قبسات
وفي الليلة الظلماء يفتقد المثقف
هي أزمة قديمة متجدّدة، بدأت منذ أن صار
السياسي سياسياً، والمثقف مثقفاً، منذ أن أعلن السياسي نفسه صاحبَ قرارٍ نافذ
لا يُردّ، ورأيٍ سديد لا يُصوّب، ومنذ أن أعلن المثقف نفسه رائد الأهل الذي لا
يكذب، وضميرهم الذي لا يخون.
ولمّا اتسعت الهوة بين السياسي وبين الناس، بدأت بالظهور ملامحُ أزمة جديدة،
وعلاقةٌ إشكالية بين المثقف والسياسي، وما لبثت هذه الأزمة أن انتقلت مِن دائرة
مَن يحمل المفاهيم إلى دائرة المفاهيم والمصطلحات نفسها، ولم يعد غريباً أن
نقرأ ونسمع ونكتب عن جدلية العلاقة بين الثقافة والسياسة أو بين المثقف
والسياسي.
الحديث عن أبعاد الأزمة المطروحة بين الرجلَين أو بين المفهومين حديث ذو شجون،
صعبٌ وشائك ومعقّد، ومن المضحك المبكي أن كل مسألة تتعلق بالقضية الفلسطينية
تكون معقدة أكثر بكثير من نظيراتها اللاتي لا شأن لهن بفلسطين ولا بتعقيدات
وضعها الداخلي والخارجي، وبالتالي فإن موضوعاً كهذا أكبر من أن يُطرح في هذه
السطور القلائل، غير أن الحرّ تكفيه الإشارة، وإشارتنا إلى الأحرار نلخصها في
هذا المشهد:
التفّ المثقفون الفلسطينيون على وجه الخصوص خلف السياسة التي رفعت بندقية
المقاومة، كتبوا لها مخلصين، ومنهم من كتب بالدم قبل المداد، وحشدوا الناس وراء
خيار البندقية وكانوا خير سندٍ للسياسي المقاوم الثائر.
ثمّ غيّر السياسي نهجه، ورمى بندقيته، ومن كان يناضل ضد الاحتلال بالأمس القريب
غدا بقدرة قادر شريك سلام تفتح له الأبواب، ويُفرش له السجاد الأحمر، فسبحان
مغيّر الأحوال!!
وحبكة مشهدنا تكمن في أن مجموعة المثقفين الذين عاشوا المرحلة وعايشوا تفاصيلها،
انقسموا إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول حرف بوصلة قلمه وفكره لتنسجم مع الوضع
الجديد، وتكون حجر شطرنج بيد السياسي يحرّكها أنّى شاء ومتى شاء وضدّ من شاء،
فآمنوا بالسلام، وهاجموا المقاومة التي استماتوا في الدفاع عنها بالأمس القريب،
وتراجعوا عن كلّ نصّ إبداعي كتبوه إن كان يحتوي على عبارات تدفع باتجاه
المقاومة، ولا يخفى عليكم ذلك الشاعر الذي ملأت أصداء قصيدته الشهيرة الآفاق،
ثمّ تحول إلى مستشار أمني في إحدى سفارات السلطة الفلسطينية لدى دولة عربية
شقيقة!
أما القسم الآخر فوقف على الحياد، ومثّل ببراعة دور المثقف العاجز، الذي لا
يملك لنفسه ولا لشعبه ضرّاً ولا نفعاً، كسر صاحبنا قلمه، وجلس في بيته وعلى رأي
الإخوة الرياضيين «اعتزل الملاعب»، ويا لخسارة الرجال!!
أما الصنف الثالث فهم القلّة الذين ثبتوا، وظلّت أقلامهم بنادق مشرعة لا تلين،
ظلّ يحمل فكره الذي حمله منذ نعومة الأظفار، وبدايات التعرف على القضية
الفلسطينية، لم يعرف التزلّف لأحد، ولم يتقن النفاق الذي أبدع فيه غيره، وقف مع
السياسي عندما رفع راية المقاومة، ووقف بوجهه عندما أسقطها، فعن هذا وعن أمثاله
نقول «وفي الليلة الظلماء يفتقد المثقف!!».
أصداء
أين المشكلة؟
تعاني المؤسسات التي تعنى بالشأن الثقافي الفلسطيني عجزاً شبه
تامّ في حشد الجماهير لحضور فعالياتها التي تختص بالشعر تحديداً، فترى المؤسسة
أتت بشعراء كبار جداً من شتى بقاع الأرض، يغنون فلسطين، ويمجدون المقاومة،
ويترنمون بدم الشهداء، ويحفرون أمجادهم في قلوب الناس شعراً، ثمّ تحجز أفضل
الصالات وتجهز الإضاءات والديكورات الفارهة حتى يكون العمل مرضياً لأكبر شريحة
من الناس، آخذة بعين الاعتبار أن رضى الجميع غاية لا تدرك، وأن ما لا يُدرك
كلّه لا يُترك جلّه!!
وغريب أن تجد أنشطة ثقافية تنظم لشعراء من مختلف الألوان، تحتشد بهم القاعات،
لكن شعرهم بعيد عن الهمّ الوطني أو شعر المقاومة.
فهل نحن حقاً أمام جمهور لا يحب الشعر ولا يروق له الاستماع والاستمتاع به، أم
نحن أمام أزمة عنوانها العريض «غياب الرموز»؟