رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد السادس - السنة السادسة والعشرون - حزيران (يونيو) 2009 م - جمادى الآخرة 1430 هـ

الاستعدادات الإسرائيلية ضد إيران:
محدودية الخيارات ومعضلة المعادلات

بيروت/عباس إسماعيل
ليس ثمة خلاف بين المحافل الإسرائيلية المختلفة في مقاربتها للشأن الإيراني بشكل عام، وللمشروع النووي الإيراني بشكل خاص. وهذه المقاربة تعتبر أن النظام الإيراني يُمثل «خطراً وجودياً» على «الدولة العبرية»، وأن هذا الخطر لا يُستمد فقط من المواقف الإيرانية الرسمية التي تُعلن صراحة دعمها للقضية الفلسطينية وحركات المقاومة ضد (إسرائيل) في العالم العربي، بل من إقران القول بالفعل من جهة، وإطلاق التصريحات من رأس القيادة الإيرانية التي تدعو صراحة إلى ضرورة تدمير «الكيان الصهيوني» من جهة ثانية.
ووفقاً للمقاربة الإسرائيلية للموضوع، يُصبح «الخطر الإيراني» أكثر جدية وخطورة على «وجود الدولة اليهودية» في ضوء السعي الإيراني الحثيث لامتلاك التكنولوجيا النووية، الأمر الذي من شأنه تهديد التوازن القائم في منطقة الشرق الأوسط من جهة، وإضعاف قدرة الردع الإسرائيلية من جهة ثانية، فضلاً عن كون امتلاك إيران للقدرة النووية سيُعتبر بمثابة السيف المسلط على رأس (إسرائيل)، الأمر الذي لا يمكن لـ(إسرائيل) القبول به.
ويمكن القول إن «مكامن الخطر» المُشار إليها شكلت أساس المقاربة الإسرائيلية للموضوع الإيراني، وبالتالي حددت المسار الحتمي الذي ستسلكه الخيارات الإسرائيلية في مواجهة «الخطر الإيراني»، وهي خيارات يجب أن تقود في نهايتها، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى نتيجة واحدة ووحيدة تتمثل في إزاحة هذا الكابوس عن كاهل (إسرائيل) بغض النظر عن الوسيلة والطريقة المتبعة.
على خلفية هذه المقاربة، يدور نقاش علني وسري في (إسرائيل)، يتمحور حول كيفية مواجهة «الخطر الإيراني» والمعادلة التي ينبغي أن تحكم هذه المواجهة. وقد اكتسب هذا النقاش زخماً كبيراً في أعقاب تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية وتشكيله ائتلافاً يمينياً في غالبيته. وتنبغي الإشارة إلى أن تزخيم النقاش لا يرتبط بمسألة الهوية اليمينية للحكومة الجديدة -على اعتبار أن الموقف من «الخطر الإيراني» عابر للتيارات السياسية في (إسرائيل)، وبالتالي لا يوجد يمين ويسار في هذه المسألة- بل بالأجندة السياسية والأمنية لتلك الحكومة من جهة، وبشخصية رئيسها وأقطابها الرئيسة من جهة ثانية.
ومن هنا يمكن ملاحظة وجود ميل متصاعد في الأوساط الإسرائيلية لإبراز خطورة التحدي الإيراني وضرورة التصدي له، وذلك منذ تولّي نتنياهو سدة الحكم. وهذا الميل يوجد تعبير له في سلسلة من الإجراءات والخطوات، العلنية والسرية، والتي توحي بأن القيادة السياسية والأمنية في (إسرائيل) لن تتردد في اللجوء إلى الخيار العسكري لإحباط المشروع النووي الإيراني، لا سيما وأن المزاج الشعبي الإسرائيلي يميل، كما تُظهر استطلاعات الرأي، إلى تأييد الخيار العسكري، حيث أشار استطلاع نُشر مؤخراً إلى أن 66 في المائة من الجمهور اليهودي في (إسرائيل) يؤيدون عملية عسكرية لتدمير المنشآت النووية الإيرانية، إذا ما فشلت المساعي الدبلوماسية والاقتصادية الرامية إلى دفعها نحو الكفّ عن تخصيب اليورانيوم. وأن 75 في المائة منهم سيواصلون تأييد الهجوم، حتى لو عارضت الولايات المتحدة ذلك.
وبالفعل، يرى كثير من المراقبين أن خيار العدوان الإسرائيلي على إيران يتمتع بمعقولية عالية استناداً إلى التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية التي تفيد بأن السنة القادمة ستكون حاسمة، وأن عامل الوقت لا يعمل لمصلحة (إسرائيل)، وأن التعويل على المجتمع الدولي كي يقوم بالمهمة نيابة عن (إسرائيل) لم يُجد نفعاً حتى الآن، فضلاً عن كون الخيار الديبلوماسي القائم على مبدأ «جزرة التقديمات والحوافز» المقدمة إلى إيران و«عصا العقوبات الاقتصادية» المفروضة عليها، لم يُفض إلى نتيجة تُرضي (إسرائيل)، ولم يصد الإيرانيين عن مواصلة مشروعهم النووي. وبالتالي رصيد الخيار العسكري ضد إيران في ظل حكومة نتنياهو يرتفع لجملة أساب أهمها:

رؤية نتنياهو للخطر الإيراني
يُشير مراقبون ومحللون إسرائيليون إلى أن (إسرائيل) تقترب من الحرب مع إيران، وأن هذا الاستنتاج الطبيعي، لا بل ضروري، وهو مُستخلص من تحليل مواقف بنيامين نتنياهو منذ عودته إلى الحكم. ذلك أن نتنياهو يعمل من قناعة داخلية عميقة بأن (إسرائيل) ستكون في خطر الإبادة إذا حققت إيران سلاحاً نووياً، وقوله «لن أسمح لهم أن ينفذوا كارثة أخرى للشعب اليهودي»، في إشارة مباشرة إلى إيران. أضف إلى ذلك أن نتنياهو يعتبر إزالة التهديد الإيراني هو الهدف المركزي له، وأن (إسرائيل) يمكنها أن توقف بقواها الذاتية البرنامج النووي الإيراني إذا لم يكن لها مفر من ذلك.
ويُلاحظ أنه منذ عودة نتنياهو إلى سدة الحكم، وقبل سفره إلى واشنطن، يظهر تصعيداً في التصريحات ضد إيران، ويمكن أن نشخّص حملة إعلامية ذات رسالة بسيطة: إذا لم يوقف العالم المشروع النووي الإيراني فإن (إسرائيل) ستعمل بنفسها، وهي باتت مستعدة للعمل منذ الآن. هذا بدأ في المقابلة التي أعطاها نتنياهو لجيفري غولدبرغ، مراسل مجلة «أتلنتيك» الأمريكية، في أثناء تشكيل الحكومة، حيث كتب غولدبرغ يقول «نتنياهو يقول إن أوباما ملزم بأن يمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وبسرعة، وإلا فإن (إسرائيل) الواقعة تحت التهديد ستضطر إلى أن تهاجم بنفسها المنشآت النووية الإيرانية».

الخطوات العملية
ليس سراً أن (إسرائيل) تستعد لإمكانية شن هجوم على إيران، فمنذ أكثر من عقد من الزمن وكل الطائرات التي يشتريها سلاح الجو الإسرائيلي مخصصة للطيران إلى مسافات بعيدة، ومنذ سنوات عديدة والمشروع النووي الإيراني هو المهمة الأساسية للاستخبارات الإسرائيلية، ومنذ زمن طويل والدبلوماسية الإسرائيلية مُوجهة كلها نحو هذا الهدف. ومع ذلك، بادرت الحكومة الإسرائيلية الجديدة منذ تشكيلها إلى عدة خطوات تصب في سياق مواجهة محتملة مع إيران. ففور تولّي نتنياهو السلطة، أُعلن عن تلقيه استعراضاً مفصلاً في أثناء ثلاثة لقاءات على الأقل من رئيس الأركان وقادة المؤسسة الأمنية، بشأن الخيار العسكري الذي تبنيه (إسرائيل) حيال النووي الإيراني. وبحسب ما ذُكر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد «فوجئ نتنياهو إيجاباً من تقدّم الاستعدادات ومما جرى حتى الآن».
ولاحقاً أُعلن أن نتنياهو شكّل طاقماً وزارياً ومن الموظفين الكبار لبلورة بدائل العمل الإسرائيلي حيال التهديد النووي من إيران. وأن هذا الطاقم يضم، ضمن آخرين، وزير الدفاع إيهود باراك، وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وزير الشؤون الاستراتيجية موشيه يعلون، وزير شؤون الاستخبارات دان مريدور، مستشار الأمن القومي عوزي أراد، ورئيس الموساد مئير دغان.
وإلى جانب التحضيرات التي تتم على مستوى القرار السياسي والعسكري، برزت أيضاً التحضيرات العملانية، الهجومية والدفاعية، فجرى الحديث عن العديد من المناورات التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي على مسافات بعيدة جداً، والتي حاكى فيها هجوماً مفترضاً على أهداف إيرانية؛ كما جرى الحديث عن إجراء (إسرائيل) التجربة الـ17 لمنظومة «حيتس» المخصصة لاعتراض الصواريخ البعيدة المدى، ونجاح هذه المنظومة في اعتراض صاروخ يشبه صاروخ شهاب الإيراني من النوع الأكثر تطوراً. وفي هذا السياق أيضاً تأتي المناورة التي أجرتها الجبهة الداخلية الإسرائيلية، والتي وُصفت بأنها الأضخم في تاريخ (إسرائيل)، والتي حاكت فيها رداً إيرانياً مفترضاً على تعرض إيران لهجوم إسرائيلي.
هذه الخطوات والإجراءات المعلنة، وغيرها الكثير غير المعلن، تصب كلها في خانة تعزيز فرضية العدوان الإسرائيلي على إيران، من دون استبعاد أن تكون مجرد رسائل ورافعات ضغط في اتجاهين: المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لحثه على اتخاذ خطوات أكثر فاعلية ضد إيران؛ وفي اتجاه إيران للتلويح لها بأن الخيار العسكري الإسرائيلي مطروح جدياً على جدول الأعمال.

