فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Jul2008
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير 3
تقرير1
تقرير2
الغلاف1
الغلاف2
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
شؤون العدو
قضايا
شؤون إقليمية
شؤون دولية
الملـــــف1
الملـــــف2
الملـــف3
رأي
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

الملف 1

لن تكون ستون عاماً أخرى
الكيان الصهيوني يعاني أزمات بنيوية وسقوطه يقترب
 


من المؤكد أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش لم يقرأ العدد الماضي من مجلة فلسطين المسلمة (أيار/مايو 2008) الذي تحدثنا فيه (صفحة الفهرس) عن أنه لن تكون هناك ستون عاماً أخرى للكيان الصهيوني.
لكن بوش وقف أمام الكنيست الصهيونية ليقول للصهاينة إنه بعد ستين عاماً سيهنئهم على تأسيس كيانهم. وهذا يدل على أن بوش يعرف أن هذا الكيان سينهار وهو يفقد مقوّمات بقائه، وأن تصريحه هذا هو لطمأنة الصهاينة ليس أكثر، وللتخفيف من أزماتهم الآيلة إلى سقوط كيانهم.
في عدد أيار/مايو الماضي أفردنا صفحات من المجلة للحديث عن الانهيار القادم للكيان الصهيوني، واليوم نقدم بحثاً آخر يشير إلى اقتراب السقوط، وبالأدلة والمعطيات.

- فساد سياسي وعسكري.. معدل جريمة مرتفع.. انهيار اقتصادي
- 25% من الشباب الصهيوني يهربون من التجنيد الإجباري، ولا يستجيب لطلبات الاستدعاء من الاحتياط سوى 18% منهم
- مليون يهودي فروا من الكيان الصهيوني إلى دول أخرى بعد أن اكتشفوا خداع من أغروهم بالهجرة
- أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي يتعاطى المخدرات، و30% من شبابه يتاجرون بها


الواقع السياسي في المجتمع الصهيوني
انقسامات عرقية ودينية واجتماعية تعاني من أزمة شرعية الوجود
لرصد حجم الصراع على السلطة، ومدى استشراء الفساد فى الأوساط السياسية الإسرائيلية، ومدى التوافق أو التنافر بين القوى السياسية المختلفة داخل دولة الكيان الصهيوني نبدأ بقراءة الخريطة السياسية داخل المجتمع الصهيوني عبر تقسيماته المختلفة، فمن الناحية الإثنية «العرقية» ينقسم الواقع السياسي الصهيوني إلى مجموعتين كبيرتين: أولاهما السكان الشرعيون، ويطلق عليهم فلسطينيو 48، أو عرب 48، أو عرب الداخل. ويلاحظ في العقد الأخير تزايد الوعي القومي لديهم، وتزايد معدلات تصويتهم للأحزاب العربية، وخاصة مع ما حققته هذه الأحزاب من نهوض بمطالبهم في الكنيست، وأهم هذه الأحزاب: الحركة الإسلامية، الحزب الديموقراطي العربي، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمّع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير.
وثانيتهما المستوطنون اليهود، وقد هاجروا إلى (إسرائيل) في موجات متتابعة منذ بداية القرن العشرين، ويتعددون بتعدد البلدان والمناطق التي هاجروا منها، وتبرز من بينهم أربع مجموعات رئيسية ممثلة بأحزاب سياسية، وهي: الروس، ويمثلهم حزبا (إسرائيل بعالياه) و(إسرائيل بيتينو)، والمغاربة، ويمثلهم حزب شاس، وحركة جيشر، والإثيوبيون وهم ممثلون في حزب شعب واحد، وأخيراً الأوروبيون والأمريكيون، وتمثلهم الأحزاب اليهودية الغربية المختلفة، وهي: العمل، الليكود، المركز، شينوي، ميرتس، الوحدة الوطنية، يهدوت هتوراة، المفدال.
ومن الناحية الدينية يمكن تقسيم السكان إلى متدينين ويعتبرون أقلية، سواء في الجانب العربي أم الجانب اليهودي، ولكنهم أقلية مؤثرة، ويزداد ثقلها النسبي مع الوقت. وينقسمون إلى عرب، وأغلبيتهم العظمى من المسلمين، وتمثلهم الحركة الإسلامية، ويهود، وينقسمون من حيث الموقف من الأيديولوجية الصهيونية التي قامت عليها الدولة إلى: متدينين صهيونيين ويمثلهم المفدال، وميماد، ومتدينين لا صهيونيين (أو حريديم/ متشددين/ أصوليين) ويمثلهم شاس ويهدوت هتوراة. ومن الناحية الطائفية ينقسمون إلى: متدينين شرقيين، ويمثلهم شاس، ومتدينين غربيين، ويمثلهم يهدوت هتوراة والمفدال.
