رئيس التحرير: رأفت أحمد صالح
www.fm-m.com | info@fm-m.com
شهرية - سياسية - جامعة    
من نحن | الأعداد السابقة | للإشتراك | إتصل بنا العدد السادس - السنة السادسة والعشرون - حزيران (يونيو) 2009 م - جمادى الآخرة 1430 هـ

الهيكلية السياسية الأمريكية الإسرائيلية الجديدة:
اعتراف إسلامي تطبيع شامل وتعديل المبادرة العربية

دمشق/علي بدوان
بعيد انتهاء الحرب العدوانية الصهيونية المجنونة على قطاع غزة، نشطت وتائر الحركة السياسية في المنطقة بشكل عام، لاحتواء تداعيات المرحلة التالية. وما زاد من تسارعها تسلّم الرئيس باراك أوباما مهماته القيادية في البيت الأبيض، فضلاً عن الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الثامنة عشرة، وما أسفر عنها من نتائج قادت لصعود تيارات اليمين واليمين المتطرف، وتبوءها الموقع القيادي المقرر في الدولة العبرية الصهيونية.

اشتعال الأفكار
ومن حينها بدا واضحاً بأن مسار الأحداث في المنطقة، بات يحمل معه «انقداحات واشتعالات» جديدة لأفكار تأتت من كل حدب وصوب، في سياقات بدا فيها واضحاً أن إدارة الرئيس باراك أوباما بحاجة لتحقيق إنجازات نوعية تدفعها لتجاوز الورثة الثقيلة التي ناءت بأعبائها عليها من الإدارة السابقة. فيما اندفع بنيامين نتنياهو لاشتقاق وإعادة إنتاج رؤيته السياسية السابقة للحل مع الفلسطينيين والعرب بشكل عام، بثوب جديد يحمل معه خطوط وزخارف المواقف المتطرفة لأحزاب الائتلاف الحكومي.
وبالرغم من صعوبة التنبؤ المسبق لما ستؤول إليه النتائج الصافية للتحرك السياسي الأمريكي بالنسبة لقضايا وملفات الشرق الوسط، فإن ثمة ملاحظات تؤشر بأن هناك صعوداً وهبوطاً، بل وتخبطاً في التقديرات، وبالتالي رؤية الإدارة الأمريكية لمسار الأحداث في المنطقة. ففي حين تتبنّى إدارة الرئيس أوباما «حل الدولتين» بالنسبة للموضوع الفلسطيني مثلاً، فإنها في الوقت نفسه تتعاطى مع مواقف حكومة نتنياهو تعاطياً مخملياً ناعماً، فتغمض عينيها وتصم أذانها تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصاً لجهة قضم الأراضي وتهويدها في القدس وعموم الضفة الغربية، عدا عن الصمت تجاه استمرار الحصار الظالم المطبق على قطاع غزة.
وللأسف، فإن الحراكات السياسية الأمريكية الجارية، والأفكار التي تستند إليها وتتناثر كل يوم، تنطلق من دعوتها النظام الرسمي العربي لتغيير وتعديل المبادرة العربية للسلام، فيما تواجه بلغة عربية ناعمة، بل ويعمل بعض الأطراف العربية على التجاوب معها بفعالية جيدة، عبر بلورة ما يسمى «مبادرة عربية توضيحية وتعزيزية لبعض النقاط الغامضة التي تعتري المبادرة العربية للسلام» للقديمة، بحيث تستجيب لبعض التحفظات الأمريكية والإسرائيلية على المبادرة القديمة.
فالبعض من الرسميين العرب لا يمانع على ما يبدو إدخال تعديلات على مبادرة السلام العربية، بل ويرى البعض إياه متوهماً بأن إدراة أوباما على أهبة الاستعداد لإطلاق «صفقة حل تاريخي» للصراع في المنطقة. لكن هذا الوهم يصطدم كل يوم بحقيقة رفض الدولة العبرية الصهيونية لاستحقاقات السلام الشامل. وعليه جاءت بعض التصريحات الرسمية العربية الرافضة لتسويق تعديل المبادرة العربية، ومنها تصريحات أمين العام الجامعة العربية برفض إدخال أي تعديلات على مبادرة السلام العربية التي أطلقتها قمة بيروت (أذار/مارس 2002) وجددت إطلاقها قمة الدوحة العربية الأخيرة.

