الانتفاضة وتآكل البناء الداخلي
للمجتمع الصهيوني
في إطار البحث في أهم أسباب تآكل البناء الداخلي للمجتمع الصهيوني نجدنا أمام
عدد من التساؤلات المهمة من قبيل، هل تنحصر الأسباب فيما وصل إليه مجتمع الكيان
الصهيوني من انهيار في الهزائم التي مني بها هذا الكيان عسكرياً على أيدي جنود
حزب الله فقط، أم أن للانتفاضة الفلسطينية دوراً في التسريع بانهيار هذا
الكيان، أم أن التركيبة الطفيلية لهذا الكيان حملت في طيات بنائها عوامل هدمها؟
ويخطئ من يتصور أن انتصارات حزب الله العسكرية، رغم أهميتها كانت هي المنشأ
الأساسي لحالة التدهور الشديدة التي تشهدها قطاعات المجتمع الصهويني الآن،
وحقيقة الوضع أن هزيمة الكيان الصهيوني في حربه ضد حزب الله كانت نقطة كاشفة
لداخل مجتمعي أوشك على الانهيار، ودولة في طريقها إلى الانتحار، لكن هذا لا
يقلل أبداً من حجم الخسائر الضخمة التي ألحقها جنود حزب الله بدولة الكيان
الصهيوني، فلا خلاف على أن ثمة تداعيات كبيرة وخطيرة لنتائج هذه الحرب ستكون
على حساب مستقبل دولة الكيان الصهيوني. وبسبب إدراك هذه التداعيات؛ فإن هناك من
المؤرخين الصهيونيين من سارع لاعتبار هذه الحرب تتساوى في تأثيرها مع حرب عام
1948 التي أفضت إلى إعلان الدولة العبرية. فعلى الرغم من أن هذه الحرب لم تؤد
إلى إحداث تغيرات جغرافية، كما كانت عليه الحال في الحروب السابقة، فإنها أثرت
بشكل جذري على العديد من المسلمات التي شكلت الاستراتيجية الشاملة للدولة
العبرية، فضلاً عن أنه أصبح في حكم المؤكد أن هذه الحرب سيكون لها تأثير كبير
على الخارطة الحزبية والسياسية في الدولة العبرية، كما سيكون لها تأثير على صور
تعامل الدولة العبرية مع العالم العربي وتوجهاتها بشكل خاص نحو القضية
الفلسطينية.
أكثر انعزالية
كما أن دولة الكيان الصهيوني الجريحة بعد الحرب، ستصبح كياناً أكثر انعزالية
وتطرفاً، كياناً ينظر للمواجهة القادمة كمواجهة حاسمة، ويسعى لمحاولة ترميم قوة
ردعه التي تهاوت، والخروج من الهزيمة العسكرية التي أصبح هناك إقرار وتسليم
بها، يكفي أنه في نهاية الحرب تم إحياء السؤال القديم الذي طرح في الساعات
الأولى لإعلان الدولة العبرية، هل من الممكن المحافظة على بقاء دولة الكيان
الصهيوني؟
وإذا كنا بصدد حصر آثار هزيمة الكيان الصهيوني على أيدي المقاومين في فلسطين
ولبنان؛ فإن ما أحدثته الانتفاضة الفلسطينية في إرباك هذا الكيان هو أيضًا شأن
مهم، فالمجتمع الصهيوني دفع فاتورة تعنت حكومته واستهدافها للفلسطينيين، وقد
طالت النتائج والآثار كافة مناحي الحياة في الدولة الصهيونية بداية من إجلاء كل
الغيوم حول حقيقة انهيار نظرية مناعة الأمن الإسرائيلي ضد الاختراق، وهو ما
تحقق بالعمليات الاستشهادية المتلاحقة كذلك، وبحسب مسئولين من داخل دولة الكيان
الصهيوني؛ فإن ارتفاع نسبة هروب الشباب اليهودي من الجندية تلاحظ بعد أعوام
2000 و2001، أي بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، كذلك على المستوى الاقتصادي؛ فإن
خسائر الكيان الصهيوني الاقتصادية الكبيرة بدأت متزامنة مع بداية الانتفاضة،
وهو ما يعني أن الانتفاضة كانت سبباً رئيساً فيها.
الذي لا يقل أهمية عن ذلك، بل يزيد، هو تلك الأصوات التي بدأت تتردد في داخل
دولة الكيان الصهيوني متحدثة عن «كارثة» تهدد مصير الدولة العبرية، إذا ما
استمرت سياسة القمع والتمييز العنصري ضد الفلسطينيين. و«أصوات الغضب» هذه لم
تصدر عن سياسيين عاديين، وإنما صدرت عن شخصيات نافذة احتلت مواقع مهمة في
الدولة، وعلى دراية واسعة بالأوضاع الفلسطينية. فقد عقدت كبرى الصحف العبرية،
«يديعوت أحرونوت» ندوة شارك فيها أربعة من الرؤساء السابقين لجهاز الأمن العام
في إسرائيل «الشاباك»، تولوا مناصبهم على التوالي في الفترة ما بين عامي 1980 -
2000، والأربعة هم: أبراهام شالوم، ويعقوب بيري، وكرمي غيلون، وعامي أيلون.
وذكرت الصحيفة أن رؤساء «الشاباك» السابقين أعلنوا أنهم استجابوا لدعوتها
للمشاركة في الندوة الخاصة للتعبير عن قلقهم على مصير الدولة العبرية، ورغبتهم
في نقل رسالة إلى المستوطنين الصهيونيين تحمل قراءتهم للأوضاع الراهنة المترتبة
على سياسة الحكومة وتعاملها مع الملف الفلسطيني.
وفي الندوة حذر يعقوب بيري من أن عدم إحداث تغيير في سياسة الحكومة سيبقي دولة
الكيان الصهيوني تتمرغ في الوحل، وأضاف: «إننا نسير في اتجاه الانزلاق والتدهور
إلى حد الكارثة، أما إذا واصلنا العيش على حد السيف؛ فإننا سنواصل عملياً هدم
أنفسنا»، واتهم جميع الحكومات المتعاقبة بعد حكومة إسحاق رابين بأنها لا تقول
لعموم المستوطنيين الصهيونيين، بل حتى لقوات الأمن حقائق الواقع. أما إبراهام
شالوم فقد رأى أن دولة الكيان الصهيوني تقف اليوم على شفا الهاوية، وأن ما تقوم
به حكومتها يتناقض وطموح السلام، وإذا لم تحد عن هذا الطريق، طريق التمسك بأرض
(إسرائيل) الكبرى ولم تبدأ بفهم الطرف الثاني «الفلسطيني»؛ «فإننا لن نحقق
شيئًا».
وتابع: إنه ينبغي على المستوطنين الصهاينة الإقرار مرة واحدة ونهائية بوجود طرف
ثان له مشاعره وآلامه. وعدم التعامل معه بشكل مشين، نعم مشين. تزامن ذلك مع
تصريحات أدلى بها إلى صحيفة «هآرتس» إبراهام بورغ - أحد أركان حزب العمل، ورئيس
الكنيست السابق - وجه فيها مزيداً من الانتقادات الحادة للوضع الراهن في دولة
الكيان الصهيوني، وواصل فيها الحملة التي أشهرها بمقاله الشهير الذي تناقلته
عدة صحف عالمية، وتحدث فيه عن إرهاصات نهاية الحلم الصهيوني وتحول دولة الكيان
الصهيوني إلى «دولة مستوطنات تديرها عصبة من الفاسدين».
ليست هذه الانتقادات صحوة ضمير أو اعترافاً بالجرائم التي ارتكبت بحق
الفلسطينيين؛ لأن بعض الناقدين «رؤساء الشاباك خصوصاً» كانوا ضالعين في تلك
الجرائم، وإنما هي في حقيقة الأمر تعبير عن القلق على مستقبل الدولة العبرية،
بعدما وصلت سياسة قادتها إلى طريق مسدود، لا تلوح في نهايته سوى إشارات كارثية
مفزعة.
ما الذي دفع دولة الكيان الصهيوني إلى هذا المأزق؟ هل من إجابة عن هذا السؤال
سوى رد واحد هو «الانتفاضة»، التي لا يريد قصار النظر من أبناء جلدتنا -إذا
افترضنا فيهم حسن النية- أن يروا أصداءها القوية التي مررنا بها؟ تلك التي ضربت
عمق المجتمع الصهيوني، وزلزلت أركان المشروع الصهيوني، الأمر الذي يدعونا إلى
القول بأن النضال الفلسطيني لم يكن مجانياً، وأن الدم الفلسطيني الذي أريق تحول
إلى مر وعلقم في حلوق المستوطنين الصهيونيين، أما الشهداء الذين ضحوا بحياتهم
من أجل قضيتهم، فلا يزال البعض يضن عليهم بلقب الشهادة ويعتبرهم انتحاريين.