|
|
الانفتاح الغربي على حماس في الميزان
بون/نبيل شبيب
عند تشكيل حكومة أخرى برئاسة سلام فياض الذي يوصف باستمرار أنه الرجل الموالي
للغرب، والذي كان لفترة من الزمن مرشحاً بمنظور الغرب للحلول مكان محمود عباس، كان
أهم تعليلات هذه الخطوة -رغم سلبياتها الكبرى على حوار المصالحة الفلسطيني- هو حرص
عباس أن يستبق لقاءه مع أوباما، يوم 28/5/2009، بخطوة تستعرض قدرته على تمرير شروط
الرباعية، وعلى إبقاء حماس خارج قوسين، ما دامت ترفض القبول بها ودخول نفق أوسلو.
وتزامن هذا التعليل مع تصريح أمريكي أن واشنطن ستدعم حكومة وحدة وطنية فلسطينية
تشمل حماس، دون تكرار الشروط الغربية التقليدية المسبقة، كما تزامن مع استطلاعات
جديدة للرأي تؤكد أن غالبية الأمريكيين لا يدعمون ما يسمى «حل الدولتين» فقط، بل
يدعمون ضرورة التعامل مع حماس أيضاً على صعيد المفاوضات.
واشنطن وزمام المبادرة
لا شك في وجود تبدل في الموقف الغربي، ولا سيما الأمريكي، يرصده كثير من
المعلقين الغربيين وهم يشيرون إلى سلسلة ضغوط سبقت زيارة نتنياهو إلى واشنطن، مع
توقع استمرارها إلى ما بعد «خطاب أوباما» في مصر يوم 4/6/2009، عشية الذكرى السنوية
الثانية والأربعين لحرب 1967. من تلك الضغوط تأخير قمة نتنياهو - أوباما لتأتي ما
بين لقاءات قمم أخرى مع مسؤولين من الدول العربية، ثم سلسلة زيارات قام بها مسؤولون
أمريكيون في المنطقة دون المشاورات المسبقة أو اللاحقة مع الإسرائيليين كما كان
معتاداً إلى الآن، فضلاً عن انتقال الحديث عن التسلح النووي الإسرائيلي إلى العلن،
وتكرار مطالبة الإسرائيليين بوقف «الاستيطان».
واضح أن واشنطن تسعى لرسم معالم التعامل الغربي مع المنطقة، وأن اختيار مصر منطلقاً
لتوجّه أوباما إلى العالمين العربي والإسلامي من أجل تحسين السمعة الأمريكية مجدداً،
أتى على خلفية الرغبة في وضع قضية فلسطين في صدارة هذه المحاولة، وطرح عناصر جديدة،
أو ما يمكن أن يبدو جديداً على الأقل، ومن ذلك التعامل مع الواقع الذي فرضته
المقاومة على الأرض، ليوازن هذا الطرح مفعول استمرار الحرب في أفغانستان، وتباطؤ
الانسحاب من العراق.
ويعزز هذا المنطلق الأمريكي لدى الرأي العام الأوروبي مفعول الحملات غير الرسمية
باتجاه غزة والمطالبة بإنهاء الحصار، مما يفسر بدوره التبدل التدريجي في المواقف
الأوروبية تجاه منظمات المقاومة الفلسطينية ولا سيما حماس.
إنما ما هي حقيقة التبدل الجديد وما هو حجمه؟
المطالب الأمريكية والأوروبية لم تتبدل من حيث الجوهر، وفي مقدمتها «الاعتراف، ونبذ
العنف، والالتزام باتفاقات سابقة، والواقعية السياسية في قضية العودة» -كما يعبر
عنها المسؤولون الغربيون، إلا أنها تتخذ صيغاً جديدة أقل حدة، وتبدي درجة من التفهم
لم تكن موجودة من قبل، مع البحث عن أرضية ما للتلاقي مع مواقف من جانب حماس اتخذت
صيغا متوازنة في تقويم الغربيين لها، كالتي عبّر عنها خالد مشعل في كلمته عن بعد
للنواب البريطانيين، ورغم أن «جوهر مواقف حماس» لم يتبدل أيضاً، إلا أن الأوروبيين
يرون في الصياغة «المتوازنة» لها ما قد يوصل عبر المفاوضات إلى تلبية المطالب
الغربية، بعد استحالة تلبيتها في قالب شروط وضغوط، منعت الاتصالات المباشرة.
