تحريض واستعداء وترويج
لمزاعم كاذبة
قراءة في الحملة المغرضة على الفلسطينيين وحماس في وسائـل الإعـلام الحكوميـة
المصريـة
القاهرة/عصام عبد الرحمن
ما إن ألمحت القيادة السياسية المصرية -في إحدى الاحتفالات العامة، وبعد ثلاثة
أيام كاملة من عبور الفلسطينيين الحدود إلى رفح المصرية في 22 كانون ثاني/يناير
الماضي- إلى أن ما حدث يمثل تهديداً للأمن القومي المصري، وأن حماس مستفيدة مما
حدث، حتى راح القائمون على وسائل الإعلام المصرية الحكومية يغيّرون من لهجتهم
في تغطية ما حدث من التعاطف مع أهالي غزة المحاصرين، وإبراز امتنان حماس بما
قامت به الحكومة المصرية، إلى شنّ حرب إعلامية بلا هوادة على المقاومة
الفلسطينية بكامل عناصرها، وعلى حركة حماس، قيادات وأفراداً، مسفّهة من مواقفها
الجهادية ومن تضحيات أبنائها وقادتها بكل ما يملكون، مستدعية من الذاكرة مواقف
وأحداثاً ظنت أنها تدعمها في هذه الحملة.
والمتابع لما نشرته وبثته وسائل الإعلام الحكومية المصرية بعد هذا التغير في
لهجتها يصاب بالدهشة والصدمة.
الدهشة من هذا التغيّر المفاجئ، من النقيض إلى النقيض تماماً، في أسلوب التغطية
ومضمون المحتوى، الذي راح كالعدوى ينتشر على صفحات الجرائد الرسمية بمختلف
أشكالها الصحفية من مقالات وأخبار وتحقيقات، مع استخدام القائمين على هذه
الحملة للكلمات الممجوجة والمعلومات المغلوطة وطريقة قلب الحقائق وتزييف
الواقع، في سبيل تأكيد أن ما حدث يتماشى مع أهداف حماس السرية لغزو مصر عبر
معبر رفح، وما يمثله ذلك من تهديد للأمن القومي المصري.
والصدمة هي أن الأسلوب الذي انتهجته وسائل الإعلام المصرية القومية للتحريض ضد
حماس وتفريغ المقاومة من أهدافها السامية، لم يختلف كثيراً عن الأسلوب الذي
تنتهجه أحياناً وسائل الإعلام الصهيونية والموالية لها عالمياً.
ولعل عدداً غير قليل من الكتّاب الشرفاء قد فنّدوا مضمون ما جاء في هذه الحملة
من اتهامات زائفة لحركة حماس، ومعلومات مغلوطة يستفيد من تداولها العدو وأصحاب
المصالح الخاصة، وقلب حقائق متعمد، وكذب صريح على التاريخ. وبعيداً عن موقف
النظام في مصر الذي غابت عنه دبلوماسية كياسة التعبير عن وجهة نظره فيما يحدث
فقال ((اللي حيخطي الحدود حنكسر رجليه))، فإن ما يستحق الوقوف هنا هو طبيعة هذه
الحرب الإعلامية الشعواء ضد الكفاح الفلسطيني المقاوم التي تبنتها وسائل
الإعلام المصرية الرسمية، وتحليل مضمونها وحقيقة أسبابها وأهدافها.
نماذج
وحتى يتسنى لنا الوقوف على حقيقة هذه الحرب الإعلامية -أسبابها وأهدافها- نسوق
أولاً بعضاً من نماذج ما كتب فيها، فقد كتب أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام
أكثر الجرائد المصرية توزيعاً، تحت عنوان ((أزمة معبر رفح.. وخطايا حماس!)):
((اندفعت حماس بمزيج من التطرف والأنانية التنظيمية لتنفيذ المخطط الإسرائيلي،
بعد أن أصبح هدفها محصوراً في استمرار هيمنتها على قطاع غزة)).. ((نتيجة
للتناغم الضمني بين إسرائيل وحماس، حيث استغلت إسرائيل الألعاب الصاروخية
المسماة ((صواريخ القسام))"، التي يقوم بها الجناح المسلح لحركة حماس وفصائل
أخرى، لنقل مركز الثقل في الوضع الفلسطيني من قضايا الانسحاب والحدود
والمستوطنات والقدس واللاجئين إلي قضية الحصار على غزة)).. ((علينا أن نكون
صرحاء تماماً ونكشف أخطاء الانقلابيين في غزة، وما يخططون له، وما يفعلونه..
