بكلفة 170 مليون
دولار والانتهاء أواخر 2010 وبملاحظات كثيرة عليه:
إطلاق المخطط التصميمي لإعادة إعمار مخيم نهر البارد
بعد حوالى ستة أشهر على انتهاء معارك نهر البارد بين الجيش اللبناني وجماعة
((فتح الإسلام)) عرضت الحكومة اللبنانية المخطط التصميمي لإعادة الإعمار. تباطؤ
غير مبرّر أثار الشكوك من جانب الفلسطينيين، وساد شعور بأن هناك من يريد أن
يستأثر بعقود الإعمار المغرية. عرض المخطط لم يبدّد كل الشكوك، بل أضاف ملاحظات
طالت العديد من الجوانب.
المخطط التصميمي
أطلق رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة المخطط التصميمي لإعادة إعمار مخيم
نهر البارد والمناطق المجاورة. وتبلغ كلفة إعادة إعمار المخيم القديم مئة
وسبعين مليون دولار، بينما المخيم الجديد 50 مليون دولار. وإن كانت هذه التكلفة
غير نهائية. وكانت المسائل الأمنية الحاضر الأكبر في تصميم المخطط، وأصرّ الجيش
اللبناني على رفض إعادة إعمار الواجهة البحرية بعمق داخل المخيم ما بين 50 إلى
75 متراً، وتكرّس هذا القرار عملياً في المخطط، لتصبح هذه الواجهة منطقة شبه
عسكرية، مع إمكان إنشاء مشاريع صغيرة قابلة للضبط والرقابة. ويُسمح فقط لوكالة
غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) بإعادة بناء مبانيها المهدّمة، على
اعتبارها مؤسسة دولية تابعة لهيئة الأمـم المتحدة. ويتوجس الفلسطينيون من أن
يُطبّق هذا النموذج (الشريط الساحلي) في مخيمات محاذية للبحـر، كمخيـم الرشيدية
مثلاً.
ويصرّ الجيش اللبناني على هذا الشريط الساحلي الذي يفصل المخيم عن البحر
لاعتبارات أمنية. ويخشى الفلسطينيون أن تُسيطر هذه الاعتبارات على طريقة
التعاطي معهم، دون نظر لمعاناتهم الإنسانية، وحقوقهم المدنية. بالإضافة إلى ذلك
ستضع القوى الأمنية اللبنانية عدداً من المخافر في داخل المخيم، وتنشر الجيش
على أطرافه، ويُمنع أي تواجد فلسطيني مسلّح داخل المخيم. وهناك توجه إلى إلغاء
كل بناء تحت الأرض بما فيها الملاجئ.
المخطط الذي وضعته الحكومة اللبنانية والأنروا وممثلون عن منظمة التحرير (دون
سواها من الفصائل ما أثار الاستغراب) جرى التنسيق أثناء وضعه مع اللجنة الأهلية
المنبثقة عن نازحي مخيم البارد، وهي لجنة مشكلة أساساً من المهندسين. وبعد أن
كان الحديث يدور حول المسؤولية المشتركة للأنروا والحكومة اللبنانية في تنفيذ
مخطط إعادة الإعمار، أصبح القرار هو أن تتولى (الأنروا) مسؤولية التنفيذ، بينما
الدولة اللبنانية تبقى مستعدة لتقديم الدعم اللوجستي والتقني.
وحاولت اللجنة الأهلية إدخال عدة تعديلات على التصميم بالاتفاق مع الحكومة
اللبنانية، كما يقول أحد الناشطين الاجتماعيين في المخيم دون أن يرشح أي نجاح
عن محاولاتها. فطلبت أن لا تتجاوز الطرقات الداخلية في المخيم عرض ثلاثة أمتار،
بدل خمسة أمتار كما ينص المخطط. أما الشارع الرئيسيّ في المخيّم فسيكون بعرض
اثني عشر متراً. وحسب المخطط فإن الطرقات ستحتلّ حوالى 37 بالمئة من مساحة
المخيم، وهو رقم كبير، وسيكون على حساب مساحة البيوت، التي ستكون ما بين 55 و90
م2، وبهذا لا يتسع البيت لعائلة كبيرة من عائلات مخيم نهر البارد، التي يتجاوز
معظمها خمسة أفراد للعائلة الواحدة. كما أن المخطط الجديد لا يراعي المساحات
السابقة للبيوت، فيفتقر إلى العدالة في التوزيع.