وعلمانيون وهم ينقسمون بدورهم إلى عرب: ويمثلهم كل من: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحزب الديمقراطي العربي، التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير. ويهود ويمثلهم أحزاب: العمل، الليكود، ميرتس، شينوي، المركز، إسرائيل بعالياه، إسرائيل بيتينو، الوحدة الوطنية، شعب واحد. ويمثل العلمانيون أغلبية المجتمع الإسرائيلي.
ومن الناحية الأيديولوجية ينقسم السكان إلى قسمين هما: اليمين، وينقسم بدوره إلى يمين ديني، وتمثله الأحزاب اليهودية الدينية (شاس، المفدال، يهدوت هتوراة) ويمين علماني، ويمثله كل من أحزاب: الوحدة الوطنية، إسرائيل بعالياه، إسرائيل بيتينو، الليكود، وجيشر. واليسار، وينقسم إلى قسمين: يسار يهودي، وهو أقرب إلى الوسط منه إلى اليسار، ويمثله كل من أحزاب: ميرتس، شينوي، العمل، المركز، شعب واحد. ويسار عربي، وهم بمجموعاتهم المختلفة يقعون أقصى يسار الخارطة السياسية الإسرائيلية، وخاصة بمعيار الموقف من عملية التسوية، ويمثلهم أحزاب: القائمة العربية الموحدة، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير.
وهكذا نرى أن النسيج السياسي الصهيوني بُني على مكونات غير متجانسة، تضم السكان الشرعيين من بقية الشعب الفلسطيني في أراضي 1948، وأخلاطاً متنافرة من المستوطنين الذين هاجروا إلى فلسطين من مختلف أنحاء العالم. ورغم محاولة الدولة الصهيونية صهر هذه العناصر في بوتقة سياسية واحدة من خلال تعميم الأيديولوجيا الصهيونية بتياراتها المختلفة: العلمانية (الاشتراكية والليبرالية)، والدينية، فقد كانت النتائج مخيبة للآمال. وبعد أكثر من خمسين عاماً من إنشاء دولة الكيان الصهيوني، تبدو الروابط الصهيونية المفروضة في حالة اضمحلال، ليرتفع الصوت الإثني، والديني اللاصهيوني، والقومي العربي، والإسلامي، والتقليدي، وتتغير التوازنات داخل أنماط الصراع السياسي الإسرائيلي الداخلي المختلفة، منذرة بتحولات شاملة في البنية الداخلية السياسية الإسرائيلية.
وقد تحولت العلاقة بين هذه المكونات اليوم إلى علاقة صراع لا جوار أو تنافس، سواء فى ذلك حالة العلاقات العربية - اليهودية أم العلاقات بين المتدينين والعلمانيين، أم العلاقات بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. فكلها صراعات ممتدة، تتضمن أبعاداً طبقية وثقافية - حضارية تضرب بجذورها في أسس البنيان الصهيوني، وإضافة إلى ذلك؛ فإن هذه الصراعات لا تدور حول أفكار وعموميات مجردة، ولكنها - وقد اتخذت أُطُراً سياسية مؤسسية تعبّر عنها وتكرّسها - تنعكس بصورة مباشرة في صراع على الموارد؛ ولذا تسخن الصراع الداخلي، وتؤثر في الاستقرار السياسي للائتلافات الحاكمة.
