قصة الخلاف بين
عباس وفياض:
صراعات على الرئاسة والصلاحيات والأجهزة والميزانيات
إذا كانت حركة فتح استطاعت أن تصدر نفياً لبيان أصدرته ((كتائب شهداء الأقصى))
الذي هددت فيه بقتل سلام فياض رئيس وزراء حكومة رام الله، فقد وقفت عاجزة أمام
سيل الانتقادات التي وجهتها شخصيات من داخلها للحكومة، مطالبين إما بتغييرها أو
بإجراء تعديل وزاري يضم الأغلبية لحركتهم.
فقد بدأت الانتقادات الفتحاوية تخرج من الغرف المغلقة إلى العلن، وتكشف تلك
الانتقادات، بحسب المراقبين، مدى الأزمة التي تعيشها حركة فتح على مختلف الصعد،
وخاصة بعد أن تركتها أمريكا والأوروبيون لـ(إسرائيل) لتستفرد بهما، بمفاوضات
ثنائية، ولم يعد بمقدور المجتمع الدولي التدخل بشكل فاعل. كما أن (إسرائيل)
خذلتهما وأحرجتهما، وخاصة بعد ((أنابوليس)) واستئناف عملية الاستيطان وخاصة في
القدس، إضافة إلى الحملة العسكرية الهمجية على قطاع غزة والضفة الغربية.
نظرة حزبية قاصرة
الظاهر أن انتقادات فتح لحكومة فياض مقتصرة على أسباب حزبية (فتحاوية) قاصرة عن
تلمس المخاطر السياسية والوطنية والاقتصادية لسياساتها. فمن أهم تلك
الانتقادات: عدم تمثيل فتح في الحكومة واستبعاد قيادتها من دوائر صنع القرار،
وممارسة وزرائها الإقصاء الوظيفي بحق أبناء ((فتح)) إما بالاستغناء عنهم وإما
بعدم قبولهم في الوزارات. بالإضافة إلى قرار فياض قطع رواتب الآلاف من عناصر
الحركة في غزة في إطار إصلاحات مالية وإدارية تقوم بها الحكومة، وهم من اصطلح
على تسميتهم بتفريغات 2005. وكذلك بسبب برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يطبقه
فياض، وأهم توجهاته التحكم في التوظيف وإدارة الأموال، وإجراء تقليصات في
الأجهزة الأمنية، وإدارتها عبر إشراف أمريكي إسرائيلي، بشكل يختلف عن طريقة
محمد دحلان الذي فشل في غزة.
ويؤكد المراقبون أن النتائج المباشرة لتطبيق هذا البرنامج ستطال أساساً
امتدادات نفوذ فتح في السلطة، وهو ما دفع بعض نوابها للتهديد بالقيام بإجراءات
احتجاجية قد تصل لطرح الثقة بالحكومة ومساءلتها إذا لم يتم الاستجابة لمطالبهم.
وللخروج من هذه الأزمة، ظهر في فتح ثلاثة تيارات متصارعة، الأول يدعو لعدم
المشاركة في حكومة فياض، والالتفات لبناء الحركة، حتى لا تتحمل وزر الأخطاء
الحكومية. الثاني يدعو إلى شغل الوزارات السيادية، للحفاظ على هيبة الحركة
وحضورها. والثالث يؤيد تشكيل ما يمكن تسميته بـ((حكومة ظل)) تتابع عمل
الوزارات، وتتدخل لحماية أبناء الحركة فيها، وحل مشكلاتهم.
أبرز الانتقادات
لعل أبرز تلك المواقف المعارضة لفياض وحكومته ما ورد في مقالة لنبيل عمرو
بعنوان ((حكومتنا))، والتي نشرتها صحيفة ((الحياة الجديدة)) المحلية بتاريخ
11/12/2007. فقد وصفها بـ((كرة الثلج))، وتساءل عما إذا كانت الحكومة ((حليف
راسخ لفتح أم بديل وهمي عنها؟)). كما أقر بوجود وزراء يدورون في فلك فياض أو
يدور هو في فلكهم، وهؤلاء يهاجمون فتح في مجالسهم، ويمارسون سياسة الإقصاء
الوظيفي بحق أبنائها إما بالاستغناء عنهم وإما بعدم قبولهم في الوزارات. كما
أنه يؤاخذ الحكومة على أنه ليس لها عمق شعبي يؤهلها للاستمرار في ظل تعثّر
سياسي واقتصادي دائم، ويؤكد على أن توفير الرواتب وفرض الأمن في مدينة بعينها،
ما هي إلا إنجازات متواضعة بالنسبة لما تم الرهان عليه.
