فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Mar2008
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير 3
شؤون فلسطينية 1
شؤون فلسطينية 2
شؤون العدو
شؤون دولية
شؤون إقليمية
تقريــــــر 1
تقريــــــر 2
رأي
الغلاف 1
الغلاف 2
الغلاف 3
الملـــــف
قضـــايا
تحقيـــــق
حـــــــوار
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
أشواق الحرية
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

أوراق ثقافية3

العولمة والثقافة الفلسطينية
عوامل الذوبان ومقومات الحفاظ على الهوية الوطنية


بقلم: محمد حسين


اختلف أهل الرأي والفكر في طبيعة وآليات وجدوى التعاطي مع العولمة، ولكنهم حقّقوا إجماعاًَ أو شبه إجماع على أنها -وكما أراد لها أصحابها الأُوَل- جديدٌ يجبّ ما قبله، ويسعى لاقتلاع المفاهيم التي شكّلت هويتنا الثقافية وخصوصيتنا الحضارية عبر متواليات الحقب السابقة.
فالعولمة هي المصطلح الذي رست عليه سفينة خزّانات التفكير في الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم، حيث انتهت الحرب الباردة وانهار الاتحاد السوفييتي، وظهر النظام العالمي الجديد أحادي القطب، وتربعت الولايات المتحدة على عرش الهيمنة عليه وحيدة (لا تقبل الرديف) على رأي أبي الطيب، وفي نسخة أكسفورد التي تحدّثت عام 1991م كان أول ظهور كلمة Globalization والتي تعني العولمة.
اتخذت العولمة أشكالاً ووجوهاً متعدّدة، اقتصادية وسياسية وفكرية ثقافية وغير ذلك، غير أن البُعد الاقتصادي كان الأكثر وضوحاً ولا عجب في ذلك، فالولايات المتحدة تسيطر على منظمة التجارة العالمية التي تصوغ منظومة التجارة لأهل الأرض بالتنسيق مع البنك وصندوق النقد الدوليين، ناهيك عن ثورة الاتصالات والتكنولوجيا التي بتنا اليوم لا نستطيع الاستغناء عنها، وعليه فقد أمسكت الولايات المتحدة بزمام الاقتصاد العالمي، وحققت بذلك أول وأهم خطوة في طريق تطبيق العولمة وذلك لأن السياسة ((هي تكثيف الاقتصاد)).

رؤية جديدة
إذن هو نظام جديد يسعى –على المدى البعيد- لنسف خصوصيات الشعوب ونقلهم إلى كوكب فكريّ آخر تفرض فيه القوة العظمى (الولايات المتحدة) رؤيتها، وتحدّد للناس نمط حياتهم وأُطُر تفكيرهم، وما على الأتباع فيه إلا أن ينسلخوا عن هوياتهم ويقتنعوا بجدوى التبعية ويقولوا سمعنا وأطعنا، ولكنها في الوقت نفسه ليست شرّاً مطلقاً، ومن الحكمة والذكاء بمكان أن نستفيد من الجديد الذي أتت به العولمة للحفاظ على خصوصيتنا المجتمعية في هذه الدوامة.
وأمام هذا النَفَس التوسّعي الغريب، والذي صار واقعاً ملموساً نعايشه، يفرض السؤال الكبير نفسه، هل العالم الإسلامي بشكل عام والأمة العربية بشكل خاص والقضية الفلسطينية بالأخص معنيون بهذا الصراع الجديد من نوعه؟
أنا لا أشك أن العالم الإسلامي والعربي وفلسطين بشكل خاص هم في مقدمة المستهدفين بهذا النظام، والمطلوبين (لبيت الطاعة الأمريكية)، وليس أدلّ على ذك من الغزو الفكري الذي دخل بيوتنا جميعاً، والغزو الاقتصادي الذي اكتسح أسواقنا والأخطر من ذلك الغزو الثقافي الذي وصل إلى مناهجنا التربوية، ولا يغيب عن ذهن القارئ الكريم أن فلسطين هي درّة تاج العالم العربي والإسلامي، وهي فوهة بندقيته التي تواجه العدو الإسرائيلي، ففلسطين هي محور الصراع الأبرز والأكبر في التاريخ الحديث، وهي عين العاصفة، وبؤرة التوتر، ومعقل الإسلام الذي اختاره شعبها ليحكم البلاد ويقودَ المرحلة.