خطة أوباما والتطبيع
العديد من المصادر كشفت بأن الولايات المتحدة تضع اللمسات الأخيرة لما سمّته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون خطة «سلام طموحة» للشرق الأوسط، ستكون محور خطاب الرئيس أوباما المرتقب للعالم الإسلامي في القاهرة في الرابع من حزيران/يونيو 2009 القادم، حيث يتوقع أن يعرض الرئيس أوباما على (إسرائيل) القبول باعتراف دول العالم الإسلامي التي تشكل ثلث العالم، مقابل الانسحاب من الضفة الغربية ووقف الاستيطان. كما يتوقع أن يدعو لعقد مؤتمر سلام يضم جميع الأطراف في تموز/يوليو أو آب/أغسطس 2009، استناداً للخطة المقترحة التي أشارت إليها هيلاري كلينتون بأعمدتها وخطواتها التي تبدأ بخطوات تطبيعية مع الدولة العبرية الصهيونية، تقوم بها جميع الدولة العربية ومعها جميع الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي بمجموعها البالغ 57 دولة تمتد على قارات العالم الخمس، وإنجاز حملة علاقات عامة في العالم الاسلامي لتجميل وجه (إسرائيل)، وتسويق عمليات التطبيع معها، باعتبارها دولة صديقة، وربما حليفة لمليار ونصف مليار مسلم، وبالتالي قيام العرب وعلى المستوى الرسمي بحملة تطبيع شاملة وتامة مع (إسرائيل)، ورفع «علم إسرائيل» في سماء العواصم العربية، مقابل رفع علم فلسطين في الأحياء العربية من شرقي القدس، ومقابل التوقف عن بناء وتوسيع المستوطنات الاستعمارية التهويدية، والموافقة على الانسحاب من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، على أن يتم التفاوض حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين ومستقبل القدس ضمن إطار عمل الاتفاق، انطلاقاً من إحداث تعديلات على مبادرة السلام العربية.
وليس خافياً على أحد، أنه منذ دخول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض، مارس مستشاروه ضغوطاً على العديد من الدول العربية لإجراء «تعديلات» في نصوص مبادرة السلام العربية، تؤدي إلى تغيير دراماتيكي، اعتقاداً منهم بأن التعديل المطلوب يمكنه أن يشكل مدخلاً لعقد مفاوضات شاملة بين (إسرائيل) والعالم العربي، ليصبح عندها صعباً على (إسرائيل) أن تقول «لا» كما أشار رئيس طاقم البيت الأبيض، رام عمانويل في خطابه أمام مؤتمر «أيباك» السنوي في الولايات المتحدة، حيث شدد بأن الولايات المتحدة تعتبر اللحظة الراهنة «لحظة الحقيقة لإسرائيل، فالولايات المتحدة ملتزمة بمبدأ الدولتين للشعبين، هذا هو الحل الوحيد وعلى كل الأطراف أن تفي بتعهداتها، مهما كانت قاسية».
وعليه، فإن واشنطن تطالب الآن، وعبر كواليس الحركة الدبلوماسية، بإدخال تعديلات على مبادرة السلام العربية، تتمحور حول حق العودة للفلسطينيين لجهة شطبه وإحلال عبارة جديدة تقول بحل «على أساس توطين اللاجئين في الدول العربية وتخصيص تعويض مالي بالمقابل»، وأن «أولئك الذين يصرون على تحقيق حق العودة سيسمح لهم، بالتنسيق مع أجهزة السلطة الفلسطينية، في العودة فقط إلى المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967». كما في إدخال تعديل آخر يتعلق بـ«تبادل الأراضي» بين الدولة العبرية والسلطة الفلسطينية، بهدف التخلص من عدة مئات من آلاف الفلسطينيين من الذين بقوا داخل فلسطين عام 1948 بعد قيام الدولة العبرية الصهيونية. وإحداث تعديل ثالث يتعلق بمدينة القدس، انطلاقاً من أن «حل قضية مدينة القدس على أساس تقسيمها إلى عاصمتين، واحدة إسرائيلية وثانية فلسطينية، على أن تعالج عبر حل انتقالي».

