|
|
مشروع حل الدولتين: دوامة «سلام» جديدة على المقاس الصهيوني
القدس/مها عبد الهادي
تعكس سلسلة الزيارات التي رتبتها الإدارة الأمريكية الجديدة مع قيادات عربية
وصهيونية، خلال الشهر القادم، حجم الاهتمام الأمريكي منذ بداية عهد الحكومة الجديدة
بإنهاء ملفات الصراع الرئيسية، خصوصاً ملف الصراع العربي- الصهيوني، حيث رتبت زيارة
لرئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو لواشنطن في 18 أيار/مايو الماضي،
وللرئيس المصري حسني مبارك في 26 أيار/مايو، ثم للرئيس الفلسطيني محمود عباس في 28
أيار/مايو.
وكما أكدت مصادر أمريكية فإن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيدعو القيادات
الفلسطينية والصهيونية والمصرية، كي تتخذ الخطوات اللازمة لتحقيق السلام في الشرق
الأوسط خلال هذه الزيارات، في مسعى لتطبيق الخطة الأمريكية الجديدة للسلام في الشرق
الأوسط التي تقوم على أساس «حل الدولتين»، وهي الخطة التي أكد وجودها العديد من
المصادر، دون أن يفصح عن تفاصيلها وماهيتها بالكامل، بما في ذلك الصحف الصهيونية.
فكما قالت صحيفة «هآرتس» في 17/4/2009، فإن الإدارة الأمريكية تعكف حالياً على
بلورة خطة سلام إقليمي تتضمن إجراء محادثات ثنائية متوازية بين الدولة العبرية
والفلسطينيين وبين الدولة العبرية وسوريا.
وتستند الخطة إلى المبادرة العربية للسلام التي تقترح على الدولة العبرية تطبيع
علاقاتها مع الدول العربية معها، في مقابل انسحاب الدولة العبرية من الأراضي
العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية
ولتنفيذ هذه الخطة ستقوم الولايات المتحدة ببلورة «رزمة أمنية» تعتمد على أن تكون
المناطق التي ستنسحب منها الدولة العبرية منزوعة من السلاح، مع إمكانية نشر قوة
متعددة الجنسيات فيها لفترة زمنية محددة. وحسب صحيفة «هآرتس»، فإن الإدارة
الأمريكية الحالية تتبنى الموقف القائل إن حدوث انفراجة في عملية السلام بين الكيان
الصهيوني والدول العربية «سيلجم نفوذ إيران وسيساهم في الجهد الدبلوماسي المبذول
لفرملة المشروع النووي الإيراني».
ولدفع الخطة أكثر إلى الأمام، وبحجة وجود حكومة صهيونية مغرقة في اليمينية والتطرف
والتي أعلنت بداية عن رفضها لفكرة حل الدولتين، وأن أقصى ما تعرضه هو حكم ذاتي
للشعب الفلسطيني فقد سارعت أمريكا إلى نصح حلفائها من معسكر الاعتدال العربي، بأنه
من أجل كبح جماح الحكومة الصهيونية والتخفيف من تطرفها، فلا بد من إجراء تعديلات
على المبادرة العربية، لكي تحشر هذه الحكومة في الزاوية وتجعلها تقبل بالمبادرة
العربية اسماً أو الصهيونية مضموناً.
فالتعديلات المطلوبة تمس جوهر المبادرة ومرتكزاً أساسياً من مرتكزات البرنامج
الوطني الفلسطيني، ألا وهو حق العودة والمطلوب أمريكياً شطبه من المبادرة،
وبالمقابل لا يشترط مقابل ذلك شروع الدولة العبرية بتفكيك المستوطنات، ووقف كافة
ممارسات وإجراءات التهويد والأسرلة في القدس، بل إسقاط حق العودة مقابل أن تقبل
الدولة العبرية بحل الدولتين، ودون تحديد لحدود وماهية الدولة الفلسطينية. وحتى
تطمئن الدولة العبرية أكثر فلا بد من إخراج القدس من تلك المبادرة، وكذلك بقاء
الكتل الاستيطانية الكبرى بيد الدولة العبرية، وأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة
السلاح، وتستجيب لمصالح الدولة العبرية الأمنية، بالإضافة إلى تعهد واضح بأن لا يقف
على رأس تلك الحكومة الفلسطينية أي فصيل من فصائل المقاومة، وغير ذلك من الشروط
والإملاءات.
مصلحة الدولة العبرية
وإذا ما عدنا إلى ما نُشر حتى الآن حول «حل الدولتين» نجد بأن الهدف الأساسي هو
خدمة الكيان الصهيوني، إذ يدعو عملياً إلى تسريع خطوات التطبيع العربي الرسمي مع
الكيان الصهيوني من خلال فتح الحدود والأجواء، إلى جانب السماح للصهاينة بالحصول
على تأشيرات دخول إلى الدول العربية بشكل طبيعي، وإعطاء الحق لشركة الطيران
الصهيونية «العال» بالمرور في الأجواء العربية، والهبوط في المطارات دون أي عوائق.
ليس هذا فحسب، بل وتوسيع دائرة التطبيع بحيث تشمل الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر
الإسلامي (57 دولة)، وإنهاء أي خلاف بين هذه الدول والدولة العبرية بعد التوصل إلى
أي اتفاق سلام وفق المبادرة الأمريكية الجديدة.
وبعد تحقيق هذا الهدف يمكن الدخول في مفاوضات على أساس حل الدولتين، مع تأجيل البحث
في قضايا الحل النهائي، مثل مستقبل القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، إلى وقت
غير محدد، وهي القضايا التي تعتبرها الدولة العبرية «شائكة» أو «معقدة». وهذا يعني
قيام دولة فلسطينية، ولو كمرحلة انتقالية، ودون الاتفاق على هاتين المسألتين، أي
دولة فلسطينية دون حدود متفق عليها، ودون القدس عاصمة لها.
ورغم سير هذه الخطة في الفلك الصهيوني، حيث تعمّد المبعوث الأمريكي إلى المنطقة
جورج ميتشل خلال زيارته إلى الدولة العبرية تكرار عبارة «إسرائيل دولة يهودية» أمام
عدد من المسؤولين الصهاينة، الذين أبدوا الرضا، إلا أن ذلك أيضاً لا يبشر بالكثير
بالنسبة للفلسطينيين. فقد كانت هناك حكومات صهيونية سابقة قبلت بهذا المبدأ نظرياً،
ولكنها استمرت بتدميره فعلياً بواسطة الجدار والاستيطان والإمعان في فصل القدس
والضفة والقطاع عن بعضها.
وفوق ذلك، تعالت أصوات القيادة الصهيونية حالياً بمطالبة الفلسطينيين الاعتراف
بالدولة العبرية كدولة يهودية، كما سارع نتنياهو إلى وضع شرطين إضافيين لقبوله الحل
على أساس الدولتين، الشرط الأول يطالب الفلسطينيين الاعتراف أولاً بـ(إسرائيل)
كدولة يهودية قبل الحديث عن دولتين للشعبين، والشرط الثاني «اعتراف الفلسطينيين
بالقدس عاصمة للشعب اليهودي».
وهذه الشروط ستكون أولى مطالب نتنياهو بعد لقائه أوباما خلال زيارته المنتظرة، حيث
سيؤكد أن تطبيق حل الدولتين ممكن في حال اعتراف الفلسطينيين بيهودية (إسرائيل)،
وأنه سوف يوافق على تنفيذهم الشرط الصهيوني الوارد في تحفظات «حكومة أرييل شارون
التي كان نتنياهو وأفيغدور ليبرمان عضوين فيها» من «خريطة الطريق»، التي قامت
الدولة العبرية في حينه بإدراج تحفظاتها الـ14 كجزء من «خريطة الطريق». وهو يعني
سير حكومة نتنياهو على خطى حكومة إيهود أولمرت. فقبل التوجه إلى اجتماع أنابوليس في
تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2007، اشترط أولمرت أن نقطة انطلاق المفاوضات بعد
أنابوليس ستكون الاعتراف بـ(إسرائيل) كدولة للشعب اليهودي، واعتبر ذلك غير قابل
للتفاوض أو البحث.
وبالنسبة لنتنياهو، وكما هو معروف، فقد عارض اتفاقيات «أوسلو»، والتي من بين بنودها
قيام «كيان فلسطيني لمدة خمس سنوات وبعدها ينظر في الأمر». وعندما وصل نتنياهو إلى
الحكم عام 1996 أعلن أنه يقبل الاتفاقيات التي وقعت عليها حكوماته معتبراً أنه وافق
على «الكيان الفلسطيني» الوارد في اتفاقيات «أوسلو»، وحولتها الدعاية الصهيونية إلى
«قبوله مبدأ الدولتين». ولكن كل التصرفات وعدم تنفيذ المعاهدات أكدت أن نتنياهو غير
معني بالوصول إلى حل مقبول للفلسطينيين، وهو لا يزال على موقفه هذا حتى الآن.