يشير إلى ذلك مثلاً قول بول ماكجيو في نيويورك تايمز «رغم عجز الكثيرين في الغرب عن
فهم حسابات استراتيجية حماس في الحرب والإرهاب، فإن الحركة أثبتت قدرتها على التحكم
في حربها كما فعلت في صيف وخريف 2008. كما أثبتت قدرتها على التفاوض مع (إسرائيل)
عبر طرف ثالث. وتقبل حماس على المدى البعيد فكرة الدولتين، وهو أمر يجعلها أقرب إلى
واشنطن من نتنياهو الذي يقترح الآن إقامة «سلام اقتصادي» فقط بين اليهود
والفلسطينيين».
بل يرى بعض المراقبين الغربيين أن مجرد الإصرار الإسرائيلي والغربي على مطالبة حماس
تحديداً بالاعتراف، يعني إقراراً واقعياً بأنها هي التي تمثل شعب فلسطين على الأرض،
وتتصرف على هذا الأساس، فهي تعلم -على حد قول شارلس كراوثامر في واشنطن بوسط- أنها
هي التالية بعد انفتاح الإدارة الأمريكية على إيران وسورية وانفتاح بريطانيا على
منظمة «حزب الله».
صيغ جديدة ومواقف قديمة
لا ينفي ما سبق استمرارية المواقف الرسمية الغربية على ما كانت عليه بانتظار
ردود الفعل على قنوات التواصل التي بدأت تُفتح بحذر، ومن شواهد ذلك مثلاً تعقيب راي
مارستون، الناطق باسم الخارجية البريطانية، على تواصل الوفود النيابية البريطانية
مع زعماء حماس في دمشق، وحوار مشعل عن بعد مع النواب البريطانيين في لندن، فقد أنكر
مارستون وجود رسائل رسمية محددة ومقصودة إلى حماس من وراء الكواليس، ثم قوله «إننا
نعتبرها جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل».
وبالمقابل كانت مواقف الرفض الأوروبية واضحة تجاه وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان،
فبعد أن بدا وكأنه يتحدث بعجرفة «دولة كبرى» وهو يهدد الأوروبيين باستبعادهم من «عملية
سلام» في المنطقة رغم أنه هو الذي يستبعد السلام، وكان الإخفاق حصيلة جولته في
أوروبا، مما شمل ألمانيا تحديدا، الأقرب بنظره إلى عدم انتقاد الإسرائيليين أصلاً،
إذ لم يتردد وزير الخارجية الألماني عن تأكيد وجود خلافات أساسية، وعن تكرار بعض
المطالب تجاه الإسرائيليين مثل وقف حركة الاستيطان، وأيدته المعارضة على ذلك، كما
عبر عنها تريتين من حزب الخضر، وهو يطالب حكومة برلين بوضع النقاط على الحروف في
المحادثات مع ليبرمان.
ويوجد تبدل مشابه على المستوى الإعلامي مثاله ما نشرته مجلة «دير شبيجل» الواسعة
الانتشار في صيغة «خطاب مفترض» على لسان شتاينماير، وأعطته عنوان: «الواقع أيها
الزميل ليبرمان أنك شخص غير مرغوب فيه هنا».. وعددت فيه كماً كبيراً من السياسات
الإسرائيلية التي أصبحت عقبة في وجه السلام، مما لم يقتصر على مواقف ليبرمان تحديداً.
