حين بدأ العدوان الصهيوني الوحشي على قطاع غزة، طلبت مجلة فلسطين المسلمة من
أحد مراسليها هناك تسجيل بعض القصص الإنسانية، هنا جانب منها.
أطفال سعدية سليمان بدون حليب
لم تعد سعدية سليمان في الثلاثين من عمرها، قادرة على كفكفة دموع أطفالها الذين
أكل الجوع أمعاءهم، بعد أن نفد الغذاء من بيتها الذي تساقط سقفه الصفيحي بفعل
القذائف الإسرائيلية.
تحاول الأم المكلومة إخفاء دموعها عن صغارها، وهي واقعة في حيرة من أمرها، فالخروج
والبحث عن لقمة العيش خارج عتبت البيت سيكلّفها روحها، بينما يظل المكوث في المنزل
أكثر إيلاماً وحسرة في ظل استمرار عويل الأطفال الجوعى.
ومنذ أن قرعت (إسرائيل) طبول الحرب في غزة البائسة، أغلقت المعابر التجارية وحرمت
الغزيين من أدنى احتياجاتهم، فيما فرضت طوقاً عسكرياً على مناطق التماس التي
أخضعتها لسيطرتها.
نفد صبر الأم، وبدت الدقائق في نظرها تمرّ كأنها أيام وليال، إذ تقول «الخبز نفد من
البيت، ولم يعد لدينا ذرة دقيق واحدة، فيما نفد الحليب الخاص بالرضيع أحمد، مثلما
نفدت حفاضات الأطفال».
لم يعد أمام الأم سعدية -كما تقول- إلا أن توجه نداءات استغاثة عبر الإذاعات
المحلية في قطاع غزة، وتضيف «كدت أفقد صوابي من هول المأساة.. لك أن تتخيل حال أم
ترى أطفالها يموتون جوعاً!».
بعد عدة ساعات من توجيه النداءات المبكية، تمكنت طواقم الصليب الأحمر العاملة في
الأراضي الفلسطينية من الوصول إلى البيت، وإيصال بعض المساعدات العاجلة التي من
شأنها أن تبقي الأطفال على قيد الحياة.
وتقول الأم، التي تقيم في أحد مآوي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، «طلبنا
من الصليب الأحمر إخراجنا من المنزل الذي كانت تدور في محيطه حرب ضروس، وبالفعل
تمكنا من ذلك بعد عدة ساعات».
تحبس سعدية دموعها وتشير محزونة إلى أنها تمنت أثناء حصارها في المنزل أن تنتزع
منها الروح فدية لأبنائها الصغار، الذين لم يتجاوز عمر أكبرهم العشرة أعوام.
الطفل حمزة الترك..
حمل الطفل حمزة الترك «بابور الكاز» بعد أن طلبت منه والدته إصلاحه، لتطهي
لصغارها غذاءهم، بعد أن انقطع الوقود عن قطاع غزة الذي تعرض لحرب شعواء منذ السابع
والعشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي.
استقل حمزة في الرابعة عشر من عمره السيارة برفقة خاله إلى ورشة التصليح، وفي
طريقهم الملبد برائحة الدم والبارود، قابلهم أحد أصدقاء الخال الثلاثيني، فتوقفت
السيارة قليلا حتى صعد الصديق، ومن ثم انطلقوا مجدداً نحو الورشة.
دقائق هي التي كانت تفصل بين الحياة والموت.. يقول حمزة «لم تمضِ السيارة في طريقها
سوى بضع دقائق، حتى رأينا كتلة من اللهب تتقدم نحونا».
يصمت الطفل قليلاً ثم يعاود القول «لم نكن نتوقع أن نكون مستهدفين أو أن تباغت
الصواريخ الحربية المدنيين والأطفال.. في طرفة عين فقدت خالي وصديقه.. وجدتهم قد
تفحموا».
مع هول المشهد غاب الطفل عن الوعي، واستفاق بعد ساعات فوجد نفسه ملقى على سرير
العناية المكثفة في مستشفى دار الشفاء بغزة، بعد أن أصابته حروق وشظايا بنسبة 70%
في أنحاء متفرقة من جسده.
تبدو اليوم ملامح حمزة، وهو البكر في أشقائه، مختلفة تماماً، فالمنطقة العلوية من
جسده مشوهة بالإضافة إلى ساقيه، لكنه يدرك أن هذا الأمر هو ابتلاء من الله، وأضاف «الحمد
لله على كل حال.. هذا هو قدرنا نحن الفلسطينيين».
إعدام عائلة أبو سلطان
يجلس شادي أبو سلطان في ركن بعيد عن جمهور المهجرين من بلدة بيت لاهيا الواقعة
إلى الشمال من قطاع غزة، وهو يضرب كفاً بكف لما أصابهم من نكبة تشريد جديدة، كتلك
التي تعرض لها أجداده عام ثمانية وأربعين.
