معلقون صهاينة: نجاح حماس في عملية ((ديمونا)) دليل
على فشل استراتيجية القمع الصهيونية
فلسطين/إبراهيم السعيد
مثّلت عملية ((ديمونا)) الاستشهادية بالنسبة لصناع القرار في الكيان الصهيوني
تطوراً بالغ الخطورة، لأن العملية هي أول عملية استشهادية تنفذها المقاومة
الفلسطينية منذ عام، حيث إن هذه الحقيقة وجدت ترجمتها في انخفاض عدد القتلى في
الجانب الصهيوني داخل الخط الأخضر بشكل كبير مقارنة بالأعوام الماضية، وبالتالي
فإن مجرد نجاح المقاومة الفلسطينية في تنفيذها، على الرغم من أنها لم تسفر عن
وقوع خسائر كبيرة في الأرواح، حمل الكثير من الدلالات لدى صناع القرار في تل
أبيب. لكن أكثر ما أزعج المؤسسة الأمنية الصهيونية هو حقيقة أن حركة حماس هي
التي قامت بتنفيذ العملية، الأمر الذي يدلل على أن إعلانات كل من الجيش وجهاز
المخابرات الداخلية الصهيونية ((الشاباك)) المتكررة بأنهما استطاعا القضاء على
قدرة حركة حماس على تنفيذ عمليات المقاومة بشكل شبه مطلق هي ادعاءات كاذبة.
وما يزيد الأمور تعقيداً بالنسبة للمؤسسة الأمنية الصهيونية هو حقيقة أن هذه
العملية كتتويج لسلسلة من العمليات التي قامت بها ((كتائب القسام))، في جميع
أرجاء الضفة الغربية، وتحديداً في جنوب ووسط الضفة. فهي جاءت بعد تبني ((كتائب
القسام)) و((سرايا القدس)) عملية قتل عنصرَي الوحدة المختارة في جيش الاحتلال
في إحدى المحميات الطبيعية المحيطة بالخليل، إلى جانب تبني ((القسام)) سلسلة من
العمليات في وسط الضفة الغربية، وتحديداً في نابلس ومحيطها.
وهناك إحساس لدى الأجهزة الاستخبارية الصهيونية أن الكثير من العمليات التي تتم
في أرجاء الضفة الغربية، ولا يتم الإعلان عنها أو تتبناها منظمات محددة، تكون
نتاج عمل ((كتائب القسام)).
قدرة المقاومة
القناة الأولى في التلفزيون الصهيوني أعلنت أن نجاح حركة حماس في الخليل في
تنفيذ هذه العملية دليل آخر على فشل استراتيجية القمع التي تتبعها (إسرائيل) ضد
حماس، وتحديداً في الضفة الغربية. وأعادت القناة الإسرائيلية للأذهان حقيقة أن
(إسرائيل) تمارس عمليات القمع والاعتقال بشكل شبه يومي ضد نشطاء المقاومة في
المنطقة، وتحديداً ضد نشطاء حركة حماس، الأمر الذي يعني أن تنفيذ هذه العملية
جاء كضربة قوية للأمن الإسرائيلي، مع العلم أنها أودت بحياة عالمة نووية
إسرائيلية بارزة. وجاء استهداف مدينة ((ديمونا))، التي تقع في قلب صحراء النقب،
ليقدّم دليلاً آخر على قدرة المقاومة الفلسطينية على الوصول إلى أي مكان في
العمق الصهيوني.
وعلى الرغم من أن كل المعلومات المتوفرة تدلل على أن منفذي العملية جاءوا من
الخليل، التي تخضع للاحتلال الصهيوني المباشر، إلا أن كلاً من الجيش والأوساط
السياسية الإسرائيلية حاولا استغلال العملية لمهاجمة مصر والإيقاع بينها وبين
حركة حماس، وتحميلها جزءاً من المسؤولية عما حدث لسماحها بفتح الحدود مع
القطاع.
الذي ساعد (إسرائيل) في البداية على شنّ حملة إعلامية شرسة هو حقيقة مسارعة بعض
الفصائل الفلسطينية للإعلان عن مسؤوليتها عن العملية، بل وإعلانها عن أسماء
منفذيها. لكن إعلان ((كتائب القسام)) عن العملية وإعلان اسمي منفذيها، وأنهما
من الخليل، قلّص من قدرة (إسرائيل) على مواصلة استغلال الحدث إعلامياً
ودعائياً.