طعنات من الخلف
المستهجن مقابل بذور تبدل في المواقف الغربية أو صياغتها، أن كثيراً من الجهات
العربية والفلسطينية، لا تزال تتمسك بالصيغ المتشددة كما كانت من قبل، وتتصرف تبعاً
لذلك كما يشهد تشكيل حكومة أخرى برئاسة سلام فياض، وتشهد أيضا كتابات إعلامية عربية
نسجت صوراً وهمية اعتمدت على «مقالة صحفية بريطانية يتيمة في وورلد تريبيون» بشأن
احتمال إبعاد قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق عنها، بينما لم يعد هذا المطلب يُذكر
رسمياً أصلاً على ألسنة المسؤولين الغربيين تجاه الحكومة السورية! ومن ذلك قول كاتب
صحفي معروف عن «الإبعاد» المحتمل إنه أمر إيجابي «من أجل القضية الفلسطينية والشعب
الفلسطيني والحق السوري والمنطقة العربية عموماً. فالقضية ليست خالد مشعل بل إقامة
الدولة الفلسطينية والأراضي المحتلة. أما بالنسبة لمشعل وبقية قادة حماس فهم
معتادون على الرحيل القسري، وسيجدون في الأردن أو قطر أو تونس أو إيران ضيافة كريمة
أيضاً». ولا تكفي لوصف مثل هذ الأسلوب العدائي المباشر الذي بدأ الغربيون يستبعدونه،
مقولة من قبيل «ملكيون أكثر من الملك». ويسري شبيه ذلك على استمرار الضغوط المرافقة
لمفاوضات المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية من أجل تلبية أقصى المطالب الغربية
المطروحة في السنوات الثماني الماضية.
ويبقى من الضرورة بمكان في متابعة تطور المواقف الغربية أو طريق صياغتها، أنها -إلى
جانب اقتصار التبدل فيها على الصياغة وبعض الجوانب الشكلية- قد تمضي أشواطاً أخرى،
ولكن سيبقى جوهر المطلوب من خلالها:
1- التعامل مع معطيات فرضها الصمود الفلسطيني تجاه الحصار منذ انتخابات 2006
وفرضتها المقاومة البطولية في انتفاضة الأقصى ثم في الحرب العدوانية على قطاع غزة.
2- الاستجابة تحت عناوين حل الدولتين والمبادرة العربية المنتظر أن تحتل مكانة أولى
في كلمة أوباما في مصر، إلى قدر محدود هو قطعاً دون الثوابت التاريخية كما تتمسك
بها المقاومة الفلسطينية والغالبية الشعبية فلسطينياً وعربياً.
3- وبالتالي: تحويل المفاوضات حول «حل الدولتين والمبادرة العربية» بعد قبولهما من
حيث المبدأ، إلى منطلق جديد لانتزاع تنازلات فلسطينية وعربية في قضايا محورية
كالقدس والعودة.
4- وهنا يمكن أن «ينفرد الميدان» بالمقاومة سياسياً، فتتوافر أسباب جديدة لتوسيع
الحصار على نهجها وفصائلها وثوابتها، بما في ذلك هدف التحرير الشامل.
إن تبدل المواقف الغربية المحتمل لن يكون في اتجاه تلبية أهداف فلسطينية مشروعة على
أساس الحق والعدالة بالمنظور التاريخي والواقعي لقضية فلسطين، بل هو جولة أخرى
بأسلوب جديد، في اتجاه تصفية القضية على حد أدنى من ذلك بكثير، وتسويق ذلك وكأنه
أقصى ما يمكن الوصول إليه بمفهوم «السياسة الواقعية» كما تمارسها السياسات العربية
منذ فترة طويلة. ومن هنا أيضاً يمكن القول إن المرحلة المقبلة في تاريخ القضية أشد
خطورة مما سبقها، وتتطلب قدراً أكبر مما مضى من التمسك بالثوابت ومن الصمود
والمقاومة، فأي خطوة تأخذ صفة التراجع، يمكن أن تقوّض كثيراً من المنجزات التي
حققها الثبات والصمود والمقاومة في المرحلة الماضية، وعلى وجه التحديد منذ مطلع
التسعينيات من القرن العشرين.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حكومة سلام فياض الفاقدة
للشرعية
رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف
ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.
للمزيد
|
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة
من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|