الثقافة المستهدفة
وإن أية نظرة فاحصةٍ على ثقافتنا الفلسطينية ستكون كفيلةً بوضعك في صورة حبال الحقد التي التفت حول عنق فلسطين، ولك أن تستعرض عوامل محو الذاكرة والثقافة الفلسطينية، فهي دولة نامية من دول العالم الثالث، واقتصادها يصول ويجول تحت خطّ الصفر، ومما يزيد الخطورة وقوعها تحت نير احتلالٍ ترعاه القوة العظمى –أمريكا- وتدعمه بكل شيء مادّياً ومعنوياً، والطامّة الكبرى كامنة في ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي حسب اتفاقية باريس الموقعة بين دولة الاحتلال والسلطة الفلسطينية عام 1994م ثم ((باريس 2)) في العام الماضي، وهذا يجعل كل مقومات تذويب الثقافة الفلسطينية والعوامل التي تؤدّي إلى انصهارها في بوتقة العولمة الأمريكية ماثلةً من حيث الوضع الاقتصادي والسياسي. وأمام هذا الخطر الحقيقي يجب أن تتكاتف جهود المخلصين من أصحاب الفكر والرأي والقرار السياسي لبحث السبل الكفيلة بتقليص أضرار هذا الواقع على أقل تقدير.
وبالمقابل فإن مقومات الصمود والثبات والحفاظ على فلسطينية الثقافة أيضاً موجودة لدينا، وعلينا توظيف ما وصلت إليه الثورة المعلوماتية لتعزيز دور هذه العوامل، نذكر أهمها إذ ضاقت سطورنا عن ذكرها جميعاً، نذكرها لنفعِّل دورها المقاوم، ونجعل منها دليلاً فكرياً نقيّم ونقوِّم على أساسها ما فعلناه وما يجب علينا فعله إزاء هذه الظاهرة والسبل المثلى للتعامل معها، ودليلاً لوجستياً نردف به بنادق المقاومين على أرضنا المباركة.
وأوّل هذه المقومات هو الإسلام الحنيف الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم للناس كافة بشيراً ونذيراً، في الوقت الذي خصّ الله لكلّ قوم رسولاً من قومه، كما إنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو الدين الذي لا يعرف الحدود الجغرافية:
إذا اشتكى مسلم في الصين أرّقني
وإن بكى مسلم في الهند أبكاني
ومصر ريحانتي والشام نرجستي
وفي الجزيرة تاريخي وعنواني
وحيثما ذكر اسم الله في بلد
عددت أرجاءه من لبّ أوطاني
فأي سلاحٍ نواجه به ((عولمة)) أمريكا أمضى من ((عالمية)) الإسلام؟؟
وكيف إذا كان الإسلام هو السمة الأبرز لفلسطين منذ نعومة أظفارها التي عايشت فجر التاريخ، وقد أثبتت التحقيقات التاريخية أن فلسطين نشأت حول المسجد الأقصى الذي بُنيَ بعد المسجد الحرام بأربعين عاماً فقط، ثم توالى عليها الأنبياء والعبّاد والزّهاد يوحّدون الله فيها، حتى فتحها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما أُسري به إليها على ظهر البراق، ومنها عرج إلى السماوات العلا، ثم استلم مفاتيحها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأعاد الفتح صلاح الدين.
والعامل الثاني هو تاريخنا وما يحتوي عليه من رصيد ثقافي لم تحظَ به أمة من قبل، ومن الأهمية بمكان أن نعزز مكانة هذا الرصيد الثقافي والحضاري للشعب الفلسطيني كجزء لا يتجزّأ من الأمة العربية والإسلامية، من خلال دراسات توثيقية وتاريخية نقيّة من الزلل الذي لم يسلم منه مع الأسف معظم الدارسين لتاريخ فلسطين على وجه الخصوص بفعل اعتمادهم على الإسرائيليات في تأريخهم، فقد أرادوا أن يثبتوا عروبة فلسطين وإسلاميتها فوقعوا في دوامة من الكوارث البحثية، وأثبتوا من حيث يعلمون ولا يعلمون حقاً تاريخياً لليهود على أرضنا الفلسطينية.
والعامل الثالث يتجلّى بضرورة التمسك والاعتزاز بإسلامنا وتاريخنا ومن ثمّ الاعتزاز بإرثنا الحضاري والتركة الثقافية الأصيلة التي تناقلتها أجيالنا صاغراً عن كابر، وعلى هذا الأساس نبني مستقبلاً نسعى لتحقيقه، ومن المفيد هنا أن أشير إلى أن مَن بدع العولمة أراد منها تنمية الاستعداد للانبطاح والهزيمة، وإضعاف الإحساسِ بالذاتية والتمسكِ بالخصوصية التي تميّز كلّ شعب عن غيره من الشعوب، وهذا الأمر يتطلب كشف الزيف الذي اعترى جلّ الدراسات والمناهج التربوية الموجودة بين أيدينا اليوم، والتي تُربّى عليها أجيالٌ قادمة ستحمل الأمانة في يومٍ ما.
فإن قلتَ: إن في فلسطين عرباً فلسطينيين غيرَ مسلمين يفتخرون بعروبتهم، فكيف يفتخرون بتاريخ الإسلام وحضارته وهم لم يدخلوا دين الإسلام؟ قلتُ: هم مسلمون، وإن لم يكونوا مسلمين عقيدةً فهم مسلمون حضارةً وفكراً وتاريخاً وثقافة، وهذه المسألة أوضح من أن تُشرح.

