نفّذا عملية
((ديمونة)) الاستشهادية رداً على حصار غزة:
محمد الحرباوي وشادي ازغيّر قلبان تعلّقا بالمساجد
وروحان تاقتا للجنّة
نفضت مدينة خليل الرحمن غبار صمت العمليات الاستشهادية الذي تأخّر قليلاً في
الضفة الغربية، لتوجّه ضربة موجعة وقاسية للكيان الصهيوني في مكان حساس، يحتضن
مفاعل ديمونة النووي، وذلك في العملية المزدوجة بتاريخ 4/2/2008.
فاجأت العملية الاستشهادية للقساميين محمد سليم الحرباوي وشادي محمد ازغيّر،
الشعب الفلسطيني والمراقبين والمحللين وحتى قادة الكيان الصهيوني، وخاصة أن
المجاهدين خرجا من مدينة الخليل ووصلا إلى هدفهما وهو مدينة ديمونة داخل ما
يسمّى الخط الأخضر، رغم الجدار الفاصل والمعابر وحواجز الاحتلال المنتشرة
وإجراءاته المشددة في كل مكان.
وبعد صمت لعدة أيام، وبعد أن تبنت عدة فصائل فلسطينية في غزة العملية، قطعت
كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية
(حماس)، الشك باليقين وتبنّت العملية وأعلنت اسمي منفذيها، لكن الاحتلال سبق
هذا الإعلان باقتحام منزلي ذوي الاستشهاديين واعتقال العشرات من أقاربهما.
وظهر الشهيدان فعلاً في شريط مصور يقرآن فيه وصيتهما، حيث أكدا أن العملية هي
استمرار لدرب الجهاد والمقاومة وانتقاماً لدماء شهداء غزة والضفة الغربية،
وتضامناً مع المحاصرين في قطاع غزة.
كتائب القسام أكدت في بيانها أن ((العملية البطولية تأتي انتقاماً لدماء
الشهداء الأبرار الذين سفك الاحتلال دماءهم على مرأى ومسمع من العالم أجمع،
ورداً على الحصار البربري اللاإنساني الذي تفرضه دولة البغي والعدوان على شعبنا
في قطاع غزة)).
وشددت على أنها تأتي أيضاً ((تأكيداً على قدرة المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها
كتائب القسام أن تضرب العدو في مواقع حساسة في الوقت والمكان اللذين تختارهما،
رغم كل الاحتياطات الأمنية والتحصينات الهزيلة لجيش الاحتلال واستخباراته)).
وقالت إن التأخر في الإعلان عن العملية ((جاء لأسباب أمنية ولإرباك العدو))،
مستغربة ((تسرع إخواننا في بعض الأجنحة العسكرية في التبني والإعلان عن أسماء،
مما يترتب عليه محاذير أمنية)).
عقاب جماعي
بعد وقوع العملية، سارعت قوات الاحتلال إلى اقتحام مدينة الخليل وفرض حظر
التجوال على بعض الأحياء، وأغلقت المنطقة التي يسكن فيها الشهيدان، بما في ذلك
أحياء السلام والحرس ورأس الجورة ومنطقة الجامعة ومنطقة بئر المحجر، ثم اقتحمت
منزلي ذوي الشهيدين وشنّت حملة تفتيش واسعة فيهما وصادرت الصور وكافة مقتنيات
الشهداء.
وبعد ساعات على الإغلاق والتفتيش، اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من عشرين شخصاً من
أقارب الشهيدين وأصدقائهما، بينهم أشقاء الشهيد شادي ازغير ووالده البالغ من
العمر أكثر من سبعين عاماً، كما اعتقلت أشقاء الشهيد محمد الحرباوي ووالده.
لم تكتفِ سلطات الاحتلال باعتقال أقارب الشهداء، بل واصلت إجراءاتها القمعية
بحق سكان محافظة الخليل، حيث اعتقلت العشرات من المواطنين، وواصلت عمليات
التفتيش لعشرات المنازل.
وأكد بعض من أفرج عنهم لاحقاً أن جميع المعتقلين نقلوا في ظل البرد الشديد إلى
مركز التوقيف في معسكر ((عتصيون)) الصهيوني، وهناك تعرضوا لتحقيق متواصل لعدة
ساعات حول الشهيدين وكيف خرجا وحول أصدقائهما وعلاقاتهما الاجتماعية
وتصرفاتهما.
ولا زالت سلطات الاحتلال تحتجز جثتي الشهيدين. وبعد العملية بأيام استدعت
أقاربهما وادعت أنها ستسلمهم الجثث، لكن أقاربهما انتظروا طويلاً أمام حاجز
((ترقوميا)) دون أن يشاهدوا الجثث أو يستلموها.
الشهيد محمد الحرباوي
تجمع العديد من المناقب والسلوكات بين الاستشهاديين الصديقين الحرباوي وازغير،
فكلاهما تربّى على الخلق الحسن، واتسما بالصمت والهدوء ودماثة الخلق، والسعي
إلى المساجد وصيام الاثنين والخميس.
ففي مربع الشهداء، وعلى بعد عشرات قليلة من الأمتار من منزل الشهداء عبد الله
القواسمي وابني شقيقه الشهيدان باسل وحاتم شفيق القواسمة، وتحديداً في منطقة
الحرس بين مسجد الحرس وجامعة الخليل، تعيش أسرة الشهيد محمد سليم الحرباوي في
شقة عادية.
ولد الشهيد الحرباوي في مدينة خليل الرحمن بتاريخ 22/11/1987. درس المرحلة
الابتدائية في مدرسة الملك خالد القريبة، التحق بالعمل مبكراً ليساعد في تحمل
أعباء أسرته.
ورغم الانقطاع عن المدرسة التحق الشاب محمد بدورات التحفيظ والصلاة في المساجد،
فحفظ ستة أجزاء من القرآن الكريم، ثم اعتقلته سلطات الاحتلال قبل أن يكمل عامه
السادس عشر، ومكث في السجن أكثر من 27 شهراً، والتهمة أنه كان ناشطاً في حركة
حماس ومع شباب المساجد.
وبالتوازي مع التزامه بالمسجد ودورات حفظ القرآن الكريم، كان الشهيد يعمل في
مصنع للورق ليساعد أسرته وأشقاءه، ومع ذلك كان يستغل أوقات فراغه في حضور دروس
العلم وحلقات الذكر في المساجد.
تقول والدته أم سامر إنه يصلي منذ الطفولة، وصائم لرمضان منذ الصغر، وكان يصوم
كثيراً من أيام الخميس والاثنين، أما وهو طفل فلم يكن عنيداً أو صعباً، وإنما
ودوداً هادئاً لا يعرف الصراخ.
وتابعت: الشهيد كان دائم الابتسامة والتفاؤل ولا يغضب إلا لله، ويعطف على
إخوانه الصغار، واستطاع أن يكوّن علاقات اجتماعية مع جميع الناس ويحبهم
ويحبونه، ويرفض الغيبة والنميمة، ويشارك في ما يستطيع من المناسبات الاجتماعية
والعائلية والفعاليات الوطنية والإسلامية في المدينة.
تضيف: كان يستيقظ لصلاة الفجر في موعدها، ويتوضأ ويذهب لأداء الصلاة في مسجد
الحرس، وقبل المغادرة كان يوقظ أهله وجميع إخوانه ليصلوا الفجر في وقته، ويعود
بعد الصلاة ويقرأ شيئاً من القرآن الكريم.
أحد أشقائه الصغار ممن لم يتم اعتقالهم قال عن شقيقه الشهيد: كنت أحبه وسأظل
أحبه، لقد ذهب دون أن يخبرنا، وعرفنا بالخبر عندما جاء الجيش وحاصر المنزل
واعتقل إخوتي كلهم.
يضيف: بعد انتشار الخبر وحضور الجيش واعتقال أشقائي شعرت بالخوف، ولم أذهب إلى
المدرسة، وكنت أنتظر أن يتم تسليم جثته لأراه وأودّعه، لكن قوات الاحتلال لم
تسلمنا إياه، ولا زلنا في الانتظار.
وعن عملية الاقتحام لمنزلها واعتقال زوجها وأبنائها تقول الوالدة الجريحة: كان
هناك عشرات الجنود، لقد فتشوا كل شيء وكسروا كل شيء، وطلبوا صورة للشهيد قبل أن
نعرف أنه هو منفذ العملية، ولما سأل الضابط عن صورته وسألني أين هو قلت له في
الشغل، فضحك عندما رأى الصورة، ثم علمت فيما بعد أنه أحد منفذي العملية.
