|
|
أمية جحا..
زوجة الشهيدين تودّع الأول بلوحة تقطر دماً والثاني بشمعة تضيء ظلم الحصار
غزة/ أمينة زيارة
كم يكون الفراق صعباً على أحدنا عندما يفارق عزيزاً على قلبه، بل يكون علقماً
عندما يفارقنا رفيق العمر وسنوات النضال. لكن ما حدث مع الفنانة أمية جحا كان أكثر
مرارة، حيث فقدت زوجها شهيد البندقية رامي سعد ومن بعده شهيد الحصار وائل عقيلان،
فهذا الفراق لم يفتّ من عضد وصلابة تلك المرأة التي جسدت أعظم أسطورة لصبر ولصمود
المرأة الفلسطينية، وعادت لتخطّ بريشتها أجمل المعاني التي تعبّر عن الواقع
الفلسطيني.
رفيق العمر والجهاد
يقف القلم والريشة عاجزاً أمام صمود هذه المرأة الفلسطينية التي جسدت كل معاني
الصبر والصمود، حيث ودعت شهيدين كانا رفيقي العمر والجهاد.. فلقد كانت زيارتي لها
لتعزيتها في اليوم الثاني لاستشهاد وائل حيث توقعت بأن أجدها منهارة بعد الضربتين
التي تلقتهما، لكن كانت المفاجأة حيث وقفت في بيت العزاء شامخة كجبال فلسطين،
تستقبل الذين أمّوا بيتها بابتسامة صمود. بدت عيناها حائرتين تبحث عن الغالي الذي
فارقها لتوّه وتدقق بين الوجوه الكثيرة التي جاءت تشاركها حزنها،. بدأت تتحدث لمن
تجمعوا حولها عن الزوج والرفيق وائل قائلة: كان وائل رجلاً عظيماً بمعنى الكلمة، لم
يشتكِ يوماً رغم أنه كان يعاني من آلام حادة في المعدة منذ شهور، لكنه كان يخفي عني
هذا الأمر، يظهر أمامي بالقوة التي عهدتها عليه، فقد كان يمارس حياته بشكل طبيعي
فلا يشعر أحد بأوجاعه، حتى أنه كان يخرج للجهاد ولم ينقطع يوماً. ثم تسكت قليلاً،
وتكافح دمعها، أبت إلا أن تحرق وجنتيها قائلة: لم أعهد على وائل البكاء فقد كان
رجلاً نادراً في هذا المجتمع، قوي البنية والهيبة، محبوباً أينما حل، وتتذكر يوماً
بكى فيه وائل قائلة: في المحرقة الصهيونية سقط شقيق وائل محمد عبد القادر عقيلان
شهيداً، وعند تشييع جنازته بكى وائل بحرقة لفراق شقيقه، وتواصل حديثها: كذلك بكى
وائل وهو على فراش المرض حين تذكر رفاقه الشهداء، فكم تمنى أن يستشهد في أرض
المعركة وليس على سرير المرض.
على موعد مع شهر أيار/مايو
وتسكت قليلاً كي تستقبل وفداً جاء لمواساتها، وبدت تحمد الله على ما أصابها حيث
قالت: وكأنني على موعد مع شهر أيار/مايو، حيث استشهد رامي في الأول من ذلك الشهر
عام 2003عن عمر يناهز 27 عاماً، وقد أنجبت منه «نور» وكان عمرها تسعة شهور آنذاك،
أما وائل فاستشهد في الثالث من أيار/مايو 2009 عن عمر يناهز 32 عاماً، فكم كنت
أتمنى أن يرزقني الله منه طفلاً، مؤكدة: كان رامي ووائل صديقين بل أخوان يتقاسمان
الطعام والنوم والجهاد، حيث كانا مقاومين في «كتائب القسام».
