|
|
شؤون إقليمية
زيارة البابا: توظيف للكنيسة وتبييض لوجه الكيان الصهيوني أمام العالم
القدس/مها عبد الهادي
كان الوصف الأبرز لزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر، التي استغرقت ثمانية أيام،
أنها سياسية بحتة، خاصة في ظل التصريحات المتوالية التي أطلقها وتناولت قضايا
الصراع العربي –الصهيوني، إلى جانب علاقات الكنيسة الكاثوليكية بالديانات الأخرى.
فقد كشفت هذه الزيارة أن دبلوماسية الفاتيكان ما زالت أسيرة ضغوط خارجية وعوامل
ذاتية تمنعها من الخروج بموقف صريح أمام الناس، بموقف يحررها من محاولة البقاء على
الحياد بين طرف عربي إسلامي يستنجد بها مراراً لإنقاذ العاصمة الروحية للمسيحية
وبين الكيان الصهيوني الذي يسعى حثيثاً لاحتكار القدس عاصمة روحية وسياسية له فقط.
لذلك من السذاجة أن يبادر البعض إلى القول إن زيارة البابا للديار المقدسة كانت
دينية – روحانية، ومن أجل الصلاة حتى يعمّ السلام البلاد، والتسامح والتصالح بين
شعوب المنطقة فقط. بل إن المسألة أبعد وأعمق من ذلك بكثير، ولها علاقة بالابتزاز
والاشتراطات السياسية والتوازنات والتطورات الاقليمية والدولية، وهذه المدلولات
والمؤشرات كانت واضحة من خلال الدول التي زارها البابا، وجدول أعمال زياراته
ولقاءاته.
كما أن الزيارة تأتي ومنطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة حرجة، فالدولة العبرية تجري
عملية تدمير ممنهجة للوجود العربي -المسيحي والإسلامي- في القدس، كما أكد على ذلك
مؤخراً تقرير للاتحاد الأوروبي أصدره رؤساء البعثات المتواجدون في الأرض الفلسطينية،
ووصلوا إلى نتيجة مؤداها أن المخططات الصهيونية التي يتم تنفيذها بوتيرة متسارعة
ستؤدي إلى تقويض إمكانية أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وبالتالي
الحيلولة دون التوصل إلى حل الدولتين.
زيارة مسيسة
كما قلنا كانت هناك الكثير من المؤشرات التي تؤكد هدف تسييس الزيارة منها:
1- لو كانت الزيارة دينية روحانية لكان الأولى أن يبدأ البابا زيارته بسوريا مهد
الديانات والحضارات، لكن كون الزيارة مخططة سياسياً كانت سوريا خارج تلك الزيارة
ولأسباب ترضي الكيان الصهيوني.
2- التوظيف السياسي للدين: رغم حديث البابا عن التوظيف السياسي للدين، إلا أنه ناقض
نفسه حينما تحدث عن أرض الميعاد لليهود. فلم يتردد البابا أو يراعي شعور العرب
الذين يستمعون إليه، مسيحيين ومسلمين، حين تحدث عن مصالحة بين الكنيسة واليهود
لإزالة ما سماه سوء الفهم التاريخي، معيداً للأذهان تلك التبرئة الشهيرة لهم من دم
السيد المسيح عليه السلام.
فقد وقف البابا خلال الزيارة على جبل «نيبو»، متوجهاً نحو القدس، ومستذكراً كلام
الكتاب المقدس حول أرض الميعاد المزعومة، متعمداً المرور على هذه القصة الجارحة لكل
فلسطيني ولكل عربي مهما كانت النوايا والمنطلقات.
وخلال تواجده بالأردن، أكد في حديث أن الهدف الأكبر لزيارته هو إنجاز مصالحة مع
اليهود، انطلاقاً من جامع العهد القديم بين الديانتين المسيحية واليهودية.
3- الدعاية للصهاينة عالمياً، حيث أعلنت الدولة العبرية أنها ستستغل هذه الزيارة «الدينية»
لدعم الدعاية الصهيونية الكاذبة في العالم. وليس أدلّ على ذلك مما قالته مصادر
صهيونية عالية المستوى بأن وزارة السياحة الصهيونية تعتزم استخدام زيارة البابا
لدفع الدعاية الصهيونية، وأن وزير السياحة ميسيزنكوف، وهو مع المتطرف أفيغدور
ليبرمان، سيشدد أمام الوزراء أنّه خلال الزيارة سيتم بثّ انطباع يدمج ما بين الحجيج
المسيحي للديار المقدسة والسلام، كعامل يعزز الكيان الصهيوني كبلاد مقدسة.