معضلة المعادلة
ما تقدّم لا يعني حتمية الخيار العسكري الإسرائيلي، ذلك أن دونه صعوبات جمّة يُمكن إجمالها في عدة تساؤلات تُشكل الإجابة عليها مدخلاً ضرورياً لتحديد وجهة الخيارات. ومن هذه الأسئلة: هل السلاح النووي بيد إيران سيكون حقاً تهديداً شبه مؤكد على وجود (إسرائيل)؟ هل لدى (إسرائيل) قدرة استخبارية وعملياتية تسمح لها بتوجيه ضربة شديدة للمواقع النووية الإيرانية؟ أي ضرر سيلحق بـ(إسرائيل) جرّاء رد فعل إيراني؟ هل سيمس الهجوم بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة؟ كيف سيرد العالم العربي؟
المعضلة الأولى بالنسبة لـ(إسرائيل)، كما يراها كثيرون، تكمن في أن القيادة الإسرائيلية لا تملك إجابة وافية وكافية على هذه الأسئلة، بعضها أو كلها، وأن بعض الإجابات المتوافرة لا تصبّ في مصلحة تشجيع الخيار العسكري الإسرائيلي، وأن المعادلة التي يمكن أن تحكم وجهة الخيار الإسرائيلي، هي معادلة الجدوى - الثمن، غير واضحة بالنسبة لأصحاب القرار، وأن من شأن عدم الوضوح هذا أن تكون له تداعيات خطيرة جداً على أمن (إسرائيل) ومصالحها الاستراتيجية. والمعضلة الثانية تتمثل في كيفية مقاربة المعادلة المذكورة، فثمة من يعتقد أن «إزالة الخطر الإيراني» يُبرر ويستحق أي ثمن يمكن أن يُدفع، فيما يرى آخرون أنه من الخطأ الجسيم محاولة إزالة خطر مُفترض بثمن مؤكد وباهظ، مقابل نتيجة غير مُتيقن من تحقيقها.
في جميع الأحوال، يراهن كثيرون على أن مفتاح المخرج الوحيد والمفضل لإخراج (إسرائيل) من هذه المعضلة، موجود بين يدي الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأنه يتعين على الحكومة الإسرائيلية توظيف جهودها في هذا المسار، خاصة أن «طريق الهجوم على إيران تمر حتماً من الولايات المتحدة».
هذا المخرج يجد تعبيراً له في المعادلة- المقايضة، الآخذة في التبلور في الآونة الأخيرة، والتي جرى الحديث عنها كثيراً في التقارير الإعلامية والديبلوماسية، والتي تقوم على أساس المقايضة بين الموضوع الإيراني وبين تسوية عربية-إسرائيلية، وفيما يبدو أن الجميع -الولايات التحدة، (إسرائيل)، دول الاعتدال العربي)- متفقون على مبدأ المعادلة، يظهر أن الخلاف شديد حول تفاصيلها وترتيبها الزمني، حيث تُصر (إسرائيل) على ضرورة «إزالة الخطر الإيراني» كشرط لاستعدادها تقديم «تنازلات» غير محددة في تسوية محتملة مع السلطة الفلسطينية، بينما تبدو الأولوية الأميركية معكوسة وأوسع، وهي تقوم على ضرورة التزام الحكومة الإسرائيلية بالأجندة الأمريكية للتسوية مع الفلسطينيين، وأهم عناصرها حل الدولتين، كمدخل لحل يُرضي (إسرائيل) في الموضوع الإيراني. هذا التباين في مقاربة الأمور، والعجز عن تقديم إجابات واضحة على الأسئلة الحاسمة يفضي إلى غموض في المعادلات ومحدودية في الخيارات.



 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حكومة سلام فياض الفاقدة للشرعية


رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.       للمزيد                          

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني        للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012