المحامي أبو عيده أحد
وجهاء مدينة نابلس:
الأجهزة الأمنية الفلسطينية لم تترك حراماً إلا وفعلته
السلطة في الضفة تحكم بشريعة الغاب لا بشريعة القانون
منذ بداية مقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين، ونابلس حاضرة في المقاومة، ويكفي
أن تتصفح ((يوميات أكرم زعيتر))، على سبيل المثال، لتعرف بعض ما قدّمته نابلس
من تضحيات، فاستحقّت تسمية ((جبل النار)). وهناك اليوم في نابلس بعض من سلطة
أوسلو يحاول تغيير وجهها المقاوم، دون أن يصل إلى مبتغاه، بسبب صمود هذه
المدينة. مجلة ((فلسطين المسلمة)) التقت المحامي صالح أبو عيده، أحد وجهاء
نابلس، وعضو مؤسس في التيار القومي العربي في فلسطين، وأحد المعارضين للمفاوضات
مع الاحتلال، والمؤيدين بقوة للمقاومة وتحرير كامل فلسطين. أبو عيده شدّد على
فساد السلطة الفلسطينية في مدينة نابلس، مستعرضاً بعض الوقائع. كما عرّج على
حالات اعتقال المقاومين لدى أجهزة السلطة دون محاكمة، على رغم صدور قرارات من
محكمة العدل العليا بإطلاق سراحهم. الحوار جرى في دمشق على هامش المؤتمر الوطني
الفلسطيني الذي شارك فيه المحامي أبو عيدة.
- كثرت الاجتياحات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة لمدينة
نابلس ومخيماتها، ما أسبابها ومظاهرها؟
• واقع الحال، مدينة نابلس، منذ بداية الانتفاضة، هي مسرح للاجتياحات. وحتى قبل
عام 2002، أي ما سُمي عملية ((السور الواقي))، كانت قوات الاحتلال تنفذ بعض
المداهمات وتعتقل وتقتل. وخلال الانتفاضة الأخيرة أصبحت قوات الاحتلال ووسائل
الإعلام الصهيونية تصف نابلس بأنها ((بؤرة الإرهاب)). أي مدينة الصمود والتصدي
بتعبيرنا. هذا الاستهداف لمدينة نابلس دون شك أثّر على اقتصادها بشكل سلبي.
وهناك حاجزان على مدخلي نابلس شلاّ المدينة اقتصادياً، وأدّى ذلك إلى هجرة رجال
الأعمال إلى خارج نابلس، وخصوصاً إلى الأردن وغيرها. وبالمناسبة فإن إغلاق
المصانع لم يكن بسبب الاحتلال فقط، بل أيضاً بسبب الاتفاقية التجارية بين
السلطة الفلسطينية والاحتلال، والتي حوّلت نابلس إلى سوق مفتوحة. فمثلاً كان
هناك مصنع للأحذية في نابلس اسمه مصنع ملحيس، ويعمل به 5000 عامل. هذا المصنع
الآن شبه مغلق، وبقي فيه حوالى 50 عاملاً، وذلك بسبب فتح باب الاستيراد الذي
أثّر على الصناعة الوطنية. نابلس تشتهر بصناعة الحجر، وهناك تفكير لدى السلطة
بوضع ضريبة على مصانع الحجارة بنسبة 30 بالمئة، وإذا طُبّق ذلك فإنها ستكون
دعوة للإغلاق، وهناك حالات كثيرة تدلّ على عدم وجود رؤية اقتصادية لدى السلطة
الفلسطينية.
- وكأنك تشير إلى فساد سلطوي سمح بهذا الاتفاق، لتعزيز
بعض رؤس الأموال المحسوبة على هذه الجهة أو تلك؟
• الحديث عن الفساد والإفساد حديث طويل، ابتدأ بمجيء السلطة، وهذا أصبح عاماً
وشاملاً، والعيب الأساسي في اتفاقية أوسلو، وفي بروتوكولات باريس الاقتصادية.
وهو ما جعل الاقتصاد الفلسطيني رهينة للاقتصاد الإسرائيلي وتابعاً له. فالأموال
والمليارات التي دخلت إلى خزينة السلطة لم تُستخدم في تنمية الاقتصاد أو
الإنسان الفلسطيني، بل استُخدمت بالفساد والإفساد، وفي مشاريع لا طائل منها.
نحن، في الضفة الغربية، منطقة زراعية، الآن الزراعة مدمّرة، ولم يبق لنا سوى
شجرة الزيتون. فلو كانت السلطة تسعى فعلاً لمصلحة شعبها لما وضعت في القطاع
الرسمي كل ثلاثة موظفين في وظيفة واحدة. ولا تتأمّل خيراً من أي مال يأتي من أي
مؤتمر للمانحين، وما يُشاع عن إقرار حوالى سبعة مليارات للسلطة، فأستطيع الجزم
سلفاً بأنها لن تُصرف في تنمية الشعب الفلسطيني وتخفيف أعباء الفقر الذي يعاني
منه.
- ما هي أهم مظاهر فساد السلطة في نابلس تحديداً؟
• لنضرب مثلاً: على ضوء ما أُثير من فضائح الإسمنت الذي كان بعض قيادات السلطة
تعاقد مع مصر لشرائه ثم بيعه للصهاينة لبناء جدار الفصل العنصري، هذه الواقعة
كشفها بعض أبناء الشعب المصري، وأرسل نسخاً إلى السلطة التي لم تحرّك ساكناً.
فبادرنا إلى رفع قضية أمام النائب العام، وما زال الملف مركون عند النائب
العام، ولم يجرِ أي تحقيق، على رغم من خطورة الموضوع.
- بعد انتشار حوالى 700 عنصر تابع للسلطة في مدينة نابلس، ما هو وضع المقاومة
هناك؟
• المواطن كان يشكو من الانفلات الأمني، الذي تقوم به مجموعات تنتمي بمعظمها
إلى الأجهزة الأمنية. ولم يتركوا حراماً إلاّ فعلوه. ولهذا لما جاءت السلطة،
وأدخلت عناصرها إلى نابلس، كان هناك ارتياح مبدئي لدى المواطن. لكن في الوقت
نفسه رُفع شعار أنه لا بندقية إلا بندقية السلطة، هذا الشعار كان المقصود به
مصادرة بندقية المقاومة، التي مارست مهامها في التصدي للاحتلال والاجتياحات.
وشعبنا يعي، ويفرّق بين الغثّ والسمين، وما بين المقاوم والمتجاوز للقانون. ففي
مخيم بلاطة، دخلت الأجهزة الأمنية واعتقلت المتجاوزين، فلم تتحرّك جماهير
المخيم معترضة على هذا الإجراء. لكن في مخيم ((عين بيت الماء))، هناك خلية
مقاومة نشطة، تضم عدداً من أفراد أجنحة عسكرية مختلفة، ومنذ أكثر من عامين،
وهذه الخلية توقع الخسائر بجيش الاحتلال، الذي يقتحم المخيم بصورة دورية. حاولت
السلطة أن تستولي على أسلحة المقاومين، وطوّقت المخيم حوالى عشرة أيام، وحاولت
اقتحامه، فتصدّى لهم أهالي المخيم بالحجارة، واضطرت السلطة إلى غضّ النظر عن
مبتغاها. إذن، شعبنا يفرّق بين المقاومين والمنفلتين. ويجب أن نكون موقنين بأن
الكيان الصهيوني بدوره الوظيفي التجزيئي الإجلائي هو كيان غير منتم إلى المنطقة
ثقافياً وتاريخياً. وثبت بحكم الواقع رغم سنين مضت على وجود هذا الكيان، فإنه
لم يستطع الاندماج مع المنطقة أو التعايش معها، وإنما كان عدوانياً ومنفذاً
للمشاريع العدوانية عليها، وقد ربط نفسه منذ البداية بمشاريع الاستعمار
والإمبريالية. لذا فشعبنا مصمم على المقاومة، ولن تنجح كل المحاولات لضربها،
وكلنا أمل بنيل الحقوق كاملة.
- هل جرى اعتقال مقاومين على أيدي الأجهزة الأمنية؟
• نعم جرى ذلك، والتهمة التي تُوجّه إليهم أنهم يشكّلون قوة تنفيذية تابعة
لحماس. وسلام فياض، رئيس الحكومة الفلسطينية في رام الله، لا يُخفي معارضته
لأية بندقية مقاومة. ونحن وغيرنا من المحامين نتولّى الدفاع عنهم. وبالمناسبة
أودّ سرد هذه الحادثة، في أواخر شهر رمضان، دعانا رئيس المخابرات العامة توفيق
الطيراوي إلى حفل إفطار في رام الله، وطلب من المدعوّين الحضور مبكراً لأنه
سيكون هناك نقاش حول حماية المشروع الوطني وسلطة القانون. تحدّث الطيراوي في
خطاب طويل عن حماس، موجّها الانتقادات الحادّة إليها. بعدما أنهى حديثه قلتُ له
يا سيادة العميد جئنا للنقاش وليس لنسمع خطاباً. أضفت، أن سيادتك أسهبت في شرح
الوضع الداخلي، وماذا فعلت حماس، بينما العنوان حماية المشروع الوطني، وكلامكم
لا يدخل في إطار العنوان. وإن كنت لا أعلم ما هو مشروعكم الوطني، ولكن دعني
أُسلّم جدلاً، بأنه البرنامج المرحلي، وبعد طول المفاوضات، هل ما زال هذا
المشروع قابلاً للتطبيق، في ظل وعد بوش. ومن جهة ثانية أنا لستُ من حماس، لكن
هؤلاء شركاؤنا في الوطن، ولهم شرعية، فكيف نسمح بالتفاوض مع من يقتلنا ونرفض
التفاوض مع شركائنا في الوطن. فلا مشروع وطنياً من دون صيغة للوحدة الوطنية.
أضفتُ: ومن جهة ثانية، أنت (الطيراوي) تحدّثتَ عن الديمقراطية، وبالأمس القريب
كان هناك مظاهرة لأهالي المعتقلين الذين تعتقلهم أجهزتكم، وهذه المظاهرة قُمعت،
فأية ديمقراطية نتحدّث عنها. أما بالنسبة لسيادة القانون فكنتُ أتصوّر أننا
مدعوّون للحديث عن كيفية صناعة سيادة القانون، أما أن نصوّر الوضع وكأننا في
بلد فيه سيادة للقانون فهذا مجانب للحقيقة، فنحن بلد تحكمه شريعة الغاب.
وتابعتُ موجهاً حديثي للطيراوي: نحن المحامين، وبعد أن نيأس من مراجعة القضاء
حول أناس معتقلين، مضى على اعتقالهم عدة أشهر دون سند قانوني، نراجع محكمة
العدل العليا، ونستصدر قراراً بالإفراج عن هذا المتّهم أو ذاك، نحمل القرار
ونذهب إلى مدير السجن، فيقول لنا إن هذا معتقل على ذمة المحافظ، أو على ذمّة
الجهاز الأمني الفلاني، فأية سياسة قانون تلك التي تتحدّثون عنها؟
- بصفتكم محامياً، هل يتعرّض المقاومون المعتقلون في
سجون السلطة الفلسطينية للتعذيب؟
• نعم، أساليب التعذيب هي ذاتها التي كانوا يذوقونها في سجون الاحتلال، بما
يوحي أيضاً بتنسيق هذه الأساليب وتعميمها بين السلطة الفلسطينية والاحتلال.
- كم يبلغ عددهم؟
• ليس عندي إحصائية دقيقة، ولكنهم بالمئات.
- ما هو رأي الجمهور الفلسطيني، سواء بما يحدث من
اعتقالات لمقاومين أم حتى تسليم بعضهم لسلطات الاحتلال، على ما يقال؟
• بالطبع هناك تسليم للاحتلال، وإلاّ ماذا يعني التنسيق الأمني بين السلطة
والاحتلال؟ الناس بطبيعة الحال ترفض ذلك وأكبر دليل نتائج الانتخابات البلدية
وانتخابات المجلس التشريعي. ومع احترامنا وتقديرنا لحماس، فإن كثيراً من
الأصوات التي حصلت عليها، هي أصوات رافضة للسلطة السيئة والفساد، والمتمسكة
بالمقاومة. حماس رفعت شعار الإصلاح والتغيير، وأبقت على المقاومة كسبيل لتحرير
فلسطين، وهذا الدافع الأول للجماهير لإعطاء أصواتها لحماس. وضمير شعبنا رغم كل
الإغراءات ما زال حياً، ولا يتخلّى عن أيّ حقّ من حقوق الفلسطينيين مهما حاول
المنتفعون من ترويج لحلول لا ترضي طموحات شعبنا، وتحقق له تحرير أرضه
التاريخية.