ويؤكد ذلك الموقع الإلكتروني الذي أطلقته للمناسبة وزارة السياحة الصهيونية بسبع
لغات، ويتضمن روابط لوكالات السفر والسياحة فيها. ويقتبس من قنصل صهيوني في كندا
مثلاً قوله إن «إسرائيل تتوقع أن يسير على خطى البابا الآلاف من المسيحيين في
العالم»، (بينما منحت دولة الاحتلال حسب زعمها عشرة آلاف من مسيحيي الضفة الغربية
ومائة أو مائتين من إخوانهم في غزة تصاريح لاستقبال البابا في القدس وبيت لحم
والناصرة). لكن الأهم من كل ذلك هو استغلال البابا نفسه لافتتاح اثنين من أهم
المشاريع السياحية الصهيونية، للتعويض عن عشرة ملايين دولار ضختها الدولة العبرية
في التحضير لزيارته ولتبييض صورتها دولياً غداة عدوانها الأخير على قطاع غزة، كما
ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية في السادس من الشهر الماضي.
4- التركيز على الدعم السياسي والمعنوي للكيان الصهيوني، خصوصاً بعد زيارة البابا
للنصب التذكاري للمحرقة (ياد فاشيم)، مع العلم أنه ليس مزاراً دينياً، وأن الزيارة
لم تكن مدرجة في برنامج زيارته، خاصة أنه كان قد سبق للبابا البافاري المولد أن
التحق بصفوف الخدمة العسكرية الألمانية في صباه، إبان الحرب العالمية الثانية، حسب
بعض المصادر.
ولا يقل خطورة حديثه عن موت النبي موسى عليه السلام، الذي وقف على أحد جبال المنطقة
الشرقية لنهر الأردن قبل ذلك ناظراً إلى غرب النهر باعتبارها الأرض التي سيسكنها
قومه من اليهود، في إشارة متعمدة لحق اليهود في استيطان تلك الأرض حسب وصية موسى،
وهو ما جاء على لسان البابا حرفياً في رده على خطاب الترحيب الأردني.
ولا يخرج عن الأطار السياسي كذلك زيارة البابا لحائط البراق، أو ما يسمى زوراً حائط
المبكى، وكأن البابا لا يحترم طبيعة زيارته، ولا يحملها الطابع الديني إلا حينما
يتعلق الأمر بمطالب عربية تجاه الحقوق المغتصبة للمسلمين، بينما يتناسى هذه الطبيعة
حين يتعلق الأمر بالدولة العبرية وأمنها ومصالحها. والسؤال هنا هو: لماذا يتحدث
البابا عن معاناة الشعب اليهودي ولا يفعل الشيء ذاته مع الشعب العربي الفلسطيني.
5- معايير مزدوجه للزيارة: ففي الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تكون زيارة البابا
رمزاً للسلام والمحبة والتسامح والتصالح ورفض الظلم والاضهاد أي كان مصدره ومن
يمارسه، كانت هناك نظرة مزدوجة ومعايير مختلفة، لها علاقة بالأهداف والمصالح. فمن
ناحية سارع البابا إلى لقاء عائلة الجندي الصهيوني المأسور جلعاد شاليت واستمع إلى
شرح مفصل من عائلته عن مدى معاناتها وحزنها على ابنها المأسور منذ 1500 يوم، وهو
الذي كان في مهمة عسكرية وليس رحلة صيد أو قنص على حدود قطاع غزة. وخلال هذا اللقاء
أبدى البابا حزنه وتأثّره على شاليت وتعاطفه مع أسرته.
وبالشق الآخر، لم يقابل أو يلتقي البابا أياً من عائلات الأسرى الفلسطينيين، ولم
يبدِ حزنه أو تعاطفه لا معهم ولا مع أكثر من 11 ألف أسير فلسطيني، مضى على وجود
الواحد منهم أكثر من عشرات آلاف الأيام في سجون الاحتلال الصهيوني، لا ذنب لهم
اقترفوه إلا أنهم يناضلون ويكافحون من أجل أن يكون لهم ولشعبهم وطن حر يعيشون فيه
كباقي بني البشر. ولم يتعاطف مع الأطفال الرضّع الذين يسجنون مع أمهاتهم في زنازين
الاحتلال الصهيوني، في مخالفة وتجاوز فظ لكل الأعراف والمواثيق الدولية والتي تمنع
سجن الأطفال.
وللحقيقة لم يكن البابا ليتجرأ وليطلب لقاء أحد من عائلات الأسرى الفلسطينيين، وما
كان ليتجرأ من زيارة قطاع غزة المحاصر والمحروم من أبسط مقومات الحياة الإنسانية،
وحتى من إعادة إعمار البيوت والمدارس والمشافي التي دمرها الاحتلال في عدوانه على
القطاع في أواخر عام 2008، أو زيارة قريتي اقرث وبرعم المهجرتين قسراً وعنوة.
