|
بين
زنزانتين..!
لمى خاطر
هل أتاكم نبأ قلوب صفدها وجع التمزق الدائم وبات الأسر واقعاً أزلياً لأيامها؟!
هل أتاكم نبأ الكماة الملاحقين تحت كل سماء، المنكوبة حريتهم حيثما ولّوا
وجوههم؟!
هل أتاكم نبأ أسراب الجراد حين تسطو على خصب العزائم وتنهش توقدها لتذر ديارها
قاعاً صفصفاً؟!
في فلسطين.. في ضفتها المطوقة بجنازير القهر وعيون الوشاة صار لوطنية (حماة
القرار المستقل) مفهوم خاص، غدا معه اعتقال المجاهدين حفظاً للنظام، ودهم
جمعيات الأيتام ودور الزكاة تجفيفاً لمنابع (الإرهاب)، وقمع براعم المقاومة قبل
تفتحها بطولة وضمانة لاستتباب الأمن!
في الضفة المفتوح جرحها على مصراعيه والواقفة على مشارف الابتلاء أبداً، يساق
الأباة من زنزانة إلى أخرى في دوامة مناوبة مكشوفة بين المحتل ووكلائه الطائعين.
ما بين (الجنيد) الخاضع لوصاية أذناب جنرالات أمريكا و(مجدو) المكبل بحراب بني
صهيون، تتعدد ألوان الجلادين ولكناتهم، وتتشابه قلوبهم ومفردات ألسنتهم وهي
تسلق الأحرار بسقط كلامها ونعيب تهديدها!
ما بين (وقائي بيتونيا) و(عوفرها)، تتصاعد دعوات الصابرين أنفسهم الذين قدر لهم
أن يذوقوا المر مرتين/ إحداهما أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام وطعن القنا.
في نابلس التي أشعلت جبالها نار الانتفاضات وأدامت توقدها بزيت صبرها وكبريت
بارودها، فيها تصول عصابات الجبن والنذالة، بعد أن باعت سلاحها بثمن بخس قوامه
تأمين على الحياة، وإعفاء من الاستهداف، ونيشان يقلدها إياه جنرال أمريكا
الواقف بسوطه على رقاب عبيده، يشهد على حسن بلائهم في (تطهير) الأرض من حماتها
الحقيقيين، وإجلاء من يستعصي منهم على التطويع إلى مدافن الأحياء التي يحفر
المحتل قبورها لوأد إرادة الأحرار.
في الخليل ورام الله وبيت لحم، ما إن تنقضي سنوات وشهور العتمة التي يمضيها
رجالها في سجون المحتل حتى تصفد حريتهم مجدداً بسلاسل أجهزة الأمن (الفلسطينية)،
التي ما عاد في اعتبارها وزن لمعنى أن تحتجز أسيراً محرراً من سجون العدو، ولا
دلالة أن تذيقه صنوفاً من التعذيب، وتستجوبه كمجرم وهو الخارج لتوه من معامل
البطولة ومصانع العزيمة.
في الضفة المبتلاة فوارسها بأن تذوق لسع السياط من كل اتجاه، وأن تكتوي ظهورها
بنارين، يجتبي الله الأخيار ليعاركوا وطأة المحن فيجري مرها على ألسنتهم شهداً،
وتنتصب ضلوع صدورهم متاريس تصد رياح الاقتلاع، وتخلص للصف الماضي على طريق الحق
صفوة الرجال وخيرة من أنجبت فلسطين.
يدرك الأخيار أن احتدام العاصفات العواتي ضريبة لا بد منها، وأن أجل الظلام
حائق لا محالة، وأن توقد الفجر في حنايا النفوس الأبية سيلهم هممها جلداً
وتصبراً ومغالبة للباطل حيثما كان وبأي لباس تزيا.
أما الذين يتحدث واقعهم بغير لسان مقالهم، فلن تسعفهم أقنعة الخديعة في استغفال
عقول من شهدوا قتامة عهدهم أو عايشوا مقارفتهم جرائم التنسيق الأمني والتواطؤ
مع المحتل في الحرب على أهل الجهاد وذخيرة الصمود الفلسطيني، وما كانت دعواتهم
للوفاق بعد طول صد وعنت وارتهان للإرادات الدخيلة لتردم الحقائق الصارخة على
الأرض، التي تتحدث يومياً عن نفسها ويتصاعد صوتها من خلجات الحناجر المخنوقة
والحريات المغيبة وزنود الرجال التي تقطر كمداً ووجعاً.
كم من الوقت تراه سيمضي حتى يعود للضفة ألقها الذي سطت عليه بساطير العتمة؟
وحتى يشرق ثغرها بدفء إياب حماتها لعرينهم، لتذوق طعم جهادهم كما كان دأبها،
وتنتشي دروبها بعظيم صنيعهم؟!
هي الأيام يداولها الله بين الناس، وما اشتداد الأزمات وإيغال الظلام بطوله إلا
إيذان بدنو مرحلة الانعتاق من القيد وتنسم عبير عهد العزة والانفراج، وما ذلك
على الله بعزيز.
|