فهم يعملون لمصلحة المخططات الإسرائيلية)).
وبالنهج الأهرامي ذاته راح محمد علي إبراهيم، رئيس تحرير الجمهورية، يقدّم
بلاغات تحريض للعالم ضد حماس ومقاوميها، وأقتطف مما قال: ((أهل غزة معذورون..
فقد وجدوا من استأمنوه على القضية الفلسطينية يبيعها لآخرين، وينشغل بصراع عبثي
على سلطة ما زالت في علم الغيب. وهم يرون قادتهم يتقاضون مئات الألوف من
الدولارات، ويعيشون في بحبوحة من العيش، ويتنقلون في سيارات فارهة ومُؤَمَّنَة،
كما يحتفظون بحسابات سرية في أوروبا وأمريكا)). ويصف مجاهدي حماس وقياداتها
بقوله ((لا تحاولوا إقناعي أن هؤلاء مناضلون أو حتى رجال مقاومة، عفواً إنهم
إرهابيون لا يختلفون عن تنظيم القاعدة في شيء)).. ((مشروع الجهاد المقدس
وفرسانه نصر الله ومشعل وشيعة العراق قتلوا من العرب أكثر مما قتلت قوات
الاحتلال الأمريكية والصهيونية)).
ولم يتورع إبراهيم عن وضع عناوين لمقال من مقالته تقلب الحقائق بعد أن تشوهها،
فكتب ((إسرائيل أهم لحماس من فتح))، ((رئيس حماس يعترف: إيران أفضل من العرب))،
((تحذير لأهالي رفح: نقود الحمساوية مزورة بالكامل)).
ولم يبتعد ممتاز القط، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم، كثيراً عن نهج رفاقه في
الأهرام والجمهورية، فكتب تحت عنوان ((المصالح قبل العاطفة)): ((موقف مصر في
التعامل مع الانفلات الفلسطيني، الذي تدعمه وترعاه حماس موقف وطني وقومي، يؤكد
من جديد مكانة مصر، وحكمة قيادتها)).. ((ويبدو واضحاً أن البعض من حماس قد
اعتقدوا واهمين أن حبال الصبر المصري قد تطول أمام تصرفاتهم الحمقاء))..
((أعتقد أنه من الضروري أن تقوم وزارة الخارجية المصرية، بإجراء اتصالات مكثفة
مع وزراء الخارجية العرب، لإحاطتهم علماً بأي اتفاق يتم التوصل إليه مع القادة
الفلسطينيين، سواء من السلطة أم من حماس. بالإضافة إلى رد الفعل المصري في حالة
تكرار هذه الأحداث، وكذلك إخطار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكي يكون
هناك غطاء عربي ودولي لأي إجراء تقوم به مصر)).
تحليل للأسباب
هذه المعالجة المتحيزة التي تكاد تصل إلى حدّ التآمر على الجهاد الفلسطيني
ومغازلة (إسرائيل) وحلفائها، يعلق عليها بعض المفكرين والأكاديميين، فيفسر
الدكتور أحمد يوسف أحمد، مدير معهد البحوث والدراسات العربية، أسباب تلك الحرب
الإعلامية بأن الرأي العام المصري تفاعل بقوة مع الحصار الإسرائيلي الجائر على
القطاع، واستشاط غضباً من عدم إنسانيته، سواء لأن ثمة تواصلاً بشرياً حقيقياً
مصرياً - فلسطينياً في منطقة التخوم على الحدود بين مصر وقطاع غزة، أم لأن
قطاعات سياسية نشطة في الرأي العام المصري تعادي (إسرائيل)، أم لأن أقوى تيارات
المعارضة المصرية -وهو تيار الإخوان المسلمين- يعتبر الأب السياسي لحركة
((حماس))، التي فُرض الحصار عليها أصلاً، أم لأن المصري العادي في النهاية
-كعربي وإنسان- لا يملك إلا أن يتعاطف مع الفلسطينيين في هذا الموقف العصيب.