نغمة يهودية الدولة
في هذا السياق، تدل المؤشرات أيضاً على أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى الاستفادة من الرغبة الأمريكية للتحرك في الشرق الأوسط، من أجل إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة بدء الدول العربية وبشكل فوري في عملية التطبيع، والإعلان عن بوادر حسن نية تجاه (إسرائيل). ويرى نتنياهو بأنه في حال بدأت عجلات التطبيع بالدوران، فإن أحداً لن يستطيع إيقافها مهما كانت نتائج المفاوضات مع الطرف الفلسطيني الرسمي، مستنداً إلى التقارير والرسائل السرية التي وصلت إلى (إسرائيل) من بعض الدول العربية، والموجودة في وزارة الخارجية الإسرائيلية على حد زعمه، والتي تؤكد «رغبة معظم البلدان العربية إقامة علاقات مع إسرائيل»، وأنها «تنتظر الخطوة الأولى فقط».
ومع ذلك، فإن مصادر إسرائيلية مختلفة على قناعة بأن الدول العربية لا تتوقع تحقيق الكثير في العملية السياسية، فهي تدرك بأن لا مستقبل لأي تحرك في عملية السلام في ظل حكومة يسيطر عليها اليمين المتطرف، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في تصعيد يؤثر على مصالحها واستقرار ساحاتها الداخلية. ولهذا فإن نتنياهو يسعى لالتقاط الفرصة للاستفادة من هذه الأجواء، طارحاً إقامة علاقات دبلوماسية والبدء في التطبيع مع الدول العربية.
وتؤكد المعلومات المستقاة من مصادر إسرائيلية مختلفة، بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أجرى عملياً مراجعة للسياسة الإسرائيلية تجاه «عملية السلام»، راسماً خطوطاً عريضة لها، تعكس أيضاً المزايدات الشعاراتية بين الكتل الحزبية الإسرائيلية في هذا المضمار، حيث اللاءات المعروفة: لا عودة للاجئين الفلسطينيين، القدس العاصمة الموحدة لـ(إسرائيل)، ولا إمكانية لدولة فلسطينية مستقلة تامة السيادة، كما لا إمكانية للنزول الكامل والتام من فوق هضبة الجولان السورية المحتلة، وأن «السلام لن يتحقق إلا في مقابل السلام»، مخالفاً بذلك مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي شكل أساساً للمفاوضات بين الدولة العبرية الصهيونية وباقي البلدان العربية المعنية، منذ مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، وصولاً للقول بأن «حل الدولتين» غير قابل للتطبيق في المستقبل المنظور، وأن حكومته «لا ترغب في تبنيه في الوقت الحالي»، باعتبارها فكرة غير واقعية، لأن هناك ثلاثة كيانات هي (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، و(حماسستان) في قطاع غزة»، على حد تعبير مصادر نتنياهو. فهو يدعو لحكومة فلسطينية «تتمتع بحكم ذاتي»، وليس إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. ومن المتوقع أن يبلغ نتنياهو موقفه هذا للرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن.
وعلى كل حال، فإن الخطوط الهيكلية للسياسة الإسرائيلية التي عرضها بنيامين نتنياهو على الرئيس باراك أوباما، لا تنسجم مع التصريحات الأخيرة للإدارة الأمريكية (على الأقل عبر التصريحات اللفظية)، حيث تدفع الولايات المتحدة حكومة نتنياهو باتجاه الاعتراف بمبدأ «الدولتين للشعبين». وفي هذا المسار الجديد الذي بدأ يبنيه نتنياهو لرؤيته السياسية القادمة، عاد من جديد للعزف على وتر «يهودية الدولة» قبل العودة إلى طاولة المفاوضات مع أي من الأطراف المعنية. وبالتالي فإن نتنياهو يبدي استعداده للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني الرسمي، بعد حصوله على ضمانات واضحة بالنسبة لما يسميه الاعتراف الفلسطيني المسبق بـ(إسرائيل) كدولة قومية للشعب اليهودي، بهدف الوصول إلى «حكم ذاتي» للفلسطينيين، متجاوباً مع مطالب أفيغدور ليبرمان الذي يتحدث ليل نهار، وبتهكم شديد عما وصفه «صناعة السلام»، معتبراً إياها «مسيرة دون نتائج، يرتزق منها الجميع»، عارضاً «نموذج قبرص» للحل. أي إلى حل يقوم على «تبادل السكان»، عندما انقسمت الجزيرة القبرصية في السبعينيات من القرن الماضي إلى قسمين، واحد في الشمال للأتراك وفي الجنوب لليونانيين. بل وخطا وزير الخارجية الجديد أفيغدور ليبرمان خطوات أكثر فصاحة ووضوح، بإطلاقه عدد من التصريحات التي أعلن فيها رفض الدولة العبرية لـ«حل الدولتين»، وحتى في التحلل من التزامات مؤتمر أنابوليس (الضبابية في الأصل)، حيث أعلن في مطلع نيسان/أبريل الماضي أن «مقررات مؤتمر أنابوليس للسلام غير ملزمة لإسرائيل»، وهو ما من شأنه أن يشكل إحراجاً لدعاة السلام العرب وللرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي يصر على حل الدولتين.

