محاولة
استشراف المستقبل:
ما هو مصير كيان متعدّد القوميات يعتمد على القوة الدموية؟
إذا ما اعتبرنا بداية أن عوامل قيام هذا الكيان الاستيطاني هي نفسها التي
انقلبت الآن إلى عوامل تسرع انهياره، وأن المجتمع الصهيوني يحمل في داخله الآن
العديد من أسباب انهياره؛ فإن المتوقع أن تزداد معدلات انهيار هذا الكيان. فإذا
ما أخذنا على سبيل المثال الخسائر الاقتصادية الفادحة التي يعاني منها المجتمع
الصهيوني نجد أن طرق علاجها خلقت مشكلات أكبر من المشكلة الاقتصادية نفسها، فقد
لجأت حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة إلى تقليص مخصصات ومعاشات طبقات واسعة
من المجتمع الصهيوني خاصة المتوسطة والفقيرة منها، حيث أَضرت التقليصات بفئات
مثل المعوقين، والعاطلين عن العمل، والأطفال والعجائز، وبقطاعات كالتعليم، حيث
تم إلغاء 300 ألف ساعة تعليم، وإقالة 15 ألف معلم، وارتفعت رسوم التعليم لطلاب
الجامعات بمعدل يتراوح بين 10 إلى 20%.
وبالنسبة للجيش فقد تم تخفيض منحة الجنود المسرحين بنسبة 10%، أما في قطاع
الصحة، فقد شملت التقليصات مخصصات التأمين الوطني، والتي ستضر بقرابة 3 ملايين
إسرائيلي، إضافة إلى متلقّي مخصصات الأطفال الذين تقلصت مخصصاتهم بنسبة 35%
خلال العامين الماضيين. ويؤكد الخبراء أن خطط تقليص النفقات، رغم ما سوف تحدثه
من رفض قطاع كبير من المجتمع الصهيوني لسياسات حكوماته؛ فإنها ستأتي أيضًا في
وقت يزداد فيه نزيف الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية، ما دامت الاعتداءات
الإسرائيلية قائمة والأمن غير مستقر؛ نظرًا لانعدام الاستثمارات والسياحة
وتدهور قطاع الأعمال والصناعة والبناء والزراعة.
وما يقال عن المعالجة الخاطئة للأزمة الاقتصادية يقال نفسه عن استشراء الأمراض
الاجتماعية المختلفة، ومن هذه الزاوية فإن توقعات النهاية الإسرائيلية واردة
لدى العديد من الاستراتيجيين العالميين وحتى الإسرائيليين. إذ تحدث عنها بوضوح
ومباشرة كل من المفكريْن «جاك آتالي» و«يوسي بيلين»، وهذا التوقع يستند إلى
نظرية الاستقراء التاريخي، القائلة بأن الدول التي تعتمد على القوة لوحدها
سرعان ما تجد نفسها غير قادرة على تبرير ممارستها لقوتها كاملة. كما تشير هذه
النظرية إلى أن القوى الخليطة متعددة القوميات تموت موتاً بطيئاً، ولكنه دموي.
وهذه المقومات موضوعية وتجد تطبيقها في الحالة الأمريكية في فيتنام، وفي نظام
جنوب أفريقيا وغيرهما من الأمثلة.
في مثل هذا الوضع من التفكك العام سياسياً واجتماعياً، قد يتوصل المزيد من
المستوطنين مواطني دولة هذا الكيان إلى استنتاج بأنه لا توجد جدوى حتى من
التظاهر، لذلك هناك احتمال أن تترسخ حركة رفض الخدمة في الضفة الغربية رويداً
رويداً، ويندلع عصيان من دافعي الضرائب ضد سياسة الحكومة الاقتصادية، بينما
يتفكك المجتمع الصهيوني خلال ذلك.
وإذا ما انتقلنا إلى تتبع سبب آخر من أسباب انهيار المجتمع الصهيوني، وهو
المقاومة العربية؛ فإننا هنا نحاول أن نجيب عن تساؤل: هل المقاومة لهذا الكيان
السرطاني في الجسم العربي سوف تستمر بالوتيرة نفسها، أم سوف تخفت، أم سوف ترتفع
وتيرتها؟ وما أثر ذلك على الداخل الإسرائيلي؟
ومع كل الدعم الدولي السافر لعدوان دولة الاستيطان الصهيونية على الشعب
الفلسطيني ومن بعده الشعب اللبناني فإن الشواهد العامة تؤكد أن مقاومة هذا
الكيان السرطاني سوف تستمر، بل سوف تزداد لعدة أسباب أهمها:
أولاً - طبيعة المقاومة نفسها؛ فإرادة
الشعب لم يتم كسرها، رغم كل الضربات القاسية التي سددت لها، وقد سبب هذا دهشة
الجنرالات والمعلقين الصهيونيين؛ لقد حُطِم اقتصاد الفلسطينيين، وأصبحت حياتهم
جحيمًا، ومع هذا يؤيد الجمهور الفلسطيني الاستمرار في الكفاح (اكتساح حماس
ببرنامجها المقاوم للانتخابات التشريعية نموذجاً)، وقد وصف أحدهم الصراع
الإسرائيلي - الفلسطيني بأنه صدام بين قوة لا يمكن مقاومتها وشيء لا يمكن
تحريكه.