وتؤكد الصراعات السابقة تهافت الادعاء بديمقراطية الكيان الصهيوني، حيث لا تجتمع ديمقراطية مع احتلال، وظلم واضح، وتمييز فاضح حتى داخل «الجماعة» اليهودية، وعلى الرغم من وجود العديد من ملامح الديوقراطية فى دولة الكيان الصهيوني، فإن السياسة الصهيونية تظل مجافية لجوهر الديوقراطية، وتقتصر على الشكل دون المضمون الذي يعكس طابعاً استعمارياً عنصرياً عنيفاً وممزقاً داخلياً، وغير واثق بذاته، مما يتبدى في العنف الذي يتعامل به مع محيطه الفلسطيني والعربي، واعتماده المفرط على القوة لإثبات وجوده، وهو ما يؤكد استمرار أزمة شرعية الوجود. والديوقراطية الصهيونية -إن وجدت- مجرد وسيلة لتنظيم الصراع بين الأنماط المتباينة التي يتكون منها مجتمع الغزاة، وبين السكان الأصليين الذين لم يتمكن الغزاة من طردهم، وأصبحوا فى النهاية أقلية فى دولة الاحتلال، وكما يتضح من متابعة الصراعات الداخلية الصهيونية - وخاصة في أوقات الانتخابات وعرض الموازنة العامة على الكنيست - تبدو تلك الدولة عبارة عن مجموعة من الضباع التي تتنافس على فريسة، ولا تحفل بقواعد أخلاقية، ولا قيم دينية ولا أيديولوجية، ولا مصالح عامة. وتعتمد أساليب السباب والتشهير والتحريض.

الواقع العسكري الصهيوني
سقوط نظرية الحماية واستخدام الاحتياط والحرب الخاطفة
ليست حالة اهتزاز ثقة المستوطنين بجيشهم وذوبان الأساطير التي انتشرت حول قوته التي لا تقهر بعد ما مُني به من هزائم فادحة على أيدي جنود حزب الله هي وحدها أهم أسباب عدم إقبال الطلاب على دراسة العلوم العسكرية والهروب المتكرر واللافت من الالتحاق بالجيش، فالسنوات القليلة الماضية كانت بداية فعلية لانهيارات كبيرة داخل البناء العسكرى للكيان الصهيوني. ولعل الوقوف على الواقع العسكري الصهيوني يجعلنا نكتشف المزيد من جوانب التآكل داخل هذا الكيان؛ فدولة الكيان تُعتبر أكبر مخزن أسلحة للولايات المتحدة في المنطقة العربية، وتحتل الصناعات العسكرية نسبة كبيرة من اقتصادها القومي تتجاوز الثلث، كما تلتهم ميزانية الدفاع قسماً كبيراً من ميزانية الدولة، وتتزايد بحكم تزايد المواجهات الخارجية، ويشغل العسكريون مواقع متقدمة في معظم مؤسسات الدولة، حتى بعد تركهم الخدمة العسكرية، مثل الأحزاب السياسية، ورئاسة البلديات، وصولاً إلى الوزارات وقمة النظام السياسي للدولة متمثلة في رئاسة الوزراء.
وقد لجأت الدولة الصهيونية من أجل ضمان بقائها إلى اعتماد نظرية عسكرة المجتمع الصهيوني من خلال ترسيخ فكرة أن الكيان الصهيوني دولة صغيرة تدافع عن نفسها ضد هجمات جيرانها العرب، وجيشها يسمى «جيش الدفاع»، وبهذا الأسلوب تم خلع القداسة على الجيش، حتى أنه وصف بأنه القداسة بعينها، وكان يتم تجنيد الشباب الصهيوني بنجاح شديد عن طريق مخاطبة حسهم الأخلاقي والقومي والديني، وحتى فترة قريبة كان التطوع فى صفوف قوات النخبة «وحدة المظليين» يعتبر من الأعمال المرموقة، إلا أن عسكرة المجتمع الصهيوني كنظرية بدأت تواجه تحديات عديدة في المرحلة الأخيرة، منها أن قطاعات كبيرة من السكان لا تخدم في الجيش.
فإضافة إلى معظم الفلسطينيين في دولة الكيان الصهيوني، لا يخدم كثير من اليهود الحريديم (الأرثوذكس المتشددين) في الجيش، كما لا يقومون بأي عمل على الإطلاق، ويكتفون بدراسة التوراة، وذلك بعكس المتدينين الصهاينة الذين يخدمون في وحدات خاصة. ويولّد هذا الموقف شعورًا بالتمييز لدى القطاعات العلمانية فى تحمل التكلفة الأمنية للمجتمع، وتعتبر قضية تجنيد المتدينين قضية صراعية مهمة بين المتدينين والعلمانيين.
ولوقت قريب كانت قضايا الأمن من المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها، إلا أنها بدأت تصبح موضوعاً بحثياً وإعلامياً مؤخراً، بعد الإفراج عن الوثائق التي مر عليها ثلاثون عاماً، وكشفت جرائم الحرب التى ارتكبها الجيش الصهيوني خلال مراحل تأسيس الدولة، ودفنتها الرواية التاريخية التي كتبها العسكريون أنفسهم، وتم تعميمها على المناهج الدراسية والمؤسسات التربوية، كما بدأت تثار إعلاميًا مسائل الفساد المالي والإداري في الجيش والتحرش الجنسي وإدمان المخدرات.

العمل المشين
وفي أعقاب انتفاضة 1987، بدأت صورة الجيش تهتز، ويضعف الدافع للخدمة العسكرية، حيث بدا ذلك الجيش المدرب على أحدث الوسائل القتالية يطارد الأطفال والنساء في الأزقة الفلسطينية، ويواجه رماة الحجارة. وأثناء المقاومة اللبنانية، برزت ظاهرة انتحار الجنود. وفي ظل الانتفاضة الحالية أصبح العمل العسكري في نظر كثير من الإسرائيليين عملاً مشيناً؛ لأنه يقوم على القتل وليس القتال، وزادت معدلات الهروب من الخدمة العسكرية، أو عدم التقدم إليها أساساً، والآن هناك انصراف متعمد من الشباب اليهودي عن الخدمة العسكرية، فنحو 20 إلى 25% يهربون أثناء الخدمة، وثلث الضباط الاحتياط يتغيبون عن الخدمة ويعتبرونها عملاً يقوم به البلهاء فقط، وهو الأمر الذي خرج عن نطاق تحكم سلطات الاحتلال؛ فبدأت تمارس نوعًا من التسامح تجاه المتهربين من الخدمة. وإذا كانت ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية تعد خطيرة في أي مجتمع؛ فإنها تزداد خطورة في مجتمع استيطاني قائم على العنف، ويعترف إسحاق مردخاي -أحد وزراء الدفاع السابقين- بأنه قد طرأ انخفاض حاد على مستوى الرغبة القتالية في صفوف الشباب الصهيوني.
وإذا ما علمنا أن القوانين العسكرية الصهيونية تمنع تجنيد 20% من الشباب الصهيوني لانتمائهم لجماعات خاصة، وأن من 20 إلى 25% من شباب (إسرائيل) يحاولون التهرب من التجنيد الإجباري - ثلاث سنوات، وأن الجندي يظل ضمن الاحتياط حتى سن الخمسين، ويستدعي في العام لمدة شهر لجعله على استعداد للقتال - فقد يتضح حجم المشكلة التي تعاني منها العسكرية الصهيونية الآن. ففي استطلاع للرأي نشر في صحيفة «هآرتس» في 26 أيار/مايو 2000 بيّن أن ثلث الشباب الصهيوني لن يقدموا على الالتحاق بالجندية إذا ما سمحت لهم الظروف بذلك. وذكر التقرير أن جنود الاحتياط أصبحوا لا يلبون الدعوة بشكل جاد عند استدعائهم؛ فإحدى الوحدات استدعت 340 جندياً من الاحتياط لم يحضر إلا 60 منهم، ولم يستمر إلا 30 منهم.
حتى أن رئيس الموارد البشرية بجيش الكيان الصهيوني يصف جيشه الآن بقوله: إن الجيش الصهيوني لم يعد جيش الشعب، بعد أن أصبح يضج بالمتطرفين والمستوطنين والمهاجرين الجدد الذين يلتحقون به كمرتزقة.
وبالإضافة إلى ارتفاع معدل الهروب من الجيش، ورفض الخدمة في المناطق التي بها عمليات عسكرية؛ فإن الجيش الصهيوني يعاني الآن أيضاً من رفض عدد غير قليل من ضباطه وجنوده للعمليات القذرة التي تستهدف الأطفال والمدنيين بالقتل والإبادة؛ فقد ذكرت صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 20 من أيلول/سبتمبر 2003 أن هناك عشرات من الطيارين أعدوا عريضة تظهر رفضهم لعمليات الجيش الصهيوني التي تستهدف الأطفال والنساء والمدنيين بالقتل والإبادة.