وستتفاوت الأبنية ما بين طبقتين وثلاث وأربع طوابق كحدّ أقصى، على أن يلتزم من
يريد البناء لاحقاً بالقوانين اللبنانية المرعية الإجراء في تنظيم البناء. وهذا
يبدو غير واضح، فهل سيُعامل المخيم كغيره من المناطق، فلا يستطيع صاحب البيت
زيادة طابقاً إضافياً، ومعلوم أن الفلسطيني لا يستطيع التملّك، فهل المقصود هو
التهجير؟ ورغم ذلك استطاعت اللجنة الأهلية أن تثبّت في المخطط شرط النسيج
الاجتماعي عبر إعادة الجوار نفسه الذي كان قائماً قبل بداية الأحداث، فمثلاً
((حي صفوريه)) سيُعاد بناؤه بالتسمية نفسها، وإعادة السكان أنفسهم إلى المنطقة،
وكذلك ((حي سعسع))، وغيره من الأحياء. وهذا الأمر طمأن الأهالي، من حيث تشديدهم
على المحافظة على العادات والتقاليد التي كانت سائدة، ويعتبرونها جزءاً من
التمسك بالعودة إلى قراهم التي هُجّروا منها.
تركيب بيوت
وإذا كانت التكلفة التي وضعتها الحكومة اللبنانية سابقاً (249 مليون دولار) لم
تتضمن التعويض عن التجار الذين خسروا ممتلكاتهم وأرزاقهم، وخصوصاً تجار الذهب
والقطع الكهربائية والأدوات الصحية إلاّ أن الخطط الجديدة تشير إلى التعويض عن
التجّار في المخيم ما خسروه من محلات وتجهيزات وبضائع وتوقف عن عمل، مع تعويض
التجار اللبنانيين أيضاً ما خسروه من توقف عن العمل. ويُشار إلى أن تجّار مخيم
نهر البارد قدّموا دراسة عن خسائرهم. لكن البعض يشكّك في التعويض الكلي، لأن
موجودات التجار قبل الحرب تُعدّ بمبالغ طائلة، كما أنه لا توجد وثائق تثبت
حجمها، لأن الأوراق المالية أُحرقت أو أُتلفت.
لا يمكن الجزم بأن المبلغ المتوقع لإعادة الإعمار سيبقى ثابتاً، إذ يشير العديد
من أهالي المخيم الجديد في نهر البارد، إلى أن الكثير من المباني معرّضة
للسقوط، ويقارب عددها 75 مبنى. وهناك الكثير من الاقتراحات حول توسعة مخيم نهر
البارد لتخفيف الاكتظاظ السكاني، وبعضها يقترح أن تجدّد الأنروا عقود الإيجار
لبعض الأراضي التي استاجرتها من أجل وضع بعض البيوت الجاهزة لنازحي المخيم،
إلاّ أن الأنروا بقيت مصرة على مساحة الأرض الأصلية للمخيم البالغة حوالى 195
ألف متر مربّع. بينما يرى البعض الآخر أن أيّة توسعة للمخيم، ربّما تثير عاصفة
انتقادات من القيادات اللبنانية المصابة بفوبيا التوطين، فالأَولى، حسب اعتقاد
هؤلاء، إعادة إعمار المخيم، وبعدها يتم الحديث عن أفكار جديدة لا تثير مخاوف
أحد، أو تعيق عملية إعادة الإعمار.
أزالت الأنروا حتى اليوم خمسين ألف متر مكعب من الركام، ويتوقع مدير الأنروا في
لبنان ريتشارد كوك مواجهة عشرة أضعاف هذه الكمية. ووعد بجولة على الدول المانحة
من أجل جمع المبلغ المطلوب. إذ حتى الآن لم تستطع الأنروا جمع أكثر من نصف
المبلغ المطلوب. عاد إلى المخيم الجديد لغاية اليوم أكثر من 1000 عائلة، وبدأت
الأنروا بتركيب ثلاثمائة وحدة سكنية من البيوت الجاهزة في تخوم نهر البارد،
تُضاف إلى 128 وحدة رُكبت من قبل. وكما يقول كوك فإنها ستتوسع إلى 1500 وحدة
جاهزة قريباً بمجرّد تأمين الأرض اللازمة. وقامت الأنروا مؤخراً بدفع بدلات
الإيجار لحوالى 3318 عائلة نازحة. على الرغم من ذلك فإن هناك 560 عائلة لم
تتلقّ بدلات الإيجار من (الأنروا). ما حدا بهذه العائلات إلى التظاهر مطالبة
بحقوقها المالية. وقال إمام مسجد القدس الشيخ حمزة قاسم أنه اتصل بالسفارتين
السعودية والإماراتية، وتبلّغ منهما أن ((أسماء العائلات الـ560 موجودة على
اللوائح، إلا أن ما حدث أن هناك 70 اسماً وهمياً موضوعاً)). وشدّد على ((أننا
نريد أن نعرف من وضع تلك الأسماء، ومن قبض تلك الشيكات، وأين ذهبت أموالنا؟))،
مهدداً بخطوات تصعيدية ((ستبدأ في المرحلة المقبلة إذا لم نحصل على حقوقنا)).