ثانياً - الجماهير العربية؛ فمن الواضح أن
النظم العربية ليست على استعداد لأن تشهر سلاحاً واحداً دفاعاً عن الفلسطينيين،
وهي غير قادرة كذلك على إغضاب الأمريكيين، ولكن موقف المثقفين والجماهير مختلف
تمام الاختلاف، فتعاطفهم مع الفلسطينيين كبير إلى أقصى حد. ورغم أن هذا الوضع
لا يسبب الضيق لهذه الأنظمة الآن، ولكن إن حدث شيء يسبب غضب الجماهير إلى درجة
أنه قد يعرض استقرار هذه النظم للخطر؛ فإن الموقف سيتغير تماماً فجأة وتوجد
جماعات قومية وإسلامية معارضة في البلاد العربية تنتظر اغتنام هذه الفرصة، وليس
أدل على ذلك من أن إحدى المظاهرات في المغرب اشترك فيها مليون شخص قامت لمساندة
الشعب الفلسطيني ضد العدوان الإسرائيلي الغاشم، بل إن النساء في السعودية
تظاهرن ولأول مره في شوارع المدن السعودية لهذا السبب أيضاً.
وقد باءت بالفشل كل محاولات تجريد الصراع من طابعه الديني والقومي، وتحويله إلى
صراع جغرافي بين الكيان الصهيوني والمتاخمين لحدوده والفلسطينيين طبعاً، ما
يعني تحوّل الصراع إلى مسألة حدودية وتحييد الدعم العربي والإسلامي للقضية، لكن
هناك عدة معوقات وقفت وتقف حائلاً دون ذلك أهمها: طابع مدينة القدس؛ لأنها تعيد
للصراع طابعه الديني والقومي. وليس أدل على ذلك من تحريم البابا شنودة الثالث -
بابا الكرازة المرقصية بالإسكندرية - لزيارة الأقباط للقدس، وهي تحت سيطرة دولة
الكيان الصهيوني، بالرغم من اتفاق السلام الموقع بين مصر ودولة الكيان الصهيوني.
فالقدس تُفشل المشروع المعد للمنطقة، عبر تحييد مصر وإفقار دول الشام التاريخية
وتقنين الوفرة في العالم العربي الإسلامي، وهكذا فإن التركيز على القدس يأتي
منسجمًا مع قيمتها المعنوية الرمزية.
ثالثًا - ثمة حدود للدعم الأمريكي لحكومات
دولة الكيان الصهيوني المتعاقبة، وقد تكون إدارة بوش هي أسوأ الإدارات من وجهة
نظر فلسطينية ولبنانية في دعمها السافر للعدوان الصهيوني الغاشم، إلا أن هذه
الإدارة لن تكون أبدية، وقد حدث تغيير في الانتخابات التشريعية في الكونجرس
الأمريكي نجح فيه الرافضون لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، وحتى لو كان
الديموقراطيون هم أيضاً لهم أجندتهم في مساندة دولة الكيان الصهيوني في عدوانها؛
فلهذه المساندة حدود.
رابعاً - زيادة أعداد الرافضين على مستوى
العالم للسياسة الإسرائيلية الوحشية في الأراضي الفلسطينية حتى من اليهود
أنفسهم، ولا شك في اختلاف مواقف يهود العالم من دولة الكيان الصهيوني، فهناك
أكثر من نصفهم الآن يرفضون القدوم للعيش فيها، وبعضهم يختصر إيمانه اليهودي
بالتبرع المادي، كما أن بعضهم يعارض الصهيونية معارضة مبدئية، سواء بسبب خروجها
على النصوص التوراتية وعلمانيتها، أم بسبب عدوانيتها الساخرة، وأعداد هؤلاء في
زيادة يومية.