لا شيء يكسر صمت شادي البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً، فهو لا يزال يستحضر بين
الفينة والأخرى ما تعرضت له عائلته من حرب إبادة على يدي القوات الإسرائيلية، ليلة
الأول من كانون الثاني/يناير الماضي.
يختلس أبو سلطان النظر إلى عيون والدته المكلومة، بعد أن أصبحا وحيدين، دون رب
الأسرة وأفرادها الخمسة الذين أعدموا بدم بارد على يد القوات الخاصة أو ما تسمى «قوات
النخبة» والتي تتولى مهمة استطلاع المناطق الحدودية تمهيداً لتوغل الدبابات
الإسرائيلية على حدود القطاع الشمالية والشرقية تحديداً.
يتلعثم شادي قليلاً -وهو مزارع يعمل في قطع أرض تعود لوالده- أثناء روايته لما حصل
مع العائلة، حينما كانت تود والدته إعداد طعام العشاء لأبنائها، ثم يقول «فجأة وعلى
حين غرة داهمتنا القوات الخاصة، بينما كانت والدتي تعد طعام العشاء لأشقائي الشهداء..
طلبوا من أمي أن تغادر المنزل، ثم قاموا بالتحقيق معنا لبضع ساعات».
وأضاف أبو سلطان ودموعه منهمرة على وجنتيه «طلبوا مني بعدها اللحاق بوالدتي خارج
البيت، وفي ثوان سمعت صراخ أشقائي وأبي وهم يتوسلون بألا يعدموا، لكن الطلقات
النارية المتواصلة كانت تعلو على صراخهم».
يكفكف شادي دموعه، ويعاود رواية المشهد الدامي «سمعت والدي يقول حرام عليكم..لا
نريد أن نموت، يا ناس أغيثونا.. توسلوا كثيراً لكن توسلاتهم لم تفلح وأعدموا بدم
بارد!».
لحق الشاب اليتيم بركب الناجين من أبناء منطقته التي لا تزال الآليات العسكرية
تتمركز فيها، إلى المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، كمأوى
إلى حين انتهاء الحرب.
ويشير شادي بسبابته إلى والدته، ويقول «كما ترى خرجنا بلباسنا فقط.. بعد يومين من
قتل عائلتي، أخبرنا بأن الجيش الإسرائيلي قام بهدم المنزل فوق جثث أشقائي، ولم
تتمكن طواقم الدفاع المدني من انتشالهم حتى اللحظة».
في لحظات –كما يقول شادي- أصبحت وحيداً أنا وأمي «كأن شيئاً لم يكن.. لا أب ولا
إخوة ولا بيت.. لماذا نموت وحدنا والعالم صامت؟».
وهكذا تستمر الحكاية إلى أن يكتب الله للفلسطينيين إما العودة أو الشهادة على ثرى
الأرض المقدسة.
المقاومة الفلسطينية تحترف المواجهة
وحدها الشجاعة سيدة الموقف في ساحة حرب غزة التي يرسم الموت ملامحها، وخاصة في
ظل عدم قدرة المقاومة الفلسطينية على التخفي تحت التحليق المكثف لـ«ماكينة
الاغتيالات» الإسرائيلية أو ما تسمى طائرة «الاستطلاع»، والتي تعمل بدون طيار
بواسطة التحكم عن بعد.
وسط القذائف المتساقطة والصواريخ الفتاكة، يتخفى جملة من الشباب المدججين بالعتاد
العسكري على تخوم قطاع غزة.. يفصل بينهم وبين مناطق التماس مئات الأمتار.. تحدد
مواقعهم خطة عسكرية دفاعية كان قد اعتمدها قائدهم «أمير المجموعة» بعد أن تابع
توزيعهم بسرية تامة في جو ملبّد بالموت.
يتجنب كل منهم الحديث مع من حوله، وينصب تركيزه على سلاحه الروسي، وعندما يبدأ
الطيران الإسرائيلي بالإغارة على مناطق متفرقة من القطاع، يبدون أكثر انتباهاً
واستعداداً للمواجهة.
تحسباً لأي طارئ يقوم سلاح الإشارة أو ما يسمى بـ«غرفة العمليات المركزية» بإطلاق
نداءات تحذيرية على الجهاز اللاسلكي الذي يملكه العشرات من هؤلاء العسكريون، وخاصة
القادة منهم.
وتبدو الخطوات العسكرية التي تتبعتها المقاومة الفلسطينية وتحديداً «كتائب القسام»،
الذراع العسكرية لحركة حماس، محكمة جداً، لاسيما أن أي خطأ سيكلف المجاهدين الكثير.