وعندما يصرّح بنيامين نتنياهو بمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً، فهذا ليس كرماً منه
وإنما تماشٍ مع قرارات سابقة مضى على اتخاذها قرن من الزمن، لكن الظروف والمراحل
التي مرت بها عملية الصراع لم تكن ناضجة لمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً، والمخطط لم
يصل إلى نهايته. فالخطوات الصهيونية منذ إقامة هذا الكيان كانت نابعة أساساً من
تفريغ الأرض من سكانها، وخلق وقائع جديدة يصعب التراجع عنها، وقائع تشكل أساساً
عقبة أمام أي مبادرة سلام مستقبلية لاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط.
طبيعة الموقف الفلسطيني
وبالمجمل، يمكن القول إن الحكومة الصهيونية الجديدة بزعامة نتنياهو استغلت
معطيات المرحلة لتبني تصريحات الفاشي أفيغدور ليبرمان، بل وفي الرد على الانتقادات
المعارضة لتصريحاته، الرافضة لمؤتمر «أنابوليس»، والتي تنسف عملياً خطة «خريطة
الطريق». والرد كذلك وبشكل مباشر، على ما أكده الرئيس الأمريكي من العاصمة التركية
بشأن الالتزام بكل بنود التفاهمات السابقة بين الدولة العبرية والسلطة الفلسطينية،
حيث سارعت الحكومة الصهيونية على لسان وزير البيئة جيلاد إردان إلى الرد عليه
بالقول «إن إسرائيل لا تتلقى أوامر من الرئيس الأميركي باراك أوباما».
وتتحدث الحكومة الصهيونية في ظل هذا الائتلاف اليميني المتطرف من موقف قوة مدعوم
بشكل كبير جداً من أعضاء الكنيست، مما سيمكنها من امتصاص أيّة ضغوط محتملة من جانب
واشنطن.
وما يمكن قوله نهاية إن إدراك حقيقة الدولة التي ستوافق عليها الدولة العبرية
للفلسطينيين والموقف الأمريكي من هذه الدولة، والذي لن يبتعد كثيراً عن الموقف
الصهيوني، يجعل الموافقة الفلسطينية على حل الدولتين، هو تأكيد هذه القيادة على
التنازل عن حق العودة وعن تحرير الأرض الفلسطينية.
وهذه القيادة فاشلة حتى الآن في الخروج من الوحول التي وقعت بها، نتيجة سياستها
العمياء، فرغم مرور ما يزيد على خمسة عشر عاماً على اتفاق «أوسلو»، واستمرار
رهاناتها التسووية مع الكيان الصهيوني، ورهاناتها على إمكانية إجراء تغيير بالمواقف
الغربية والأوروبية، إلا أن هذه القيادة ما زالت تصر على سياستها دون أن تدرك بعد
أن صراعاً ممتداً طويل الأمد، لا يمكن أن تحسمه تلك الحلول الجزئيّة أو المؤقتة،
مثل تبنّي «حل الدولتين» استجابة لموقف ورؤية أمريكية – أوروبية لا يستطيع حتى
أصحابها تنفيذها أو الدفع باتجاه تحقيقها. على أن إقامة دولة فلسطينية وفقاً لهذا
الحل بدون تحقيق حق عودة اللاجئين، وانسحاب الاحتلال من كل الضفة الغربية بما فيها
القدس وجعلها عاصمة للدولة الفلسطينية، ليس حلاً ممكناً، بل لا يرقى إلى كونه الحل
الممكن والمنشود. في ظل سير المفاوضات في طريق الهدف الصهيوني الذي يركز على إنهاء
قضية اللاجئين وتوطينهم حيث هم، بينما يكمن هدف التنازل عن المناطق المكتظّة
بالمواطنين الفلسطينيين ليس على أساس حق الطرف الآخر، بل ربما بهدف إعادة الوضع
الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل عام 1967، أي إعادة استتباع الضفة الغربية إلى الحكم
الأردني، وعودة قطاع غزّة إلى الحكم المصري.
|
|
 |
|
العدد بصيغة
PDF
|
|
» ولنا كلمة |
|
حكومة سلام فياض الفاقدة
للشرعية
رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف
ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.
للمزيد
|
|
» أخبار وتقارير |
|
رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة
من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني
للمزيد
|
|
» بريد
القراء |
|
للمشاركة
في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي
fmm223@yahoo.com |
|