إذا كانت السيطرة اليهودية على وسائل الإعلام والاتصال -ومعها الإتجار
بالهولوكوست والتهديد بتهمة معاداة السامية المسلطة فوق رأس أي سياسي أو باحث
يحاول عرض الصراع من وجهة موضوعية- قد نجحت في دعم دولة الكيان الصهيوني في
حربها النفسية الهادفة إلى تجميل صورة اليهودي وتعميق الصورة الاستعمارية للعرب،
إلا أن ثورة الاتصالات الآن تهدد هذا النجاح، بل تتوقع هزيمته، فما تحقق
إعلامياً من فضح كذب هذا الكيان لا يمكن اختزاله فقط في نشر الإعلام الغربي
لقضية الإسرائيلي مردخاي فعنونو الذي عارض امتلاك دولة الكيان الصهيوني للسلاح
النووي وفضح مخططاتها في هذا الشأن، بل إن صور محمد الدرة التي جابت وسائل
الإعلام العالمية فاضحة مدى بشاعة الجرم الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني لم تكن
هي أيضًا كل ما أسهمت به وسائل الإعلام في كشف ادعاءات وأباطيل الكيان الصهيوني؛
فهناك ازدياد عدد القنوات الفضائية العربية الخارجة على السيطرة الصهيونية،
وكذلك دخول الإنترنت كوسيلة إعلامية من ناحية وكساحة عالمية من ناحية أخرى
للصراع.
خاتمـة
لعل أهم ما توصلت إليه الدراسة عبر محاورها المختلفة، ويمكن أن يساعد على
استلهام روح النصر على هذا الكيان هو الوقوف على حقيقة ما يعج به المجتمع
الإسرائيلي من مشكلات توشك أن توصله إلى الانهيار؛ فلقد اعتدنا أن نرى الصورة
الوردية التي تقدمها دولة الكيان الصهيوني عن نفسها، وهي صورة تدفعنا إلى
التشاؤم، غير أن دراستنا قصدت تقديم صورة مغايرة حقيقية تعبر عن رؤية متعمقة
للمجتمع الصهيوني من الداخل، وهي رؤية تفتح لنا باب الأمل، غير أنه يبقى حسن
توظيف هذه الأوضاع لصالحنا.
وفي هذا السياق من المهم توضيح أن الدراسة لم تقصد مداعبة أمانينا بالقضاء على
هذا الكيان الغاشم بهذا الطرح، وإنما هي تقدم رؤية رقمية تتسم بالموضوعية
لمجتمع مصطنع تراكمت مشاكله، حتى أصبح مهدداً من داخله. ولعل الموضوعية هي ما
يدفعنا إلى القول بأنه رغم كل ما ذكرته الدراسة من جوانب ضعف؛ فإن المجتمع
الصهيوني لن ينهار من الداخل فوراً وبدون جهد عربي أو إسلامي.
ويرجع ذلك لعدة عوامل أهمها: أن مقومات الحياة للتجمع الصهيوني لا تنبع من
داخله، وإنما من خارجه، فهو مدعوم مالياً وعسكرياً وسياسياً من الولايات
المتحدة والغرب، وهو مجتمع يتسم بالشفافية، وبالتالي حينما تتضح ظواهر سلبية؛
فإنه يقوم بدراستها والتصدي لها أو التكيف معها، فضلاً عن أن وجود المؤسسات
الديموقراطية والعملية تمكن كل قطاعات السكان في التجمع الصهيوني من أن يقدموا
الحلول من خلالها. وعلى ذلك فإن القضاء على الجيب الاستيطاني لا يمكن أن يتم
إلا من خلال الجهاد اليومي المستمر ضده، وهذا هو جوهر الدراسة وفكرتها الأساسية.
المطلوب عربياً وإسلامياً بعد كل هذا هو حسن استغلال هذا الوضع وتوظيف عوامل
التآكل لصالحنا، وهو ما يتوافق مع ما أنبأنا به القرآن الكريم وأرشدتنا إليه
السنة النبوية المشرفة في مستقبليات علاقتنا بالصهاينة؛ فاليهود ما انتصروا
علينا يومًا إلا بضعفنا وخورنا، ولذلك يوم يخرج الأطهار الأبرار، المؤمنون
الذين يطلبون الشهادة، سنزلزل صفوفهم، وتُرعب قلوبهم، وتُفل قوتهم، ولكن لا
يمكن أن يكون السلاح هو الذي يحقق النصر إذا كان حامله رعديداً جباناً، وإذا
كان المحاربون ليسوا على قدم واحدة، وليسوا على هداية واستقامة على أمر الله -سبحانه
وتعالى- فحقيقة أعدائنا ينبغي أن نعرفها، وحقيقة حبال القوة التي تمدهم، وتوشك
في زمن قريب أو بعيد أن تنقطع، ويقيننا بما أخبرنا الله عز وجل وما بشرنا به
الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا بد أن يكون تاماً ومتكاملاً: «إن تنصروا الله
ينصركم»، «إن ينصركم الله فلا غالب لكم» وما أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم):
«لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد
الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله».