عندما يخطف الحصار الأمل والحياة..
قصة إيمان ومسعود وطفلهما أيمن
يوماً بعد يوم، كان الحلم يراود قلوباً رفضت أن يتسلل اليأس إليها، أو أن تفقد
الأمل بميلاد طفل جميل يزين البيت بضحكاته المحببة، فيبعث فيه الدفء من جديد.
فبرغم مرور عشرين عاماً على زواجهما ظل الزوجان ((عادل مسعود)) وزوجته
((إيمان)) من قطاع غزة المحاصر متمسكين بالأمل في أن يرزقهما الله سبحانه
وتعالى بطفلٍ يركنان إليه عند الكبر، ورغم مرور تلك السنوات الطوال، كان
الإيمان بالله وبقدرته على تحقيق هذا الحلم الدافع الأول وراء محاولاتهما
المتكررة لإجراء عملية زرع ((طفل أنابيب)) فلعل وعسى أن تحقق هذه الطريقة -بعد
فشل كل الطرق السابقة- ما تمنيا تحقيقه على مدى العشرين عاماً الماضية.
وبالفعل لم يخيّب الله جل وعلا رجاءهما، فقبل ما يقارب السبعة أشهر فقط كللت
العملية الأخيرة التي أجراها الزوجان لزرع طفل أنابيب بالنجاح، فتضاعف الأمل
لديهما بإنجاب طفلهما المنشود، وخاصة حين أكد لهم طبيبهما أن الحمل يسير بطريقة
جيدة وسيستمر. ويوماً بعد يوم كبر الأمل في النفوس، رغم التعب والمعاناة التي
لاقتها الأم المنتظرة والتي تبلغ الثانية والأربعين من العمر، وقارب الجنين
إنهاء الشهر السابع من عمر الحمل. هذا الجنين الذي كان ينتظره أبواه بشوق ويعدا
الأيام بلهفة وقلق أن تنتهي مدة الحمل هذه على خير، فيمتع بصرهما برؤية ما منّ
الله عليهما به من نعمة، سواء كان المولود طفلاً أم طفلة.
لكن شاء الله أن يولد هذا الطفل قبل موعد ميلاده بشهرين كاملين، فقد تعرضت الأم
لحادثة، فاضطر الطبيب لإجراء عملية الولادة بسرعة قبل أن يفقد الجنين حياته.
وولد الطفل ((أيمن))، لكنه كان أضعف من أن يستطيع التنفس أوالرضاعة لوحده، فتم
إدخاله على وجه السرعة لغرفة الأطفال الخدّج بمستشفى الشفاء في غزة في محاولة
يائسة لإنقاذ حياته. وبكل الوسائل المتاحة في المستشفى الذي يعاني من نقص شديد
في معداته التي تقلصت بصورة متسارعة بسبب حصار ظالم يعاني منه أهل قطاع غزة
جميعاً في شتى مناحي حياتهم، ومنذ ما يزيد على العامين وتتصاعد وتيرته يوماً
بعد يوم دون رادع من قبل قوى المحتل الصهيوني الغاشم، بل ويعززه صمت مستغرب من
كل قوى العالم المتحضر التي تدعي مناصرتها للقيم الإنسانية والحضارية.
هذا الحصار الخانق الذي سبب موت العشرات من مرضى قطاع غزة المحاصر دون أن يمد
لهم أحد يد العون، بسبب إغلاق المعابر ووضع مليون ونصف المليون إنسان فلسطيني
في سجن كبير مظلم.
لكن حين يطال الحصار أنفساً بريئة لم تعرف بعد معنى أن انقطاع الكهرباء عن
المستشفى سيسبب لها الاختناق الفوري، بل وعدم قدرة ((أنبوب التغذية)) على إيصال
الغذاء لها في الحضانة، ولذا ستفارق الحياة على الفور!!
الأب المكلوم بأمله الذي يحتضر أمام عينيه، لم يستطع تخيّل أن نقص الوقود في
قطاع غزة ومنعه عن المستشفيات كافة، سيكون السبب في فقده طفله الذي يحيا على
أمل أن يضمه بين ذراعيه ويقبله ويحدثه بأحاديث الشوق والليالي التي قضاها يحلم
به!!
يرابط الأب والأم يومياً على باب غرفة الخداج في المستشفى الذي يخيم الحزن في
جنباتها، ففي كل قسم منها حكاية تروى، وموت يحصد العشرات يوميا دون أن ينتبه
لهم أحد. معدات ملقاة في غرفة التصليح ينتظر من يحتاجها من المرضى أن تفتح
المعابر لإدخال قطع لازمة لتصليحها وعودة لضخ الحياة في أجسادهم المنهكة من
الألم من جديد. دموع اعتادت أروقة المستشفى أن تراها يومياً عند فقد أحد أهالي
القطاع المكلوم عزيزاً عليه!!
ويوماً بعد يوم، تطالعنا الفضائيات بخبر تقليص كمية الوقود المسموح بإدخالها
إلى قطاع غزة المحاصر من قبل العدو الصهيوني. ويوماً بعد يوم تتوقف الآلات
والمعدات الطبية في المستشفيات الغزية بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيلها بصورة
منتظمة!!
يحاول الأطباء قدر الإمكان توفير الحد الأدنى من العلاج، الذي يعتمد على الآلات
التي تعمل بالكهرباء، والذي يلزم كل مريض يتلقى العلاج عن طريقها.
لكن أن يطال هذا التقليص الهواء اللازم للحياة، فهذا ما لا يستطيعه أي بشر، فما
بالنا بطفل مولود كتب الله له أن يكون خداجاً وغزياً في الوقت نفسه!!