محاولات باءت بالفشل
وتعود لتتفحص الوجوه التي تشاركها الجلسة، وترسم على ملامحها ابتسامة، ثم تكمل
حديث ذكرياتها مع وائل قائلة: عشت مع وائل أربع سنوات كانت من أجمل الأيام، حيث كان
الاحترام بيننا متبادلاً، وكان يساعدني في إيجاد أفكار لرسوماتي أسوة بالشهيد رامي
رحمه الله، فكان ريشتي التي ارسم بها معاناة شعب مقاوم، منوهة: أشار عليها رامي
رحمه الله بأن تضع «المفتاح»» في جميع رسوماتها ليكون رمزاً للعودة إلى الوطن، وأكد
وائل على ذلك، فكنت أشعر بأن وائل لم يتخلف عن رامي رحمهما الله، فكأنهما متفقان في
الآراء واختيار العناوين. وتضيف: أشكر الله بأن منّ عليّ بالصبر والصمود في هذه
المحنة التي من شأنها أن تقسم ظهر أي إنسان، لكنني تحاملت على نفسي وكنت الأقوى،
حيث عادت ريشتي لترسم معاني الصمود والتحدي والحصار.
وتحدثنا جحا عن كيفية استشهاد وائل قائلة: تعرّض وائل قبل نحو شهر لانفجار في معدته،
الأمر الذي استدعى نقله إلى مستشفى الشفاء لإجراء عملية جراحية سريعة له، إلا أن
الحصار الصهيوني المفروض على القطاع وعدم توافر الإمكانيات حال دون إجراء العملية،
واستدعى نقله فوراً للعلاج بالخارج. لكن حلم السفر لإتمام العلاج مات على أبواب
معبر رفح الموصدة في وجه المرضى والمسافرين، فقد مُنع وائل من الخروج عبر معبر رفح
بحجج كثيرة، وقد كانت هناك وساطات من عدد من الدول العربية المعروفة، لكن تأخرت
تأشيرة دخوله حتى فارق الحياة حتى أن جاءت الموافقة بعد استشهاد وائل، مضيفة: لقد
مكث وائل شهراً في المستشفى يصارع المرض حتى توفاه الله عزّ وجلّ.
مقال إعلان مرض وائل
لم يعلم أصدقاء ومحبو أمية عن مرض زوجها إلا عن طريق المقال الذي كتبته، وكان
بعنوان «عندما يبكي الرجال»، فقد تحدثت فيه عن آلام زوجها الجريح، وتقول أمية فيه «أمسَكَ
بيدي بقوة، وسالت دمعة على خده، وكنت طوال عهدي بزوجي الذي قارب الأربع سنوات لم
أره يذرف دمعة واحدة إلا مرتين، الأولى عندما استشهد أخوه الصغير محمد قبل عام ونصف
العام تقريباً، الثانية عندما أخذ يسرد لي أسماء من استشهد من رفاقه في الحرب على
غزة وأسماء من سبقوه من رفاق قبل الحرب. وقال: لقد اشتقت للرباط يا أمية وفي الصفوف
الأمامية كما كنت دوماً، قلت له: لا شك ستعود قريباً يا حبيبي.. وتقاتل الأعداء
بسلاحك.. وستلقى الله شهيداً بعد عمر طويل وحسن عمل بإذن الله. فأنا ما ارتضيت إلا
أن أتزوج برجل مجاهد في سبيل الله، قال بصوت ضعيف: ماذا سترسمين غداً، قلت: الأخبار
تتحدث عن عودة جولات الحوار والمصالحة الوطنية في القاهرة، صمت، وشدّ على يدي،
وأغمض عينيه ونام.
دقائق معدودة وفتح ممرض باب الغرفة وقال: «موعد الإبرة».
البكاء على وائل ورامي
في اليوم الثالث لاستشهاد زوجها الأول رامي سعد كانت أمية قد رسمت اللوحة التي
انتظرها الجميع، وقد مثلت هذه اللوحة صورة زوجها رامي في حدقة عينها، التي بكت دماً،
وجاء على هيئة دمعة تنزل من العين وترسم صورة للقلب، وفي اليوم السابع من استشهاد
وائل عقيلان رسمت أمية لوحة تعبّر بها عن فقدانها لزوجها الشهيد وائل وفي يدها شمعة
تحمل اسم وائل يضيء فيها ظلم الحصار.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حكومة سلام فياض الفاقدة
للشرعية
رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف
ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.
للمزيد
|
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة
من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|