دور الطائرات في حرب غزة، محصور-كما يقول المقاتلون- بإعطاء معلومات دقيقة ومباشرة
عن مطلقي الصواريخ باتجاه الأراضي المحتلة، لغرفة العمليات في سلاح الجو الإسرائيلي،
ما يمكن الطائرات الحربية كـ«الأباتشي» و«إف 16»، اللتين لا تفارقان سماء القطاع،
من تحقيق أهدافهما بدقة تامة.
ومع هذا تمكن المقاومون، ولأول مرة منذ انتفاضة الأقصى، من إطلاق صواريخ «غراد»
بعيدة المدى على (إسرائيل)، ما وضع الآلاف من اليهود في مرمى الصواريخ.
أبو أسامة، وهو شاب ملتحٍ طويل القامة، يعمل في وحدة إطلاق الصواريخ التابعة
للمقاومة الفلسطينية، يقول إنهم لا يخشون إلا الله، وكل ما يريدونه فقط هو إما
النصر أو الشهادة، ويؤكد أن الاحتلال يجب أن يجابه مهما كلف ذلك من ثمن.
وحتى لا يكشف أبو أسامة عن تفاصيل عمله، يكتفي بالقول «نحن متوكلون على الله دوماً،
لباسنا في هذا الوقت بكل تأكيد لا يدلل على أننا رجال مقاومة.. وعندما نطلق
صواريخنا نتوخى الدقة والحذر الشديد والابتعاد عن منصات الصواريخ».
كلب بوليسي وأجهزة تكنولوجية
على حين غرّة سمع الحاج مجدي العطار صوت دوى في محيط منزله المكون من ثلاثة أدوار
شمال قطاع غزة، بعد أن خيّم الظلام الدامس على أرجاء المنزل، فما كان منه إلا أن
اجتمع هو وأفراد أسرته الذين يزيد عددهم عن أربعة عشر فرداً في حجرة اعتقدوا أنها
أكثر أمناً.
انقطع حديث العائلة بعد أن داهمهم فجأة «كلب بوليسي» أسود اللون مجهز بأدوات مراقبة
-كما يقولون- على ساقه الأيمن كاميرا ليزر وفي أذنيه سماعات، بينما يتدلى من رقبته
جهاز لاسلكي يصدر إشارات بين الحين والآخر.
لم يصدر الكلب البوليسي أي نباح، وبعد دقائق من تجواله داخل المنزل الواقع في منقطة
«العطاطرة» انقض العشرات من الجنود الإسرائيليين أو ما يسمون «بالقوات الخاصة» على
العائلة.
انتشر الجنود في أركان البيت، وأجبروا النساء على مغادرته، فيما عزلوا الحاج مجدي
وأبناءه الذكور في غرفة خالية لبضع ساعات، كما يقول.
عقارب الساعة كانت تشير إلى الثامنة مساء، الجنود الإسرائيليون يتحدثون باللغة
العبرية عبر الجهاد اللاسلكي.. فجأة صمت الجهاز، وبدأ الجنود بالمناداة على أفراد
الأسرة بالخروج من البيت والسير في طابور، بعد أن قيّدوهم ووضعوا أعصبة على أعينهم.
يقول الحاج العطار في الستين من عمره «لم نكن نعلم حينها إلى أين يقتادوننا.. كنا
نسير مكبّلين، ونسمع بين الفينة والأخرى قذائف تسقط بالقرب منا».
اغرورقت أعين العطار بالدمع وهو يصف ما تعرضوا له من ذل وإهانة على أيدي الاحتلال «أجبرونا
على النزول إلى حفرة صنعتها الجرافات الإسرائيلية.. قضينا ثلاثة أيام على هذه الحال»،
يضيف «لم نتلق أي طعام أو شراب على مدار ثلاثة أيام».
يصمت الحاج قليلاً ثم يردف قائلاً «عذبونا وأهانونا كثيراً، كان الإعدام بالجملة..
أطلقوا النار على العشرات منا، وحاولوا انتزاع اعترافات منا بعد أن وضعونا تحت
جنازير الدبابات وعلى صوت هديرها، لكننا صمدنا».
نقلت قوات الاحتلال من لم تقضِ عليه من المدنيين إلى معتقل «بئر السبع». ويقول
العطار «قضينا يوماً في سجن بئر السبع خضعنا خلاله للتحقيق القاسي، ثم أفرجوا عني
وعن باقي أسرتي، وعدنا إلى غزة بلا جيران وأصدقاء وأحبة كانوا بيننا».
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
سلام لك يا غزة.. لجسدك الأخضر.. لنصرك المذهّب ولجرحك
المعطّر
للمزيد |
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت
مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن
الفلسطيني للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|