|
|
وجه وحدث
أحمد داود أوغلو: وزير استراتيجي يليق بـ«دولة عظمى»
ياسر قدورة
لم يكن تعيين أحمد داود أوغلو وزيراً للخارجية التركية، ضمن التعديلات الحكومية
الأخيرة، أمراً مفاجئاً لمتابعي الشأن التركي، رغم أن تسليم الوزارة لسياسي من خارج
البرلمان لا يبدو أمراً مألوفاً في المشهد التركي. الرجل لم يكن بعيداً عن تفاصيل
السياسة الخارجية قبل تسلّم الوزارة، بل يرى البعض أنه كان يقود الدبلوماسية
التركية ويرسم معالمها من وراء الكواليس خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ تولي
حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان زمام الحكم في البلاد.
أحمد داود أوغلو، متزوج وله أربعة أبناء وقد بلغ من العمر خمسين سنة، ويحمل شهادات
عدة من العلوم السياسية إلى الدكتوراه في العلاقات الدولية، وعمل أستاذاً جامعياً
داخل وخارج تركيا لسنوات عدة، ثم عمل مستشاراً للسياسة الخارجية برتبة سفير لدى
أردوغان منذ عام 2003. وأهم ما يتميز به أوغلو من بين السياسيين الآخرين في تركيا
هو فكره الاستراتيجي الذي ترجمه بعدد من المؤلفات الفكرية، أهمها كتاب «العمق
الاستراتيجي» الذي ألّفه عام 2001 واعتُمد مرجعاً أساسياً في الكليات العسكرية
التركية، حتى أن البعض يعتبر أوغلو أهم مفكر استراتيجي تركي خلال العقود الخمسة
الأخيرة.
وينطلق أوغلو في تفكيره الاستراتيجي من أن تركيا تمتلك من المخزون التاريخي
والحضاري ومن القوة ما يؤهلها لأن تكون قوة عظمى (سياسياً واقنصادياً) في المنطقة
وليس مجرد جسر يربط بين العالم الإسلامي والغرب. وفي مقارنة مع النموذجين الأقوى في
المنطقة، الإسرائيلي والإيراني، نجد أن (الإسرائيلي) لا يصلح للعب دور أساس في
المنطقة لأنه طرف قائم على اغتصاب الحق الفلسطيني أولاً ولأنه العامل الرئيس في
تفجير معظم أزمات الشرق الأوسط. أما الإيراني وبحسب أوغلو فإن نموذجها السياسي
يفتقر للجاذبية السياسية التي تجعله قابلاً للتسويق في المنطقة والعالم. وهكذا يسعى
أوغلو من خلال سياسته التي رسمها منذ سنوات إلى جعل تركيا قوة لا يمكن تجاوزها أو
الاستغناء عنها في المنطقة والعالم، بل يجاهر بالقول: تركيا سوف تستشار، ويحترم
رأيها في كل القضايا العالمية، من المناخ والاحتباس الحراري، إلى قضايا الشرق
الأوسط.
ومن ضمن رؤية أوغلو الاستراتيجية أنه لا يمكن بحال من الأحوال التسليم بقوة الأمر
الواقع، كما لا يمكن مواجهة هذا الواقع دون استعداد كاف، وفي الوقت نفسه فإنه لا
يجوز مطلقاً التفريط في قوة الحق الأصيل الثابت. وقد رأينا أن السياسة التركية تجاه
الموقف الفلسطيني في السنوات الأخيرة قد تمايزت بشكل واضح عن مواقف كثير من الدول
العربية والإسلامية، رغم العلاقات الاستراتيجية القديمة بين تركيا و(إسرائيل). فيوم
فازت حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وجدنا بعض الدول العربية تفبرك ملفات
سياسية وأمنية للحركة كي تمتنع عن استقبال قياداتها على أراضيها حتى لا يكون ذلك
عبئاً عليها أو إحراجاً لها أمام (إسرائيل) والرباعية الدولية التي فرضت حصاراً
خانقاً على حماس. في المقابل كان أحمد أوغلو يرتب زيارة رسمية لقيادة حماس إلى
تركيا هي الأولى من نوعها بعد الفوز رغم الاعتراضات التي أزعجت واشنطن وتل أبيب.
وفي العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة كان الموقف التركي أكثر إنصافاً للفلسطينيين
من مواقف كثير من الدول العربية المجاورة، ودان العدوان بنبرة واضحة وعالية ووجه
انتقادات لتل أبيب بارتكاب مجازر حرب في غزة، بل دافع عن حركة حماس وتبنى حمل
موقفها إلى مجلس الأمن حتى رفعت الأعلام التركية وصور أردوغان في معظم المسيرات
التي خرجت تأييداً للفلسطينيين، كما لا يمكن إغفال خروج أردوغان من جلسة مؤتمر
دافوس احتجاجاً على وقاحة شيمون بيريز، ومحاولة الإصلاح بين الفصائل الفلسطينية أو
المساهمة في ملفي التهدئة وشاليت.
الحضور التركي في ملفات الشرق الأوسط لا يقتصر على الملف الفلسطيني، بل ربما يكون
أوضح وأكثر أهمية في ملف الوساطة بين السوريين والإسرائيليين للتفاوض غير المباشر
لتسوية النزاع حول هضبة الجولان. وكذلك تميز الموقف التركي من إيران بتأكيده على حق
إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية دون أن يغضب الأمريكيين. هذه التفاصيل
وغيرها الكثير ينسبها البعض إلى استراتيجية أوغلو التي كانت تقود السياسة الخارجية
التركية خلف الكواليس. والشاهد في كل ما سبق أن السياسة التركية التي يهندسها أوغلو
لا تقوم على مجاملة الأمريكيين ولا الاتحاد الأوروبي، بل هو يسعى لتحقيق المصلحة
التركية بتعزيز الحضور التركي في ملفات الشرق الأوسط الساخنة ليكون رقماً صعباً لا
يمكن تجاوزه، وعندها ستكون عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي حاجة أوروبية كما هي
تركية.
يرى البعض أن لأحمد داود أوغلو مستقبلاً مميزاً في الخارجية التركية وأن اسمه سيكون
واحداً من بين الأسماء الكبار الذين تولوا منصب وزارة الخارجية في العالم، ولكن ليس
هذا ما يشغل بالنا. ما يهمنا أن صناع القرار في السياسة الخارجية التركية اليوم
يؤمنون بعدالة القضية الفلسطينية، ويعتقدون أن قوة الحق لا يمكن التنازل عنها أمام
قوة الأمر الواقع، وأنهم يقفون إلى جانب القضية الفلسطينية والقضايا العربية
إيماناً منهم بأن هذا الموقف هو لصالح تركيا كما هو لصالح العرب والفلسطينيين، فلا
يفوّتنّ أحد الفرصة على تعزيز العلاقة العربية التركية تحت حجة أن تركيا تحاول
تعزيز دورها في المنطقة على حساب هذه الدولة العربية أو تلك.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حكومة سلام فياض الفاقدة
للشرعية
رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف
ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.
للمزيد
|
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة
من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|