نتنياهو والحل من الأسفل إلى الأعلى
إن الرؤية الجديدة أيضاً في سياسات نتنياهو وائتلافه الحكومي، الذي يضم عتاة الصهاينة وعلى رأسهم أفيغدور ليبرمان، تستند إلى فلسفة ورؤية للحل تتأسس على نهج «من الأسفل إلى الأعلى»، بشكل يعاكس نهج أولمرت/ليفني الذي كان يدعو أولاً للوصول إلى تفاهم على إقامة كيان فلسطيني، بعد ذلك الحديث عن التفاصيل. أما مفهوم نتنياهو «من الأسفل إلى الأعلى»، فيعتقد بأنه في البداية يجب البناء على الأرض بنية تحتية لنشوء كيان ذي سيادة، وفقط بعد ذلك تعريف مكانة هذا الكيان.
وبالتالي فإن نتنياهو ينظر لمقولة أن «لا معنى للحديث عن دولة فلسطينية مستقلة، وأن الجانب الفلسطيني غير ناضج لمثل هذه الدولة، ولا يستطيع تحمل استحقاقات الدولة واحترام تعهداته أمام (إسرائيل)، خاصة الأمنية منها»، مضيفاً أن على الفلسطينيين الانشغال أولاً في بناء مؤسساتهم واقتصادهم، قبل الانتقال للحديث عن حلول دائمة واتفاقيات نهائية مع (إسرائيل)، وأن من الأفضل منح الفلسطينيين إطاراً يتم من خلاله إدارة شؤونهم وبناء مؤسسات كيان الحكم الذاتي المستقبلية، ويمكن وصف هذا الإطار بـ«الحكم الذاتي الموسع»، لكن بدون أي شكل من أشكال السيادة.
وعليه، فإن أسانيد رؤية نتنياهو سياسية، اقتصادية وأمنية. فهو يدعو لمفاوضات اقتصادية مترافقة مع المفاوضات السياسية حال إقلاعها لتعزيز ما يسميه «الاقتصاد في الضفة الغربية وقطاع غزة» وتجنيد مصادر داعمة له من الأسرة الدولية لتنمية الوضع الاقتصادي، معتقداً بأن «عامل الأمن، ووجود استقرار وازدهار اقتصادي سيدفع الفلسطينيين للقبول بأفكاره المطروحة، وعندها سيكون ممكناً الحديث عن حل سياسي».
وفي الجانب الأمني، فإن نتنياهو يركز على المعالجة الأمنية للعلاقة مع الفلسطينيين ويغيّب المعالجة السياسية، ويدعو لتوسيع خطط الإدارة الأمريكية، خصوصاً منها خطة دايتون (على اسم الجنرال كيت دايتون الذي أرسل في عهد إدارة بوش لتدريب قوات أمن السلطة)، لتطوير وإصلاح وتوجيه وتدريب «وحدات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية» المسؤولة عن «القانون والنظام» في مدن الضفة الغربية وفي المناطق المأهولة المكتظة بالفلسطينيين، وعندها يمكن للقوات الإسرائيلية أن تخفف من تواجدها في المدن الفلسطينية بالتدريج، بقدر ما تكون فيه قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية مستعدة لأخذ المسؤولية.
 

  

 العدد بصيغة PDF  

   »  ولنا كلمة

حكومة سلام فياض الفاقدة للشرعية


رحلت حكومة سلام فياض الثانية، وتشكلت الحكومة الثالثة، في ظروف ومناخات أسوأ، وفي ظل أهداف ومتطلبات ومستحقات أخطر.       للمزيد                          

   »  أخبار وتقارير

 رصدت مجلة فلسطين المسلمة مجموعة من الأخبار والتقارير المتعلقة بالشأن الفلسطيني        للمزيد 

   »  بريد القراء

للمشاركة في فقرة مساهمات، يرجى إرسال المشاركات على العنوان البريدي التالي   fmm223@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظة © 2012