الشاعر الفلسطيني راسم المدهون:
الحركة الشعرية الفلسطينية تزدحم بالفن والجمال
دمشق/غياث ناصر
الشعر الفلسطيني وموقعه في خارطة الشعر العربي، الرمزية والمباشرة في الشعر
الفلسطيني الحديث، وظيفة الشعر، اللغة الشعرية. هذه العناوين شكلت أهم المحاور
في لقائنا مع الشاعر والصحفي الفلسطيني راسم المدهون (مواليد 1947).
وقد عمل الشاعر في الصحافة الفلسطينية فترة طويلة وأصدر عدداً من الدواوين
الشعرية منها: عصافير من الورد، دفتر البحر، ما لم تقله الذاكرة، ومجرد كلام.
التقتيناه في العاصمة السورية دمشق وأجرينا معه الحوار التالي:
- من المعروف أنك توقفت عن كتابة الشعر بعد نكسة حزيران/
يونيو لخمس سنوات عدت بعدها بشخصية شعرية أخرى مختلفة كل الاختلاف، فكيف تحدد
هذا التغير؟
• لقد انقطعت عن كتابة القصيدة بينما كان الشاعر يجول على المنابر، وعدت عندما
أصبح ممكناً للقصيدة ذات الصوت المنخفض والتي كانت تحتجب في الظل، أن تطل
برأسها وتعلن عن نفسها قليلاً، وخصوصاً أن الشعر الفلسطيني ارتبط -شئنا أم
أبينا- بتطورات السياسة. وفي اعتقادي أن هذا الربط أضر به كثيراً، حيث تمّ في
أغلب الأحيان بطرق فلسفية، وهذا يطرح فروقاً جوهرية في مناخ القصيدة بين ما سمي
بجيل الستينيات وبين الأجيال التي جاءت بعد ذلك. وكتبت قصيدة متحررة من ضغط
الشعار والمناسبة، وكانت قصيدة أقرب إلى ذكر الذات.
التوجه النقدي الذي رافق قصيدة الستينيات كان يتحدث باستمرار ويدعو إلى قصيدة
الموضوع، وكان يتهم من يخرج عن هذا بأنه يكتب شعراً ذاتياً. في حين أن الشعر هو
بالأساس ذاتي، ومن المفترض أن يكتب الشاعر ذاته. وهذا يدفعنا إلى إعادة قراءة
المقولات النقدية القديمة التي كانت تتحدث عن وظائف للشعر لم تعد حقيقة أو
موجودة على أرض الواقع، من نوع أن الشاعر فارس. وهذا الشاعر فارس القبيلة
ويتحدث باسمها. وفي عصرنا هذا اختلفت وظائف الشعر، لكن بقيت النظرة النقدية
تطالب بأن يكون مخلّص الأمّة ومحرر الأوطان.
- وما هي وظيفة الشعر برأيك؟
• إن مهمة الشعر، برأيي، هي أن يعبر بصدق عن عالم غير متوازن، وأن يحاول أن
يخلق أمام القارئ لحظة توازن بسيطة. ولا أعتقد أن القصيدة بضعفها ووحدتها
وعزلتها قادرة أن تفعل شيئاً أكبر من هذا، فهذه مهمات المجتمع نفسه. أما الشعر
فيعبّر عن ذاته في محيط هذا التجمع، وعليه أن يكون صادقاً وأدواته الفنية جيدة
وقادرة على التعبير. وهذا مطروح لإعادة النظر فيه على مستوى الشعر الفلسطيني بل
العربي بشكل عام. وما يسعد هذه الأيام ويدعو للثقة أن أجيالاً شعرية عديدة في
مختلف الأقطار العربية تكتب الآن، دون اتفاق مسبق أو معرفة ببعضها البعض. تكتب
من خارج تجربة الستينيات الشعرية أو التجربة النقدية التي رافقتها. صار من
الممكن أن نكتب شعراً ذاتياً دون أن نخشى الاتهام بالهروب من الجماهير أو غيرها
من المقولات الكبيرة.
-هل لنا أن نتحدث عن خصوصية في الشعر الفلسطيني، ولاسيما
المعاصر منه، وما هي المعايير التي تجعل من قصيدة ما قصيدة فلسطينية؟
• سؤال الشعر الفلسطيني هو أيضاً ملتبس ومربك: ما هي القصيدة الفلسطينية؟ هل هي
تلك التي يكتبها فلسطينيون؟ أم تلك التي تتحدث عن شأن فلسطيني أياً كان كاتبها؟
أعتقد أن مصطلح الشعر الفلسطيني بما أهيل عليه من غبار الآراء التعسفية صار،
بالنسبة لي، يعني نوعاً محدداً من الشعر، هو ذلك الذي يتندر كثيرون فيطلقون
عليه اسم ((شعر القضية)). ومع ذلك ففضاء الحياة الفلسطينية يتسع اليوم للشعر
الحقيقي والذي يكتبه كثيرون ومن أجيال مختلفة وحتى بأشكال شعرية مختلفة.