ولذلك ساد شعور بالارتياح عندما تدفّق مئات الألوف من سكان غزة في محاولة
للتخفيف من وقع الحصار عليهم، وهو ما استشعرت معه القيادة المصرية أن أي خطأ
بسيط في إدارة الأزمة، التي نشأت بموجب هذا الاقتحام، يمكن أن يفضي إلى خسارة
السياسة المصرية لقطاع كبير من الرأي العام المصري. وهنا -سواء بإيعاز أم
بمبادرة منها- هرولت بعض الأقلام -المعروف عنها انتهاز أية فرصة لفصم العرى
التي تربط مصر بفلسطين، بل بالعروبة كلها- إلى ركوب الموجة، وشن هذه الحرب
الإعلامية الشعواء.
ويرى المفكر الأسلامي الأستاذ فهمي هويدي أن الخطاب الإعلامي الحكومي المصري
كان مسيئاً وتحريضياً بشكل لافت للنظر، ولم يراع القائمون عليه التمييز بين
الخطأ والجريمة، وذهب بعضهم إلى اعتبار ما حدث غزواً، بل وإلى المساواة بين
دخول الفلسطينيين رفح والعريش واحتلال الإسرائيليين لسيناء. واختلط الأمر على
البعض الآخر حتى لطموا الخدود وشقّوا الجيوب ورفعوا أصواتهم، داعين إلى استنفار
المصريين لصد الخطر الداهم الذي يهدد أمن بلدهم وسيادته.
بل إن البعض آثر أن يعتبر عبور الفلسطينيين إلى مصر ((مؤامرة))، وفي منطق هؤلاء
أن كل شيء كان مخططاً ومعدّاً له من قبل، وتداخلت الخطوط وتاهت البوصلة، حتى إن
بعض الصحف أبرزت -وبعناوين عريضة- بعض الحماقات التي ارتكبت وبعض التصرفات
المشبوهة التي وقعت، مثل قيام أحد الشبان برفع العلم الفلسطيني على أحد المباني
في الشيخ زويد، واعتداء البعض على عدد من الجنود المصريين، والحديث عن اكتشاف
خليتين دخلتا إلى سيناء للقيام بعمليات عسكرية ضد الإسرائيليين. ولوحظ على تلك
التغطيات أنها نشرت في الصحف، ولم تصدر بها بيانات رسمية، ما أدى إلى تعبئة
قطاعات عريضة من الناس بمشاعر عدائية، فانصب غضبها على الفلسطينيين بأكثر مما
انصب على الاحتلال والحصار. وكان لذلك تبعاته أيضاً على علاقات الفلسطينيين
المقيمين في مصر بكل المصريين، حتى دار سؤال حائر مفاده: هل يهيئ الفلسطينيون
المقيمون في مصر أنفسهم للجوء جديد؟
مقولتان
وبرؤية تحليلية لمضمون ما ساقته وسائل الإعلام الحكومية المصرية في تلك الحملة
الإعلامية، يؤكد الدكتور ضياء رشوان، الخبير بمركز الأهرام للدراسات
الاستراتيجية، أنه جرى عبر ما كتب الترويج لمقولتين رئيسيتين وُجهتا لجميع
المصريين، بغرض ((تخويفهم)) من أي إظهار للارتباط المصري الحقيقي بالقضية
الفلسطينية، وحشدهم في مواجهة أي تمصير لها أو أي تعريب جديد للسياسة الخارجية
المصرية.