وللخروج من الأزمة، يطالب عمرو بالفصل بين رئيس الحكومة ووزرائه، ببقائه
وذهابهم، كما يوضح أنه يتعين على فياض، إن رغب في الاستمرار بمنصبه، أن يوفر
العمق الكافي له ولحكومته، إضافة إلى الورقة الأهم وهي الدعم الأمريكي المطلق
له، مقابل مبادرة فتح للانتظار والتفكير بهدوء وتوازن مراعاة لمصالح الشعب
الفلسطيني.
انتقاد عمرو المباشر لفياض دفع الأخير لأن يشكوه إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش
في لقائهما المنفرد خلال زيارته لرام الله مؤخراً، حيث وصفه بأنه دائم التحريض
على إحداث تغيير في الحكومة وتشكيلها من فتح، مبدياً تخوّفه من استجابة الرئيس
محمود عباس لتلك الضغوط.
كما ظهرت المعارضة المتصاعدة لحكومة فياض في الرسالة التي بعثتها كتلة فتح في
المجلس التشريعي إلى فياض مؤخراً تطالبه بإعادة النظر في قراره ((غير
القانوني)) بوقف رواتب الموظفين المعينين بقرار رئاسي عام 2005، إضافة للتدخلات
المستمرة لعباس لتهدئة المعارضين للحكومة داخل فتح.
فياض الرئيس القادم!
وما يعزز من مخاوف فتح من فياض، ما ذكرته تقارير إخبارية من أنه يعتزم ترشيح
نفسه لرئاسة السلطة، بدعوى أنه يتمتع بدعم مؤسسات المجتمع المدني وبعض القوى
الفلسطينية ومنظمة التحرير، والأهم وجود تيار قوي داخل فتح يدعمه. جاء هذا في
وقت أبلغت فيه جهات فلسطينية مصر والسعودية بأنه مرشح واشنطن لخلافة عباس،
وتأكيدها أن أبو مازن مستاء جداً من تصرفاته مع بعض قادة فتح وإقصاء العديد من
المسؤولين الفتحاويين، وإتاحة الفرصة أمام مقربين منه لشغل مناصب مهمة في
حكومته. بالإضافة إلى استيائه من فياض نفسه الذي بات يعامله باعتباره الشخصية
الأقوى في السلطة، وأنه في هذا السياق صرخ أمام الجميع في اجتماع ساخن ومغلق،
عقد مؤخراً في رام الله، قائلاً إن ((من جاء به هو جورج بوش وليس لأحد فضل
عليه)).
خطة دحلان
يرى بعض المراقبين أن حركة فتح لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي، لذا بدأت
محاولات للملمة صفوفها للوقوف بوجه فياض، تمثلت في الحديث عن عقد المؤتمر
السادس للحركة. ومن ناحية أخرى، لم يستبعد البعض تسريع الحوار بين حركتي فتح
وحماس بضغط من قيادات فتحاوية، لمحاولة تشكيل عائق أمام تنفيذ فياض للانقلاب
على السلطة، وبعد أن شعروا بأنه قد يكون الرئيس القادم.
فقد كشف موقع ((ديبكا)) الاستخباراتي الإسرائيلي عن خطة يقودها محمد دحلان بدعم
من مروان البرغوثي وأحمد قريع، تقوم على ممارسة الضغط على أبو مازن لإقالة فياض
وتعيين رئيس حكومة بدلاً عنه، وممارسة ضغوط على الوزراء، وعقد اللجنة المركزية
للحركة تحت شعار إعادة قوة القرار ليد فتح، وتهديد مسؤولين في الضفة الغربية،
بدأوا بالتعاون مع فياض، والعمل بسرعة في ظل تخوفات أن يتمكن من شراء نفوذ
شخصيات مستقلة بالأموال المتوقع الحصول عليها من الإدارة الأمريكية وأوروبا،
وهو ما نفته جهات أخرى في الحركة.
تهديدات جدية
في الوقت الذي طالب فيه تيار فتحاوي بحل دبلوماسي، ظهر تيار آخر أخذ على عاتقه
التخلص من فياض وحكومته، تقوده كتائب شهداء الأقصى التي أصدرت بياناً طالبت فيه
عناصرها بتصفيته جسدياً، كما طالبت وزير الداخلية في حكومته عبد الرزاق اليحيى
بتقديم استقالته بسرعة و((ذلك حتى لا يكون هدفاً لرجالنا في الضفة الغربية)).
داعية الرئيس ((أبو مازن)) إلى تفكيك حكومة رام الله ((وذلك لأنها تجاوزت كافة
الخطوط الحمراء وأعلنت أنها عميلة أمام مرأى العالم كله))، مطالبة إياه ((وقف
((المهازل)) التي تقوم بها بإعادة الرواتب لعشرات العسكريين وللكتائب، والتي
قطعها فياض وأتباعه في الحكومة الموالية للإدارة الأمريكية وللاحتلال
الإسرائيلي)).
