حوار مع اللجنة المشرفة
على مخيم التنف على الحدود السورية العراقية:
المجرمون قتلوا 850 فلسطينياً في العراق وهجروا مئات العائلات
بعد حوالى ستين عاماً على نكبتهم الأولى، يعيش اللاجئون الفلسطينيون في العراق،
أو الذين كانوا فيه، نكبة ثانية، أملتها ميليشيات لا تٌجيد غير لعبة الدم، وإن
تدثّرت بعباءة ((لواء الذئب)) أو غيره من الأجهزة الرسمية. بعد ستين عاماً
اللاجئون الفلسطينيون يبحثون عن موطن لجوء آخر، بعدما تشرّدوا في صحراء العرب،
وأقاموا خيماً جديدة في مخيمات ((الوليد)) و((التنف)) و((الهول)) وقبلها
((الرويشد)). مجلة ((فلسطين المسلمة)) التقت ثلاثة من اللجنة المشرفة على إدارة
مخيم ((التنف)) على الحدود العراقية-السورية وقصّوا المعاناة والاختطاف والقتل
الذي تعرّضوا له بالعراق، قُبيل نزوحهم إلى ((التنف)) وإضافة مخيم جديد إلى
مخيمات اللجوء. الثلاثة رفضوا ذكر أسمائهم كاملة خوفاً على حياة بعض أقاربهم
الذين ظلوا في العراق، خشية وقوعهم في قبضة الميليشيات قبل الوصول إلى الحدود.
لذلك نكتفي بذكر الأحرف الأولى: م. ب.، أ. ر, ث. ح.
يشرع ث. ح.، الرجل الأربعيني، الذي اكتسب سمرة ولهجة عراقيتين، بالحديث عن
تاريخ الفلسطينيين في هذا البلد وكيف كان وصولهم إلى العراق في عام 1948 مع بعض
قطعات الجيش العراقي العائد من حرب فلسطين. ينتمي معظم هؤلاء الفلسطينيين إلى
قرى عين غزال، وجبع واجزم من قضاء حيفا، وعملوا في مختلف الميادين التجارية
والزراعية وغيرها. عند سقوط النظام العراقي في نيسان/أبريل عام 2003، أخذت
وسائل الإعلام العراقية المستوردة بكيل التهم للفلسطينيين واتهامهم بالبعثية
ومساندة المقاومة العراقية. وقد أغاظ بعض الآتين من الخارج تبني الرئيس الأسبق
صدام حسين للقضية الفلسطينية، وتقديمه الأموال لعائلات الاستشهاديين، فعمد
هؤلاء لمطاردة العرب ككل، وخصوصاً الفلسطينيين. يتابع ح. أن الفلسطينيين كانوا
حوالى خمسة وعشرين ألف نسمة، موزعين في مناطق مختلفة من العراق، ومعظمهم في
بغداد. ونتيجة التهديدات فروا من أحياء الدورة والزعفرانية وأم المعالف
والسيدية والحرية، إما إلى خارج العراق، أو إلى حيّ البلديات حيث تجمعهم الأكبر
(حوالى 5000 نسمة). فنصبوا الخيام في نادي حيفا في الحيّ. ويتألّف حي البلديات
من 16 مبنى، كل مبنى مألف من 48 شقة. وبدأ استهداف هذا التجمّع بالحاويات
المفخخة، وإطلاق النار، ولم يبق للفلسطينيين سوى الجلوس في الطوابق الأرضية
والتكبير أثناء قصف الهاون، واستهداف التجمع.
سياسات حكومية
يقاطعه م. ب. ليقول إن الحملة اشتدّت مع وصول إبراهيم الجعفري
إلى رئاسة الحكومة العراقية، وصبغ مؤسسات الدولة بالصبغة الطائفية، وإطلاق يد
الميليشيات. وبادرت الحكومة العراقية إلى إلغاء الإقامة الدائمة للاجئين، وفرضت
على الفلسطينيين المراجعة الدورية أمام السلطات الأمنية، وأوقفت إصدار وثائق
السفر إلا بشروط تعجيزية، وكانت دوائر الأمن بمثابة مصيدة لهؤلاء الفلسطينيين.
وأخذ الأميركيون يطوّقون المجمّع، ثم يسمحون لعناصر الميليشيات الطائفية
بالدخول. الطامّة الكبرى يقول ب. حين اعتقلت ميليشيات الحكومة، كما يصفها،
عدداً من البسطاء الذين لم يكن لأي واحد منهم تجربة عسكرية، أحدهم بعد أسبوع
على زواجه وهو فلسطيني، وفلسطيني آخر، وعراقي. واتُهموا بتنفيذ عملية بغداد
الجديدة التي راح ضحيتها حوالى 70 قتيلاً و400 جريح. وبعد تسع ساعات فقط على
العملية أُظهر هؤلاء على التلفاز، وسط أغاني للمغاوير وقوات بدر، واعترفوا
بتنفيذ تلك العملية البشعة. وكان الإخراج رديئاً، حى أنهم على سبيل المثال،
كانوا يقولون (أي المتهمين) أن الأستاذ فرج كان يحضر لنا العبوات، فهل لدى
هؤلاء الجماعات كلمة أستاذ؟ لقد كانت مهزلة، ولكن للأسف صدّقها البعض، وراح
أهالي القتلى يطلبون الثأر من الفلسطينيين. أحد الذين ظهروا على التلفاز موجود
اليوم في مخيم ((التنف))، ويعاني أزمة نفسية حادة نتيجة التعذيب. أ. ر. يشير
إلى أنه في تلك الفترة بدأت التجارة بالفلسطينيين، حيث كانت ميليشيا ما تختطف
هذا الفلسطيني ثم تبيعه إلى ميليشيا أخرى. يضيف أنه بعد حادثة بغداد الجديدة
بدأ طرد الفلسطينيين من دوائر الدولة، فلم يعد يستطيع الفلسطيني العمل في سلك
التدريس, أو في أي عمل تابع للدولة. ويتم إنذار الفلسطيني بترك العمل خلال أربع
وعشرين ساعة أو ملاقاة حتفه. وإذا كان الفلسطيني يسكن خارج منطقة البلديات
يأتيه تهديد بوجوب مغادرة المنزل وإلا فالموت المحتّم له أو لأحد أفراد
العائلة، وفي بعض الأحيان فُجّر المنزل بساكنيه.
ويقول أ. ر. إنه بعد تفجير منارتي المرقدين في سامراء (شباط/فبراير 2006) ازداد
قتل الفلسطينيين وأصبح أكثر علانية، إذ قبل ذلك الحادث كنا نظن، أو نوهم
أنفسنا، بأن الذين يقتلون الفلسطينيين إنما هم مخترقون من الموساد الإسرائيلي،
فلا يمكن لعربي أو مسلم أن يفعل ذلك، أو يمثّل بجثة، أو يغتصب فتاة ثم يقتلها.
لكن القتلة كشفوا عن وجوههم، فإذا بهم ميليشيات طائفية معروفة، وفرق الموت
التابعة للحكومة، وأخذ مسؤولوهم يظهرون ويهدّدون علانية. جاءوا يوماً حوالى
الساعة العاشرة والنصف صباحاً، ودخلوا مسجد القدس، الذي يصلي فيه الفلسطينيون،
وكسّروا محتوياته، وكتبوا عبارات بذيئة بحق الفلسطينيين على جدرانه. ثم كان
إطلاق نار يومي على بيوت الفلسطينيين في منطقة البلديات، فيُقتل من يُقتل،
ويُصاب من يُصاب.
يتابع الحديث ث. ح. أنه في ذلك اليوم اتصل بمسؤول في جيش المهدي، كان صديقاً له
قبل احتلال العراق، وطلب منه أن يجمعه بأحد رجال الدّين في الحسينية القريبة.
يضيف ((دخلتُ ووفد فلسطيني إلى الحسينية، مع مرافقي من جيش المهدي، وطلبنا من
الجالسين من جيش المهدي، وكانوا حوالى 400 عنصر يرتدون الثياب السوداء، عدم
التعرّض للفلسطينيين مجدداً. ثم جلسنا مع إمام المسجد وطلبنا منه إطلاق سراح
أحد الفلسطينيين المخطوفين لديه في الحسينية فوافق، بعد أن كان قد تعرّض لتعذيب
بالكهرباء، وكانوا على وشك تنفيذ حكم الإعدام فيه. واستعرض إمام المسجد بعدها
الاتهامات بحق الفلسطينيين، ففندناها. وقلنا لماذا تحسبوننا على فئة عراقية
واحدة، بينما نعتبر أنفسنا محسوبين على كل العراقيين بكافة طوائفهم
ومجموعاتهم)). ويخلص ح. إلى أن الفلسطينيين وُعدوا بعدم التعرّض لهم
ولممتلكاتهم، لكن الميليشيات المعروفة عاودت بعد أيام مهاجمتها للفلسطينيين
ومصادرة رزقهم وقتلهم. وكان إلى جانب حي البلديات مركز قوات الحدود المعروف
بأنه مركز تعذيب للعرب، وخصوصاً للفلسطينيين منهم.
التهجير أو الموت
م. ب. يأخذ الحديث فيصف عمليات القصف للفلسطينيين التي استمرّت
بوتيرة أعلى، وكان الجرحى كما يقول، بحكم الميّتين، لأن المستشفى تُعتبر بمثابة
مصيدة للفلسطينيين، حيث كان يذهب أقرباء الفلسطيني الجريح أو المقتول إلى
المستشفى، فتختطفهم الميليشيات، وتنفّذ فيهم حكم الإعدام. لذلك اكتُفي بمعالجة
الجرحى بالإسعافات الأولية الضروية، مستفيدين من وجود بعض الأطباء الفلسطينيين.
فوُضع الفلسطينيون أمام خيارين، إما الموت المحتّم بعد تعذيب وتمثيل بالجسد،
وإما محاولة الهرب رغم المخاطر المتوقعة. ولم يكن أمامهم سوى الخيار الثاني،
رغم أن الكثير منهم اختُطف وقُتل أثناء الهروب، فكان الخروج من العراق أشبه
بعملية فدائية. ويشرح ث. ح. عملية فراره بأنه كانت هناك سيارة عراقية ترافقه في
عملية الفرار، ويتلقى توجيهات من فيها بواسطة الهاتف المحمول، أي طريق يسلك،
وفي أي حي تنتشر الميليشيات، إلى أن وصل إلى مخيف التنف. ويُفصّل أن هناك
ميليشيات تريد أن يخرج الفلسطيني من العراق، وميليشيات لا تريده أن يخرج إلا
ميتاً.
مئات القصص يخبرك عنها الفلسطينيون القادمون من العراق، قصص عن حوالى 850
شهيداً فلسطينياً سقطوا بأبشع أساليب القتل (من بينهم أكثر من 150 طفلاً و 100
امرأة)، يهمسون ببعض حالات الاغتصاب. يحدّثونك عن الفتى حسين حسني (17 عاماً)
كيف قتلته الميليشيات، وحين عانقت أمّه جثتَه أردوها قتيلة فوقها. عن (جارٍ)
عراقي، تصحو صباحاً، بعد ثلاثين عاماً على الجوار، فتجده يتعارك مع صهره من
يأخذ بيتك ومتجرك! مئات عمليات طرد الفلسطينيين التي أشرفت عليها وزارة الشؤون
الاجتماعية، فكيف بوزارة الداخلية التي لم يخفِ مسؤولها الأول يوماً حقده على
الفلسطينيين! نوقف الحديث عند هذا الحدّ، فقد جاء اتصال من مخيم (التنف) أن
هناك حالات خطرة مهدّدة بالموت بسبب البرد وغياب الأدوية.
مربع مستقلّ
مخيم التنف
يقع مخيم التنف على الحدود العراقية السورية, وأُنشئ في
12/5/2006، يضم اليوم 574 شخصاً، وعدد الخيم حوالى المئة. وتشرف على المخيم
مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). في بداية إنشاء المخيم وقبل
إشراف المفوضية، كانت هناك حملات شعبية من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وبعض
الفصائل الفلسطينية، وخصوصاً حماس، فكانت تصل التبرّعات التي تتضمّن مواد
غذائية تموينية، إضافة إلى حُصُر وألبسة متنوعة داخلية وأوان زجاجية وأسطوانات
غاز كبيرة وغيرها.
ساهمت وكالة الأونروا في إنشاء مدرسة في المخيم تتألف من خمسة صفوف دراسية، كما
أن الوكالة أخضعت عدداً من المؤهلين دراسياً لدورة مكثفة لتعليم الطلبة بحسب
المنهاج التعليمي المطبق في سورية. ولوحظ أن الطلاب على الرغم من أوضاعهم
القاسية ملتزمون التعليم. كما أن الأونروا ترسل طبيباً بشكل دوري كل يوم خميس،
وهو أخصائي أمراض داخلية. وهذا بطبيعة الحال لا يكفي لأن الأمراض الطارئة لا
يمكن معالجتها فوراً، ما أدّى إلى وفاة عدة أشخاص كما أن الأدوية غير متوفرة.
وشهد المخيم 25 حالة إجهاض. تكثر في المخيم الأمراض العصبية، كما يعاني جزء لا
بأس به من الأمراض النفسية، وحتى العقلية، نتيجة مشاهداته السابقة في العراق.
تعرّض المخيم لحريقين كبيرين، الأول التهم حوالى 60 خيمة، والثاني حوالى 30
خيمة.