وعلى الرغم من ذلك، فقد وصلت ماكينة الدعاية الصهيونية إلى حدّ استغلال العملية
بعيداً عن الحقائق والمعطيات على الأرض، ومحاولة استغلالها في تبرير تنفيذ
مخططاتها ضد قطاع غزة والحكومة الشرعية.. فديوان أولمرت أعلن أن العملية تطور
بالغ الخطورة، وتفرض على (إسرائيل) إعادة دراسة خطواتها في مواجهة الأوضاع في
قطاع غزة. ونقلت الإذاعة العبرية عن مصدر في الديوان قوله إن الاستنتاج الذي
توصلت إليه (إسرائيل) حالياً هو وجوب إقامة جدار إسمنتي على الحدود بين مصر
و(إسرائيل)، لمنع أي إمكانية لتسلل المقاومين إلى الأراضي الإسرائيلية.
أما جدعون ساعر، رئيس كتلة حزب ((الليكود)) اليميني، فقد اعتبر أن تنفيذ
العملية جاء كنتيجة طبيعية لفتح الحدود بين مصر وقطاع غزة، في حين قال وزير
الخارجية السابق سيلفان شالوم إن عملية ((ديمونا)) تمثّل رداً فلسطينياً على
موافقة أولمرت على إطلاق سراح معتقلين فلسطينيين، قاموا بالمسّ بمستوطنين
إسرائيليين، مشدداً على ضرورة تراجع أولمرت عن قراره.
أما الجنرال يسرائيل حسون، نائب رئيس المخابرات الداخلية الأسبق والنائب عن حزب
((إسرائيل بيتنا))، فدعا إلى تصفية إسماعيل هنية فوراً، معتبراً أنه يتوجب على
(إسرائيل) العمل على وقف العملية التفجيرية وعدم التسليم بها بحال من الأحوال.
ومن ناحيته دعا النائب أوري أرئيل، رئيس كتلة حزب ((الاتحاد الوطني)) اليميني
في الكنيست، إلى إنهاء التفاوض وبأقصى سرعة ممكنة مع أبو مازن، على اعتبار أن
أبو مازن لا يملك أي سيطرة على الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن ((التفاوض معه
مجرد إضاعة للوقت)).
الرد على ((ديمونا))
لعل أهم تداعيات عملية ((ديمونا)) أنها أعادت مجدداً وضع قطاع غزة ومستقبل حركة
حماس إلى بؤرة الاستهداف الصهيوني. فبعد الإعلان عن مسؤولية ((كتائب القسام))
عن العملية، قررت (إسرائيل) أن ترد على العملية بضرب أهداف في قطاع غزة، فقامت
بمهاجمة العديد من المواقع الأمنية، وفي إحداها استُشهد سبعة من عناصر الشرطة
وهم يؤدون صلاة العصر، وكان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس يشرف شخصياً على
عملية التصفية من خلال أحد مراكز جهاز ((الشاباك)) في النقب. كما قامت
(إسرائيل) بمهاجمة عدة مقار مدنية.
ردت ((كتائب القسام)) على عمليات القصف بقصف ((سديروت)) والتجمعات الاستيطانية
في محيط القطاع. (إسرائيل) استغلت عمليات إطلاق الصواريخ لتبرير التصعيد بشكل
غير مسبوق ضد حركة حماس. فقد تحولت جلسة الحكومة الإسرائيلية التي عقدت في
أعقاب رد حماس على العدوان الصهيوني إلى ما يشبه الماراثون، حيث تنافس وزراء
الحكومة الإسرائيلية في تكرار الدعوات لتصفية أعضاء الهيئة القيادية السياسية
والعسكرية لحركة حماس، والشروع في شنّ حملة عسكرية واسعة النطاق يتم خلالها
إعادة احتلال غزة.
الجنرال شاؤول موفاز وزير المواصلات دعا إلى تصفية قيادة حركة حماس قائلاً
((لماذا نسمح للزهار بالتجوال حياً حتى الآن دون أن نمس به))، معتبراً أن
(إسرائيل) حتى الآن فشلت في تحديد أهدافها في غزة. في حين دعا وزير القضاء مئير
شطريت إلى تدمير أحياء سكنية في مدينة غزة، رداً على إطلاق الصواريخ.