ثلاث سنوات
لا يُتوقّع أن تنتهي وكالة (الأنروا) من إعادة إعمار مخيم نهر البارد قبل ثلاث
سنوات، وأبلغت المفوضة العامة للوكالة كارين أبو زيد بعض أهالي المخيم بأن
إعادة الإعمار ستنتهي أواخر عام 2010. واستمرّت الجمعيات الخيرية (NGOs) بدفع
1800 دولار لكل عائلة قادمة للسكن في المخيم الجديد، وذلك لإجراء بعض التصليحات
البسيطة، وتقوم جمعية الإغاثة الإسلامية بتوفير خزانات المياه، بينما يزوّدها
الصليب الأحمر بالمياه. ويُلاحظ أن طرقات المخيم الجديد لم تُعبّد بعد. وسمحت
السلطات اللبنانية لسكان المخيم القديم بتفقد مساكنهم لنصف ساعة، ويتطلّب ذلك
التقدّم بطلب الحصول على إذن بالدخول، وقد يستغرق ذلك عدة أسابيع. وفي الوقت
نفسه فإن الإجراءات المتّبعة على مداخل المخيم الجديد شهدت تخفيفاً ملحوظاً.
فالحصول على تصريح للدخول أصبح يستغرق ما بين أربعة إلى سبعة أيام (كان في
السابق أسابيع). وكذلك المرور على الحاجز، أصبح يكفي إبراز البطاقة حتى يستطيع
ساكن المخيم المرور.
على الرغم من بعض الإيجابيات التي حملها مشروع إعادة إعمار مخيم نهر البارد
إلاّ أنه مع ذلك هناك العديد من الملاحظات والاستفسارات، فقد كان من المفاجئ أن
تنسّق الحكومة اللبنانية مع منظمة التحرير الفلسطينية ومن يستأثر بقرارها
السياسيّ دون سواها من التجمعات السياسية الفلسطينية. مع العلم أن المنظمة لم
تبدِ أي دور مميّز، حتى لا نقول إيجابياً، خلال معارك نهر البارد. كما أن هناك
اختلافاً بين الفلسطينيين حول دورها وأدائها. وكان من الأفضل، لو يجري التنسيق
مع كل الأطياف الفلسطينية، حتى يحظى أي حلّ بالغطاء اللازم. وخاصة أن التاريخ
المالي لمنظمة التحرير في إعادة الإعمار، إذا ما أخذنا إعادة إعمار مخيمات
بيروت في عام 1985، لم يكن على ما يُرام.
هناك مخاوف فلسطينية جديّة من الإبطاء بعملية إعادة الإعمار، لأن ذلك يعني
أولاً إطالة أمد النزوح، واستفحال آثاره الاجتماعية والنفسية والاقتصادية على
النازحين. وثانياً إن الوضع الأمني في لبنان غير مستقر، والحوادث الأمنية تكاد
تحدث يومياً، وهناك خشية من تفجّر حرب أهلية –لا سمح الله-، ومعنى ذلك أن قضية
عودة النازحين ستصبح في مهبّ الريح. لذا فإن الإسراع بإعادة الإعمار، مع وضع
المبالغ بحوزة الأنروا دون سواها، يمكن أن يشكل خطوة احتياطية تحسباً لتفجّر
الأوضاع في لبنان.
ترى بعض القيادات الفلسطينية أن التعويضات المبالغ فيها لجوار المخيم، يجب أن
لا تشكل استفزازاً للفلسطينيين، بل على العكس، فإن ذلك قد يريح الوضع الفلسطيني
في مخيم نهر البارد، ويجعل الجوار اللبناني أكثر قبولاً للعودة الفلسطينية،
وخاصة أنه بالآونة الأخيرة بدأ تطبيع جدّي بين فلسطينيي المخيم العائدين
والجوار، وانعكس ذلك إيجابياً على الجانبين.
وعلمت مجلة ((فلسطين المسلمة)) أن هناك قراراً متخذاً بأنه من يملك بيتاً في
المخيم الجديد، لا يمكن له استعادة بيته في المخيم القديم، ومعنى ذلك أن هناك
9000 فلسطيني سيفقدون أملاكهم في المخيم القديم.
وأخيراً فإن إعادة الإعمار، والمبالغ الكبيرة التي من المتوقع أن تُصرف، تفرض
الشفافية، وإطلاع الجمهور على كل مراحل الإعمار، حتى يطمئن الفلسطيني النازح
إلى الوجهة التي تصرف فيها الأموال، ولا تكون الأقاويل، صحّت أو لم تصحّ، هي
الفيصل في العلاقة بين النازحين من جهة، ووكالة (الأنروا) والحكومة اللبنانية
من جهة أخرى.