الحركة الشعرية الفلسطينية اليوم ليست حركة نجوم، لكنها رغم ذلك تزدحم بالفن
والجمال. هناك اليوم شعراء وشاعرات يكتبون قصيدة حديثة وتطلع من الخصوصية
الفردية، وهم شعراء يشكلون حضوراً هو الأهم في قصيدة النثر كما في قصيدة
التفعيلة.
- كيف ترى المشهد الشعري الفلسطيني في الشتات.. وهل يمكن
إجراء مقارنة بينه في الداخل وفي الخارج من حيث المضمون والفنية؟
• في الشتات أنت تتحدث عن دنيا واسعة، ومع ذلك فقد أسهم الإنترنت والمواقع
الإلكترونية في جعلها صغيرة وضيقة، نتأمل دروبها ونتعرف على شعرائها. الشعراء
المعروفون لا زالوا على حالهم، هم لم يضيفوا جديداً، ولا أظنهم سيفعلون في
المستقبل. الشعراء الجدد يعيشون كزملائهم الشعراء العرب فوضى التحولات الكبرى،
فيذهب كل واحد في الوجهة التي تناسب روحه وإيقاعه الداخلي. مع ذلك يمكن الحديث
عن حركة شعرية فلسطينية جديدة مهمة وحيوية، قد لا نستطيع الإشارة خلالها إلى
اسم بعينه، لكننا نشير إلى مجموعة متنوعة ومتعددة الأسماء.
- إذا كان الشعر الفلسطيني يدور حول قضية وطنية تاريخها
مستمر منذ قرابة قرن من الزمن، فكيف يمكن التعبير عن هذه القضية دون الوقوع في
شراك التكرار والقول العائم، بمعنى هل يمكن اختزال التاريخي من اليومي، ومتى
يكون الشعر جزءاً عضوياً من الهوية الوطنية؟
• المسألة تتعلق هنا بكيفية استقبال تلك التراجيديا الإنسانية التي سمها فلسطين.
ثمة من يستقبلها بالشعارات والأناشيد الصاخبة، وثمة من يستعيد معها ومن خلالها
أنين روحه وحتى أحلامه الفردية وأنياته الصغيرة. من الصعب عزل الفلسطيني عن
فلسطينه، ومع ذلك لا بد من الانتباه إلى حقيقة أن الشعر مستوى خاص وبالغ
الحميمية من الوجد الإنساني الذي لا يجوز زجه في متاهات السياسة اليومية
وإرباكاتها.
بعد ستين سنة على النكبة ثمة حاجة مستمرة لقراءة ما فعلته في أرواحنا ولي في
برامج الأحزاب وشعاراتها، فتلك مهمة السياسيين فيما مهمة الشعر غير ذلك تماماً.
في كل الأحوال أعتقد أن حدة الهتاف قد خفتت إلى حد بعيد، مع أن المؤسف أن يحدث
ذلك بسبب الهزائم التي لم تق من مجال لهاتف أو منشد.
الحركة الشعرية الفلسطينية اليوم تذهب إلى الفضاءات الحقيقية حيث الشر هم
القضية وحيث الشر أفراد لهم أسماء محددة وليسوا مجموعة متجانسة لا تشبه إلا
القطيع.
- ما رأيك بالاتهام الذي يقول إن الشعر الفلسطيني شعر
مرحلي وسيزول؟
• لقد كتب جيل الستينيات من الشعراء الفلسطيني قصيدة أراد لها أن تكون أداة
نضالية -كما قيل- وبالتالي يمكن اعتبار بعض هذه القصائد بأنها قصائد مرحلية.
لكن هذا لا يمنع أن هناك قصائد لا تموت، وكما أسلفت من جاء بعد هذا الجيل كتب
قصيدة مختلفة، ربما لأنه عاش في مناخ مختلف هو أقرب للهزيمة والانكسار، فعبّر
عن هذه المراحل بكل ما تتصف به من انخفاض النبرة، وربما أيضاً النضوج الحاصل من
خلال مراجعة ما أنجز خلال ربع قرن من الشعر؟ ماذا بقي منه.. وماذا تساقط على
الطريق؟
- هل في ذلك اتجاهك إلى عدم المباشرة في الشعر؟
• هذا صحيح. وأذكر هنا أن أحد الشعراء كان يكتب عن الشعر الفلسطيني واعتذر مني،
ومن آخرين لعدم كتابته عنا، وقال إنه بحث عن فلسطين في شعرنا فلم يجدها. وقد
قلت يومها إن فلسطين حاضرة في شعري حضوراً قوياً، لكني أختلف مع الآخرين في
طريقة التعبير، فهو يحمل اليافطة وأنا أحمل الإحساس.
- لكن الملاحظ فعلاً أن البعض قد ابتعد إلى درجة أننا
أصبحنا نبحث عن فلسطين في شعره أو في أدبه فلا نجدها، فكيف يمكن التوفيق بين
طرفي هذه المعادلة؟
• إن قولي إننا نكتب شعراً ذاتياً لا يلغي أو ينفي أن أحزان وهموم شخص فلسطيني
هي بالضرورة مختلفة عن شخص فرنسي مثلاً. وحتى عندما أكتب قصيدة ذاتية فإنني
سأكتب عن المنفى والمعاناة والعزلة ووحدة الفلسطيني وكل ما يمر به، لكن ليس
انطلاقاً من العناوين الكبرى التي كانت تنطلق منها القصيدة السابقة.
على سبيل المثال قصيدة الانتفاضة: هناك من يطالب بالكتابة عن الانتفاضة حتى ولو
كان شعراً رديئاً. وأنا أختلف مع هذه الرؤية، لأن المواطن الموجود في فلسطين
والذي كان يحمل الحجر في مرحلة.. قد يحمل السكين في مرحلة أخرى، والسلاح في
مرحلة لاحقة. فالحجر في كل الأحوال هو الأداة ومهمتي أن أكتب عن الإنسان الذي
يقف وراء الحجر وليس الحجر نفسه. ومن ناحية أخرى لماذا يكون المطلوب مني أن
أكتب عما يجري في الضفة الغربية، بينما أنا أعيش هموم المنفى؟ وهذا ليس خروجاً
عن الفلسطينية، بل هو تأكيد لها. فالفلسطينية لها وجهان؛ وجه في الخارج ووجه في
الداخل. ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا القصيدة في فلسطين بسيطة وواضحة وأكثر
مباشرة، ولماذا القصيدة في الخارج معقدة وتحمل كل تركيب وتعقيد الوضع العربي
الخارجي باستمرار. وهذا ليس غريباً.. وأشير هنا إلى الصدمة النقدية في التعامل
مع محمود درويش مثلاً بعد خروجه من الأرض المحتلة. فهناك من قال بأنه تغير، وإن
هذا التغيير نحو الأسوأ، وهذا غير صحيح. وهو قد تغيّر حتماً، لكن هذا القول لم
يلحظ أو يدرك طبيعة التعقيدات التي أخذ محمود درويش يعبّر عنها، حيث أصبح
مطالباً بالكتابة عن وضع الفلسطيني في شبكة علاقات عربية ودولية مختلفة.
- في ديوانك الأول ((دفتر البحر)) يلاحظ غزارة استعمالك
الصورة الشعرية، لكن في ديوانك الثالث ((ما لم تقله الذاكرة)) نرى الصور أقل،
ما قولك؟
• من الصعب أن نتحدث عن شعر خارج الصور، ولا أقصد أن الشعر هو الصور فقط، لكن
الصورة الشعرية هي العمود الفقري للقصيدة. فالشعر يعتمد بالأساس على تنشيط
مخيلة القارئ لكي يتعامل مع الواقع بطريقة مختلفة. وهنا نرى أن المباشرة في
الشعر أو في الأدب تعمل على إحباط الذاكرة.
- من المعروف انك لجأت في مرحلة إلى كتابة قصيدة النثر
ثم ابتعدت عنها، ما السبب؟ وما هو رأيك بقصيدة النثر عموماً؟
• صحيح أنني كتبت بعض قصائد النثر، لكني لا أحب كتابة هذه القصيدة. وهذا لا
يعني أنني لا أحب شعراء النثر الجيدين. ويعود السبب إلى وجود إمكانية موسيقية
كبيرة في قصيدة التفعيلة، فلماذا أتنازل عنها بمحض إرادتي في الوقت الذي أجد
نفسي لا أزال قادراً على الكتابة بقصيدة التفعيلة، دون أن أكرر نفسي أو
استنفدها.. وفي رأيي أن قصيدة التفعيلة تحمل من إمكانيات الشيء الكثير، ويمكن
التعبير من خلالها عن كل ما نريده. وهذا لا يعني أنني ضد قصيدة النثر، لكني ضد
اعتبارها المنجز الأخير الذي يجب أن تقاس شاعرية الشاعر من خلالها، فهناك رأي
نقدي الآن لا يتعامل إلا مع قصيدة النثر ويشطب كل ما عداها، وأنا ضد هذا الرأي.