ولو تجرأ البابا وطلب زيارة هذه الأماكن لسارعت الصهيونية إلى اتهامه بمعاداة
السامية وأنه داعم «للإرهاب»، وكان الصهاينة أرجعوه خاسراً كما خسر من قبله سياسيون
وكتاب وأدباء أوروبيون غربيون وظائفهم ومراكزهم ومناصبهم، لتجرئهم إدانة الممارسات
الصهيونية القمعية بحق الشعب الفلسطيني، والتشكيك في مدى دقة وصحة المعلومات
المعطاة عن المحرقة، فحال البابا حينها لن تكون بأفضل من حالهم، وستدعو (إسرائيل)
إلى تنحيته ومقاطعته وربما محاكمته.
6- ومن المفارقات العجيبة أن الزيارة تصادف إحياء الشعب الفلسطيني ذكرى النكبة التي
حلّت به في عام 1948، ومع ذلك لم يتحمل البابا عناء زيارة قطاع غزة الذي تعرض
لعدوان بربري وإجرامي من قبل آلة الحرب االصهيونية، والذي أدّى إلى استشهاد وجرح
آلاف المدنيين الفلسطينيين العزل، أكثريتهم الساحقة من الأطفال.
وكما تزامنت الزيارة مع الوقت الذي أعلن فيه القاضي الإسباني أنه سيواصل النظر في
الدعوى المقدمة ضد عدد من القادة السياسيين والعسكريين الصهاينة، المتهمين بارتكاب
جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي الوقت نفسه لم يخجل الباب من الاجتماع مع جزار قانا شيمعون بيريس ومع بنيامين
نتنياهو الذي يقول إن العرب في الدولة العبرية، وبضمنهم المسيحيون العرب، هم قنبلة
ديمغرافية موقوتة، وهي المقولة التي تتماشى وتتماهى مع مطلبه من الفلسطينيين
الاعتراف بالدولة العبرية كدولة لليهود فقط.
وكان الأولى في البابا أن يزور جدار الفصل العنصري، لكي يشاهد حجم المأساة التي
يعيشها ويحياها الشعب الفلسطيني بشكل يومي ومستمر، بسبب هذا الجدار العنصري، والتي
آثاره وتداعياته وأخطاره تفوق أخطار وتداعيات النكبة. و(إسرائيل) التي تحاول أن
تخفي معالم جريمتها، رفضت حتى في زيارة البابا لمخيم عايدة للاجئين في مدينة بيت
لحم، وأن يجري استقبالة والالتقاء به في منطقة يشاهد منها جدار الفصل العنصري، الذي
يخنق ويطوق ويقطع أوصال مدينة مهد المسيح عليه السلام.
الموقف الفلسطيني
وكان الموقف الرسمي الفلسطيني الأكثر إثارة للشفقة والاستهزاء، حيث لم تطلب هذه
القيادة من البابا زيارة غزة بما فيها من تجاهل كبير للأطفال الفلسطينيين الذين
قتلوا على يد إيهود أولمرت وإيهود باراك وتسيبي ليفني، وهي ليست إلا خطوة في محاولة
أخرى لتقسيم الشعب الفلسطيني، واستبدال الزيارة بزيارة مخيم اللاجئين عايدة في
الضفة الغربية المحتلة.
أما حركة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية الغيورة على المصلحة الفلسطينية، فقد
سارعت إلى مطالبة البابا بالاعتذار للأمة العربية والإسلامية عن هذه المواقف
والتصريحات التي مسّت مشاعر الملاين من أبناء الأمة
فقد طالب رئيس الوزراء إسماعيل هنية البابا الذي يعيد الاعتراف فيما يسمى بالمحرقة،
أن يعترف وأن يقف على محرقة العصر التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خلال
الحرب الإسرائيلية الأخيرة، داعياً إياه أن يتذكر وهو يجتمع بأهل الجندي الأسير
الإسرائيلي الأسير في غزة بأن هناك أكثر من 11 ألف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال.
وقال هنية «كنا نأمل من البابا، وبدل زيارة الاحتلال، أن يقوم بزيارة غزة ليطلع على
الهلوكوست الحقيقي الذي تعرض له أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا ومزارعنا خلال الحرب على
غزة».
واحتجّ على الزيارة كثير من المرجعيات الدينية الفلسطينية وشخصيات ومؤسسات مسيحية.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حكومة سلام فياض الفاقدة
للشرعية
رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف
ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.
للمزيد
|
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة
من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|