ثقافة المقاومة
وإذا كانت العوامل السابقة كلها تميّز العالم العربي الإسلامي، فإن العامل الرابع يأتي ليضفي على فلسطين وشعبها وقضيتها وثقافتها منظومةً قيميةً تميّزها عن المميَّز الذي تنتمي إليه، وتسمها بخاصيّة تحفظ لفلسطين خصوصيّة حضارية قديمةً جديدة، وهذا العامل هو المقاومة، وإن ظنّ ظانٌّ أني عَنيت بالمقاومة بندقيتَها وملثّمَها وعمليتَها الاستشهادية قلتُ (نعم)، وإن ظنّ آخر أني عَنيت بالمقاومة كلمتَها وقصيدتَها ومسرحَها وقصتَها قلتُ (نعم)، وإن ظنّ ثالثٌ أني قصدتُ بالمقاومة سياستَها قلت (نعم)، عَنيت ذلك كلّه وأكثر، وقصدت كل ما اشتملت عليه (ثقافة المقاومة)، فثقافة المقاومة مستهدفة الآن من خلال الأفكار التي بدأ المروِّجون لها بتطبيقها على الأرض و((معسكرات السلام)) خير شاهدٍ على ما أقول، وهذا الخطر يواجَه بحملات فكرية قوية وفاعلة، تنطلق من رؤية استراتيجية قوامها مقاومة المحتل الغاصب وتحرير الأرض والإنسان، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وبمعنىً آخر نشر (ثقافة الدفاع عن الثوابت الفلسطينية).
خطر العولمة يكون كاسحاً على الشعوب التي لا تملك الثوابت التاريخية والثقافية، أما ثقافتنا الفلسطينية فلديها الكثير الكثير مما تعتمد عليه في أتون هذه المعركة، فإذا أنجر غيرنا إلى ثقافة العم سام، وثقافة زواج الرجل من الرجل والمرأة من المرأة، والتطاول على الأنبياء والرسل في الكتابات والرسوم الكاريكاتورية،
فنحن شعب أصيل ننحدر من أرومة عزّ عريقة، ولنا ثوابتنا الثقافية العظيمة والتي تقوم على أسس الإسلام والعروبة والتاريخ والمقاومة.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003