الشهيد شادي ازغير
ولد الشهيد القسامي شادي محمد فتحي ازغير لعائلة متدينة بالقرب من جامعة
الخليل، وذلك في 12/2/1984، وعلى مقربة من بيته التحق بمدرسة الملك خالد
الحكومية، وفي المرحلة الثانوية التحق بالفرع الأدبي، وبعد انتهاء مرحلة
التوجيهي اعتقلته قوات الاحتلال الصهيونية لمدة عام ونصف أمضى غالبها في سجن
((عوفر)) الصهيوني.
تميّز الشهيد منذ الطفولة بالتدين والحياء والكرم والعطف على الصغار، فكان من
رواد مسجد الجهاد الذي خرج منه العديد من الاستشهاديين ولا يغيب عن صلاة
الجماعة، وعند صلاة الفجر كان يسبق أهله وجيرانه إلى مسجد الجهاد، وكان بشهادة
المصلين يكثر من التسبيح والاستغفار قبيل الصلاة، ولا يغادر المسجد قبل التسبيح
وقراءة أذكار ما بعد الصلاة.
ما تميز به الشهيد أيضاً أنه كان هادئ الطبع، مبتسماً دائماً، صامتاً معظم
الوقت لا يتحدث إلا لضرورة، ولا يدخل في الجدالات والنقاشات التي تدور حوله
وبحضوره، وإنما يلتزم السمع والصمت دون التعليق إلا بالخير.
يقول أحد أعمامه: كان الشهيد شادي محبوباً بين إخوانه وجيرانه، وكان حريصاً على
الالتزام بعمله في مجال الأخشاب، والحضور في الوقت المحدد دون تأخير، فيما يشهد
له زملاؤه في العمل بالتفاني والإخلاص وحب العمل.
وتقول والدته التي اعتقل الاحتلال سبعة من أبنائها، وزوجها البالغ من العمر
سبعين عاماً إن الشهيد كان مريحاً في التربية منذ الطفولة وكان يقتنع بالقليل
حتى وهو صغير، ومحباً للقرآن الكريم ويستمع لأشرطة الدعاة، وكان يتضايق عندما
يسمع بوقوع مجزرة مثل كل الناس.
وتابعت: لم يكن أحد يتوقع أن يقوم الشهيد بعملية من هذا النوع، وكثير منا تفاجأ
عندما علم باستشهاده، غادر في الصباح كالعادة إلى مكان عمله، ولم نفتقده إلا
بعد أن تأخر قليلاً، حيث أبلغنا زملاؤه أنه لم يحضر وتوقعوا أن يكون مريضاً.
تضيف: في الوقت ذاته الذي افتقدناه فيه اقتحم الجيش المنزل وبدأ بالتفتيش،
لكننا مع ذلك كنا نستبعد أن يكون قد فجر نفسه أو نفذ عملية ((ديمونة)) التي
سمعنا عنها وتابعناها بشكل عادي، واستبعدنا أن يكون منفذوها من الخليل لأن
فصائل في غزة أعلنت عنها.
أما عن رد فعلها عندما تأكدت من نبأ استشهاده فقالت: منحني الله الصبر، وبدأت
أدعو له وأسأل الله أن يرحمه وأن يكون شفيعاً لنا في جنات الخلد، هذه طريقه وهو
اختارها وأراد الشهادة.
وحول تسلّم جثّته تقول: تعمّد الاحتلال أن يلعب بأعصابنا، حيث تم إخبارنا أنه
سيتم تسلم الجثث عند معبر ((ترقوميا)). وعندما ذهب عمه وأقاربه إلى المعبر ظلوا
ينتظرون لساعات طويلة، ولم يتسلموا الجثة بحجة الخطأ في التشخيص، ولم نتسلّمها
حتى الآن.
وتتمنى والدة الشهيد أن تراه وترى ابتسامته التي تناقلت صورها وسائل الإعلام
وهو شهيد، وتأمل أيضاً أن تلقي عليه نظرة الوداع وتدفنه مع من سبقه من الشهداء
من مدينة خليل الرحمن.