المقولة الأولى هي الزعم بأن الفلسطينيين من أبناء غزة - باقتحامهم الحدود
المصرية، ودخولهم إلى المدن والمناطق المصرية المتاخمة لها، إنما ينوون إما
الاستيلاء على تلك المناطق أو التوطن فيها؛ هروبًا من جحيم غزة الذي يعانون فيه
طوال الوقت، بل ذهب البعض ممن يروجون لتلك المقولة إلى الادعاء بأن ذلك يتم
بالتنسيق مع أطراف إسرائيلية، لها كل المصلحة في تطبيق هذا السيناريو.
أما المقولة الثانية، فتركز علي أن التدفق الفلسطيني المؤقت في سيناء يتضمن
مخاطر تسرب عناصر ((إرهابية)) فلسطينية إلي الأراضي المصرية، بهدف تنفيذ عمليات
إرهابية فيها ضد أهداف مصرية وإسرائيلية وأجنبية. واللافت للنظر بداية في هذه
المقولة أنها تتبنّى بالضبط المصطلحات والمضامين نفسها، التي تطلقها الدوائر
الإسرائيلية على من يحملون السلاح في مواجهة احتلالها الأراضي الفلسطينية، من
أنهم إرهابيون، وهو ما يشمل -في الفهم الإسرائيلي- جميع فصائل المقاومة
الفلسطينية، دون تمييز بين من ينتمي لـ((فتح)) أو لـ((حماس)) أو لـ((الجبهة
الشعبية)) أو لغيرها.
والأمر الثاني اللافت للنظر هو سعي أصحاب تلك المقولة من المصريين للقيام بنفس
ما يقوم به الإسرائيليون، من استغلال كون حركة حماس المسيطرة على غزة ذات توجّه
إسلامي، لكي يلصقوا بها تهمة الإرهاب دون توافر أي دليل واحد لديهم على صحة
ذلك، متناسين تماماً أن حركة حماس من الفصائل القليلة في المقاومة الفلسطينية
التي لم يسبق لها منذ نشأتها، أن قامت بعملية عسكرية واحدة ضد أهداف إسرائيلية
خارج الأراضي الفلسطينية، كما أنها لم تقم أبداً بضرب أية أهداف غير إسرائيلية
بداخل تلك الأراضي. وأن إسرائيلياً واحداً لم يقتل بأيد فلسطينية في مصر منذ
توقيعها معاهدتها مع (إسرائيل). كما أن كل المصريين الذين قُتلوا على الحدود مع
غزة -عدا واحد فقط- قُتلوا بأيد إسرائيلية وليست فلسطينية، فهل تقوم بعد كل ذلك
لمقولتهم قائمة؟
امتصاص النقمة
وفي معرض شرحه لأهمية ما يجب القيام به الآن لتجنب الآثار السلبية لتلك الحملة،
عاد الأستاذ فهمي هويدي ليؤكد دعوته بداية إلى تطهير الذاكرة مما جرى خلال
الأيام العشرة التي أعقبت اقتحام الحدود، وذلك بالوقف الفوري للتراشق والضجيج
الإعلامي، وأن يتم تناول قضايانا إعلامياً بمنطق الأعذار، وليس الإنكار،
والاحتواء وليس الاستقواء.
ويرى هويدي: إذا كانت تلك الحملة المسمومة في وسائل الإعلام الحكومية المصرية
تسعى لامتصاص النقمة الشعبية المصرية والعربية والإسلامية ضد الحصار المفروض
على غزة، فإن كل مثقف وكاتب عربي مطالب بالتصدي لهذه الحملة، التي تقف جنباً
إلى جنب مع الاحتلال الإسرائيلي ضد إخواننا في فلسطين، كما أن على كل
الإعلاميين العرب أن يعُوا أن حماس ليست هي العدو ولكن العدو هو (إسرائيل).
??
??
??
??
ص . ب: 93 - الهرم - الجيزة - مصر ت: 37811193/202 - 37811194/202 ف:
37811195/202
E-Mail: mediacenter55@hotmail.com