ويبدو أن فياض يأخذ التهديدات بقتله على محمل الجد، فقد كشفت مصادر أمنية
فلسطينية عن وجود مخطط يقضي بتسليم مهام الحراسة في مقر المقاطعة برام الله
لشركات ومؤسسات أمنية أمريكية، مشيرة إلى أن تسريح أفراد عناصر حرس الرئيس قبل
زيارة بوش للمقاطعة جاء ضمن دارسة هذا المخطط.
خلاف جذري
إذا كان أبو مازن هو رجل الولايات المتحدة في فلسطين ومؤيداً للتسوية مع
(إسرائيل)، وإذا كان سلام فياض مدعوماً من واشنطن ومن الحكومة الصهيونية
والاتحاد الأوروبي، فإن هذا لا يعني أن العلاقة بينهما صحيحة وجيدة، إذ إن هناك
خلافات جذرية تجعل العلاقة بين الرجلين معركة دائمة تدور تحت الطاولة ولا يبرز
منها إلا القليل.
وهناك محاور أساسية في الخلافات بين عباس وفياض ومنها:
1- فياض يسعى إلى الزعامة والإطاحة بأبو مازن، وقد يرشح نفسه للانتخابات
الرئاسية القادمة، وهو سعى إلى تشكيل حزب سياسي جديد من شخصيات فلسطينية مستقلة
ومن حركة فتح، واتهم بأنه يبني حزبه على أنقاض فتح مستفيداً من شراء ذمم هؤلاء
بأموال أمريكية وأوروبية.
2- أبو مازن يخشى على مستقبله من فياض المدعوم أوروبياً وأمريكياً وإسرائيلياً.
وفي وقت تتوتر فيه علاقة أبو مازن بمصر وبعض دول الخليج، يخشى أبو مازن أن يتفق
هؤلاء جميعاً على اسم فياض للرئاسة القادمة.
3- أبو مازن يشعر أن فياض يحاربه في كافة مواقعه، ومنها ما حصل حول معبر رفح.
أبو مازن يعمل لأن يكون المعبر تحت إشراف الحرس الرئاسي، بينما يحاول فياض أن
يكون المعبر تحت إدارة أجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية والحكومة. لذلك لم
يصطحب أبو مازن فياض معه في زيارته لمصر التي ناقش فيها مسألة المعبر.
في المقابل، حاول فياض أن يظهر رأيه بوضوح في الأزمة، ورد على تجاهل عباس له
بأن قام بعقد مؤتمر صحفي في الضفة وبإجراء حوار تلفزيوني مع قناة العربية.
4- إن أكبر أزمة تواجه فياض في الشارع الفلسطيني، هي ارتباطه بالاحتلال، فهو
ينسق أمنياً مع الاحتلال ويلاحق المقاومين ويعقد صفقات معهم لضمان أمن
(إسرائيل). وهذه ثغرات يستغلها أبو مازن ضده.
عائق في وجه الوحدة
العلاقة التكافلية بين فتح وحكومة فياض، التي أملاها الحسم العسكري لصالح حماس
في غزة، كان لها نتائج عكسية على فتح -بحسب المتابعين-، إذ تنسب للحركة كل
إجراءات الطوارئ غير الديمقراطية التي أقدمت عليها الحكومة، بينما تنسب
نجاحاتها ((الإصلاحية)) إلى فياض وحكومته، لأنه ما كان لها أن تستمر دون
((الغطاء)) الذي وفرته لها حركة فتح.
ويشير المحللون إلى أن خطورة استمرار حكومة فياض تكمن بوصفها ((طفيلية)) لا
تعيش إلا على قاعدة الانقسام الفلسطيني، وعلى قاعدة الدعم الخارجي، فهي تناور
لإيهام فتح بـ((تحالف)) معها، لأنها لا تستطيع التواجد دون تحالف مع أحد طرفي
الانقسام الوطني. وهذا تحالف تكتيكي من مصلحته استمرار الفرقة لكسب الوقت
وترسيخ الأقدام، بانتظار أن يتحول هذا الطريق إلى ((بديل)) لكلا الطرفين،
وبالتالي فإنها تمثل العقبة الرئيسية أمام استئناف الحوار والعودة إلى شراكة
حقيقية بين حركتي حماس وفتح تؤسس لوحدة وطنية.
ويؤكد المحللون أن مفتاح الوحدة بيد فتح، وبوابتها هي إقالة الحكومة التي وصلت
إلى الحكم وتستمر فيه بفضل ((الدعم الأمريكي المطلق لها))، على قاعدة إدامة
الانقسام، متوقعين في الوقت نفسه اتساع المعارضة لفياض وعدم استمرار ((الغطاء))
الفتحاوي له طويلاً، ولن يمر وقت طويل قبل أن يجد نفسه في مواجهة فتح موحدة في
معارضتها لحكومته.