ومن أجل تحفيز أولمرت لإصدار التعليمات بشنّ حملة واسعة القطاع، قال كل من
وزيرة الخارجية تسيفي ليفني ووزير الأمن الداخلي آفي ديختر إن معالجة التهديد
الذي تشكله الصواريخ الفلسطينية يمثل ((اختباراً لقدرة الحكومة على تطبيق
استنتاجات لجنة فينوغراد التي حققت في أسباب فشل (إسرائيل) في حربها الأخيرة
على لبنان)). ديختر ذكّر زملاءه الوزراء بأن عمليات إطلاق الصواريخ قد أسفرت
حتى الآن عن إجبار 20% من المستوطنين في مدينة ((سديروت))، التي تقع شمال شرق
مدينة غزة وتتعرض بشكل خاص لعمليات القصف، على تركها.
ومن خلال التسريبات التي حفلت بها وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن (إسرائيل) لن
تقوم في الأيام القادمة باجتياح غزة، بل ستكتفي بتكثيف عمليات الاغتيال ضد كبار
قادة ((كتائب عز الدين القسام)). وحول هدف العملية الأساسي، فإن حاييم رامون
القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية يؤكد أن أي حملة ستشن على القطاع يجب
أن تؤدي إلى إسقاط حكم حركة حماس.
وفي مقابلة مع الإذاعة العبرية زعم رامون أنه حسب المخطط الإسرائيلي فإن حكم
حماس لن يظل قائماً بعد عدة أشهر. وفي أعقاب ((ديمونا))، وما تلاها من فعل وفعل
مضاد.
دوائر صنع القرار في (إسرائيل) أدركت أن آليات العمل العسكرية المحدودة والحصار
الاقتصادي التي اتبعت حتى الآن ضد حكم حركة حماس، قد فشلت إلى حد كبير في إسقاط
الحركة، وبالتالي فإن الصهاينة باتوا يبحثون عن آلية عمل عسكرية أخرى.
البحث عن الردع
من ناحية ثانية، فإن الرأي العام الإسرائيلي يضغط لتنفيذ عمل عسكري كبير لوقف
تهديد الصواريخ، بعد أن تبين عجز وسائل الجيش وعملياته الميدانية لصد هذا
التهديد. وسائل الإعلام الإسرائيلية تمارس ضغطاً كبيراً على أولمرت لشن العملية
الواسعة. وبالتالي، فإنه ليس بإمكانه تجاهل الرأي العام الإسرائيلي، سيما بعد
نجاته بأعجوبة من السقوط بعد صدور تقرير لجنة ((فينوغراد)) التي حققت في أسباب
فشل (إسرائيل) في حرب لبنان الثانية، الأمر الذي دفعه إلى تقديم تطمينات علنية
للمستوطنين بأنه سيتم القضاء على تهديد الصواريخ.
و(إسرائيل) باتت تدرك أن عدم تحركها للعمل بشكل مختلف ضد حماس، قد يؤدي إلى
تعاظم الخطر الذي ينطوي عليه وجود الحركة في الحكم ومواصلة إطلاق الصواريخ
وتهريب السلاح.
من ناحية أخرى، فإن الجيش الإسرائيلي في حاجة إلى عمل عسكري كبير يساهم في
إعادة قوة الردع الإسرائيلية في مواجهة الشعب الفلسطيني والأطراف العربية، إلى
جانب أن العملية ستعمل على رفع معنويات الجمهور الصهيوني، كما تراهن قيادة
الجيش. إلى ذلك، وبخلاف الرأي السائد، فإن تقرير فينوغراد يحث (إسرائيل) بشكل
غير مباشر على شن عمل عسكري كبير في القطاع، لأن التقرير انتقد الحكومة والجيش
لأنهما ترددا في تنفيذ عمليات عسكرية خلال حرب لبنان الأخيرة خوفاً من سقوط
ضحايا. وبالتالي، فإن حكومة أولمرت ليس بإمكانها تأجيل شن حملة على القطاع
لمجرد الخوف من أنها قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح.
وفي الوقت نفسه، فإن لدى أولمرت رغبة في تعزيز قوته السياسية داخل حزبه الحاكم
والحكومة وصدّ الدعوات المطالبة باستقالته، حيث إن الخروج في حملة عسكرية في
قطاع غزة سيمنع المعارضة من مواصلة مهاجمة أولمرت. ومن العوامل المحفزة على شنّ
العملية هو شعور (إسرائيل) أن معظم الدول العربية إما أنها تؤيد أو تتفهم إسقاط
حكومة حركة حماس، والقضاء على تجربتها. وحكومة أولمرت باتت تدرك أنه مع مرور
الوقت، فإن قدرتها على توظيف الانقسام الفلسطيني الداخلي لصالحها تتقلص إلى حد
كبير.