سقوط نظرية الحماية
ولعل الصورة العامة للحالة العسكرية المتردية الآن داخل الكيان الصهيوني تتضح معالمها أكثر إذا ما أدركنا حجم الفشل الذريع الذي مُنيت به العسكرية الإسرائيلية في هدفها الأول، وهو حماية أمن الكيان الصهيوني. فلم يعد خافياً على أحد مدى التخبط الأمني الصهيوني الآن، فمنذ عام 1948 وحتى الآن استندت دولة الكيان الصهيوني في حروبها ضد العالم العربي على عقيدة أمنية حققت لها كثيراً من الانتصارات تقوم على ثلاثة أسس رئيسية؛ أولها: نقل المواجهة إلى أرض العدو، وذلك لتجنيب العمق المدني والجبهة الداخلية الصهيونية تأثير الحرب، وفي الوقت ذاته مضاعفة معاناة التجمعات المدنية العربية بسبب هذه الحرب. ولتعويض النقص العددي تلجأ العسكرية الصهيونية كأساس ثانٍ في كل حروبها بخلاف ما هو عليه الحال في معظم دول العالم إلى الاعتماد على قوات الاحتياط في المجهود الحربي أكثر ما تعتمد على القوات النظامية، وهو ما يعني الحاجة الشديدة إلى إنهاء الحرب بسرعة لتوقف الحياة العامة في البلاد نظير اعتماد الجيش على المدنيين، والأساس الثالث هو اعتماد استراتيجية الحرب الخاطفة، وهو ما يعني توجيه ضربات متتالية سريعة قاصمة تكبد العدو أكبر قدر من الخسائر، بهدف إنهاء المعارك في أقل وقت ممكن.
الآن ضربت الأسس الثلاثة التي اعتمدت عليها دولة الكيان الصهيوني في تحقيق انتصاراتها العسكرية، فقد تحول العمق المدني والجبهة الداخلية الصهيونية إلى إحدى ساحات المواجهة الرئيسية في الحرب، وهو ما حدث عندما نجحت قوات حزب الله في حربها الأخيرة ضد دولة الكيان الصهيوني في قصف المدن والتجمعات السكانية والمدنية في قلب الدولة العبرية، وهو ما حوّل أكثر من مليون صهيوني إلى لاجئين. وقد كان التأثير على العمق المدني الصهيوني كبيراً لدرجة دفعت الكثير من المعلقين الاستراتيجيين في الدولة العبرية إلى التحذير من إمكانية حدوث فرار جماعي منها بسبب عدم استعداد قطاعات واسعة من الشعب الصهيوني لدفع ثمن الصمود في الحرب. صحيح أن العمق المدني اللبناني تعرض لأضعاف ما تعرض له العمق المدني الصهيوني، لكن الفرق هنا يكمن في انعدام الاستعداد لدى معظم قطاعات المجتمع الصهيوني لتحمل تبعات الحرب؛ ولعل هذا الذي دفع الحكومة الصهيونية إلى اتخاذ قرار غير مسبوق؛ عندما أمرت بإخلاء سكان جميع المستوطنات في شمال فلسطين. وكما بات واضحًا الآن فإن أهم الاعتبارات التي دفعت رئيس الوزراء الصهيويني إيهود أولمرت، ووزير حربه عمير بيرتس إلى التحمس لوقف إطلاق النار هو التخوف من تداعيات تواصل الحرب على العمق المدني والجبهة الداخلية الصهيونية.
وفيما يتعلق بنظرية الاعتماد على الاحتياط؛ فقد أصبح من السهل تفويت الفرصة على الجيش الصهيوني في أن يحسم المواجهة مع «العدو»، ويحرز النصر بسرعة فائقة؛ على اعتبار أنه لا يمكن مواصلة الزج بقوات الاحتياط في ساحات المعارك لأمد طويل؛ لأن هذا يعني شلّ الحياة في الدولة، بما يؤثر سلبًا على سير المعارك في النهاية. فجنود الاحتياط هم: الأطباء، والفنيون، والمهندسون، والمعلمون، وأصحاب المهن الذين يعني بقاؤهم في ساحة الحرب وقتاً طويلاً توقف مؤسسات الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية، وهو ما يعني تهاوي تلك النظرية.
أما عن نظرية إلحاق ضربة قاصمة بالعدو، والتي اعتمدها الجيش الصهيوني في محاولة لتقصير أمد المواجهة مع «العدو» العربي. فالضربة القاصمة هنا لا تعني فقط ضربة قاصمة للجيوش العربية، بل للعمق المدني العربي أيضاً، وإجبار الطرف العربي على الاستسلام أو الموافقة على الشروط التي تضعها الدولة العبرية لوقف الحرب.
ومن الأهمية بمكان التشديد هنا على أن توجيه ضربة قاصمة للعدو لا يوظف فقط من أجل تقصير أمد الحرب، بل يهدف وبشكل أساسي إلى مراكمة الردع في مواجهة الأطراف العربية، وإقناع أنظمة الحكم العربية أنه لا يمكن كسب مواجهة عسكرية مع (إسرائيل). ودائماً ما يردد شمعون بيريس - رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس الكيان الصهيوني حالياً- عبارته الشهيرة «العرب لم يوافقوا على عقد اتفاقيات تسوية معنا، إلا بعد أن يئسوا من إمكانية تحقيق مكاسب في الحروب ضدنا». وفي الحرب الأخيرة وعلى الرغم من كثافة النيران التي استخدمتها دولة الكيان الصهيوني ليس فقط ضد القوة العسكرية لحزب الله ومؤسساته، بل وضد المؤسسات المدنية، والبنية التحتية للدولة اللبنانية، فإن دولة الكيان الصهيوني فشلت فشلاً ذريعاً في إجبار المقاومة اللبنانية على الاستسلام والقبول بشروطها، بل على العكس؛ فدولة الكيان الصهيوني هي التي تراجعت عن الشروط التي وضعتها لإنهاء الحرب.

أمراض اجتماعية تنخر المجتمع:
مخدرات وضمور وحبوب مسكنة وجرائم
في سبيل رصدنا لأهم الظواهر الاجتماعية السلبية ومدى توغلها من عدمه في المجتمع الصهيوني مثل معدل الجريمة وأكثر أشكالها انتشاراً أوضاع الأسرة ومدى التلاؤم أو التنافر الاجتماعي بين الجبهات الاجتماعية المكونة للمجتمع الصهيوني استوقفتنا بعض الإحصائيات التي تبين معدلات التآكل الداخلي في البناء المجتمعي الصهيوني؛ ففي تقرير نشرته صحيفة «يدعوت أحرونوت» جاء أن مؤسسة «الكيبوتس»، والتي كانت تمثل العمود الفقري للتجمع الصهيوني؛ لأن معظم أعضاء النخب السياسية الحاكمة، بل والثقافية كانوا من خريجيها حتى عام 1977 - تعرضت الآن لكثير من الأزمات وتغير طابعها العام، بل وفقدت شيئاً من طابعها الجماعي العسكري، فبحسب التقرير نفسه فإن هيئة مكافحة المخدرات الإسرائيلية أعلنت أن أبناء الكيبوتس ممن تراوحت أعمارهم بين 18-30 سنة تعاطوا المخدرات الخفيفة مثل الحشيش والماريجوانا، وقد تضاعف هذا العدد خلال خمس سنوات من 11.4% إلى 23.5%.
وقد أكدت دراسة أجراها مجلس سلامة الطفل الإسرائيلي أن ظاهرتي تعاطي الخمور والمخدرات قد تفاقمتا بين صفوف تلاميذ المدارس، فهناك 23.5% من الطلاب الذين أعمارهم ما بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين يتعاطون المخدرات، و11.14% يتعاطون الحشيش، و30% من الشباب الصهيوني القصر يمارسون نوعًا من الاتجار بالمخدرات، وفي إحصائية لوزارة العمل الصهيونية؛ فإن 37% من طلبة وطالبات المدارس العامة يعاقرون الخمر، و8% منهم مدمنون للخمور بشكل عام. وفي إجمال لعدد متعاطي المخدرات في مجتمع الكيان الصهيوني أكدت إحصائية وزارة العمل الصهيونية أن أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي يتعاطى المخدرات.
ولا يقتصر الإدمان في المجتمع الإسرائيلي على فئة بعينها؛ فالإقبال على المخدرات يأتي من جانب السياسيين، والعسكريين، وتلاميذ المدارس، وطلبة الجامعات، بل وحتى من جانب طلاب المدارس الدينية، وهذا ما أكده المركز الإسرائيلي المختص بعلاج الإدمان على المخدرات مؤخرًا، والذي بيَّن أيضاً أن عشرات الأطباء الصهيونيين مدمنون، وفي الوقت ذاته يزاولون مهنة الطب. وهناك نوع آخر من الإدمان في دولة الكيان الصهيوني منتشر وهو غاز الضحك، فلا تكاد تخلو حفلة أو مناسبة دون استخدام الغاز المعروف علمياً باسم (النيتروس)، ويؤدي استخدامه بشكل مركز إلى الوفاة الفورية، أما استخدامه بشكل مخفف فيؤدي إلى تدمير الجهاز العصبي، وينتشر هذا الغاز بين رواد أندية تل أبيب وملاهيها، وذكرت إحصائية سابقة أن نحو ثلاثمائة ألف صهيوني من بينهم سبعون ألف شاب قاصرون تناولوا هذا المخدر مرة واحدة على الأقل. وتعتبر مدينة تل أبيب مركزًا لنشاط المافيا الصهيونية التي تحرك سوق المخدر، وكذلك تعتبر المدينة الأولى، من حيث استهلاك أقراص الإكستازي المخدرة.

تمزّق الأسرة
وحسب ما نشرته صحيفة «معاريف»؛ فإن الحياة العائلية في التجمع الصهيوني في حالة تآكل، فمن بين كل ثلاث حالات زواج يكون مصير واحدة الطلاق بزيادة قدرها 15% على معدلات الطلاق نفسها قبل خمس سنوات. والزنا في دائرة الأسرة نفسها بلغت نسبته 50%، وفي خارج إطار الأسرة 25%، وأما جرائم العنف بين طلبة المدارس فقد بلغت نحو 50%، و60% من جميع الطلاب لم يتخرجوا حتى مارسوا عمليات من العدوان على زملائهم في تلك المدارس.
وقد أصدرت شرطة الكيان الصهيوني تقريراً يشير إلى تفشي ظاهرة الإجرام في المجتمع الصهيوني، وارتفاع معدلات جرائم القتل، خاصة للنساء من قِبل أزواجهن، فضلاً عن حوادث السرقة والاعتداءات التي يرتكبها الشباب الصهيوني. وقال التقرير: إن عدد جرائم القتل التي نفذت في دولة الكيان الصهيوني قد تزايد ليصل إلى 144 جريمة قتل شهرياً منها 50% جرائم قتل لنساء على أيدي أزواجهن. وذكر التقرير أن الشباب الصهيوني أصبحوا أكثر استخدامًا للمخدرات وأكثر عنفاً، وأن حوادث العنف التي يرتكبها الشباب والأحداث قد ارتفعت بنسبة 8%، وارتفع عدد حالات القتل التي ارتكبوها إلى 3.5%، وأن 50% من حوادث الشباب تنحصر في مجال العنف، و33% في مجال سرقة الممتلكات، و21% من المخالفات تنفذ في نطاق المؤسسات التعليمية.
وأشار التقرير إلى أن الشرطة حققت في نحو 30 ألف ملف و155 ملفًا جنائيًا للشباب والأحداث، مقابل 28 ألف ملف و941 ملفًا في عام 1999. ومنذ بدء انتفاضة الأقصى -على حد قول التقرير- طرأ ارتفاع على عدد حالات سرقة السيارات. وأشار التقرير إلى ارتفاع المخالفات في أوساط الشباب المهاجرين الجدد، فبالرغم من أنهم يمثلون 11.9% من الشباب في دولة الكيان الصهيوني؛ فإن نسبة الملفات الجنائية التي فُتحت لهم تبلغ 24% من مجموع ملفات المخالفات. وأشار التقرير إلى زيادة حالات الانتحار في المجتمع الصهيوني، وأرجع التقرير انفلات زمام الأمور، إلى أن جهود الشرطة كلها مبذولة تجاه منع فلسطينيين من تنفيذ عمليات داخل المدن الصهيونية، بشكل يجعل أنظارها جميعها تتجه نحو الخطر الخارجي، ما يؤدي لانتشار الجريمة داخلياً.
وقد أشار أكثر من تقرير إلى أن حمى الشذوذ الجنسي قد انتشرت في دولة الكيان الصهيوني بشكل لافت، رغم أن اليهودية الحاخامية التقليدية تحرمه، ولكن معظم المذاهب الدينية اليهودية المعاصرة تقبله، ويتم الإعلان عنه بشكل رسمي، حتى أن حاخام عقد أمام حائط المبكى زواجاً لشاذين في عام 1998، وعدد السحاقيات في دولة الكيان الصهيوني اللاتي أنجبن أطفالاً من خلال وسائل طبية هو الأعلى في العالم.

عنصرية وتمييز
وهناك آفة أخرى دبت في أوصال مجتمع الكيان الصهيوني، وهي آفة الانقسام الداخلي والتناحر الطبقي والعنصرية حتى بين اليهود أنفسهم؛ فمن أهم مفردات العنصرية الصهيونية تجاه اليهود الشرقيين أن هجرة يهود الشرق إلى فلسطين لم تكن أصلاً في حسابات الصهيونية، وإنما فرضتها احتياجات الصهيونية كمشروع استعماري استيطاني إحلالي، فلم تقرر المؤسسة الصهيونية استقدام يهود الشرق على نطاق واسع، إلا بعد أن فشلت محاولتها جلب أغلبية يهود أوروبا، وكان الهدف توفير احتياجات المشروع الصهيوني من أيدٍ عاملة ومحاولة منع انهيار اقتصادي وسياسي محتمل، وعلى الرغم من أن الخطاب الصهيوني يتحدث عن الهجرة كـ«عودة إلى الوطن»، و«لم شمل الشتات»؛ فإن اهتمامه الحقيقي باليهود الغربيين، وقد حاول النظام الصهيوني محو شرقية اليهود الآخرين بشكل مبرمج وبطرق متنوعة منها إزاحة تاريخهم إلى الهامش في البرامج التعليمية وتغييب الثقافة والفعاليات الاجتماعية السياسية الشرقية عن الإعلام.
ومن السهل تتبع كيف أن العنصرية الأشكنازية تجاه الشرقيين أصبحت تشكل تقويضاً للمشروع الصهيوني برمته؛ ففي حين وضعت الصهيونية كلاً من الشرقيين والأشكناز داخل خانة «الشعب الواحد» قوض الاختلاف في التعامل مع مشكلات الشرقيين الزعم الصهيوني بشعب واحد، هذا الزعم الذي كان قائماً ليس على خلفية دينية مشتركة فحسب، بل على قومية مشتركة أيضاً منذ البدء.
ثم إن الأشكناز، ومن خلال نزعاتهم العنصرية يرون في يهود الشرق باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من الشرق الأوسط، ولغته وثقافته وتاريخه تهديداً لمشروعهم.. مشروع الرجل الأبيض؛ فدولة الكيان الصهيوني، كما يرون، رسولة أوروبية إلى الشرق الأوسط دون أن تكون جزءًا منه، وبالتالي فالأمة الصهيونية غربية، وهناك حدود واضحة للهوية بين اليهود كغربيين، وبين العرب كشرقيين تجسدت عمليًا في قمع شرقية يهود البلاد العربية والإسلامية وتصويرها كوصمة عار، وينبغي اجتثاثهما من الجذور. ويرجع الأشكناز نظرتهم العنصرية نحو الشرقيين إلى ما يعتبرونه نقائص في يهود الشرق، ويبالغون في ذلك إلى حد السب، وتلك النظرة ما هي إلا نظرة فوقية عنصرية تجاه المجتمعات العربية والإسلامية التي انحدر منها هؤلاء اليهود «الشرقيون» الذين يرى الأشكناز أن أهم صفاتهم الأمية والفظاظة والعائلات كثيرة الأولاد، وأنهم بسبب ثقافتهم المتخلفة، ونقص خبرتهم في الديموقراطية يميلون إلى التطرف، وهم رجعيون، ومتدينون متعصبون، على النقيض المطلق من اليهود الأوروبيين الليبراليين والعلمانيين.
وقد آل هذا إلى وضع أصبح الشرقيون يعانون فيه، رغم كونهم أغلبية، من نقص في التمثيل في مراكز القوى القومية الحكومة والكنيست والمراتب العليا في الجيش والسلك الدبلوماسي والإعلام والوسط الأكاديمي، ولهم بالمقابل تمثيل زائد في المواقع الاجتماعية المشبوهة مثل السجون التي يمثل الشرقيون أغلبية نزلائها.
وتؤكد الإحصائات الديمغرافية «السكانية» أن عدد اليهود في العالم في تناقص بشكل عام؛ فقد بلغ 13.837.500 عام 1967، وبلغ 12.988.600 عام 1982، أي أن عدد اليهود تناقص نحو المليون في هذه الفترة تناقصاً طبيعياً بدون إبادة، ويبلغ عدد اليهود حالياً 13.093.00 أي أن عددهم ظل ثابتاً قرابة ربع قرن تقريباً، ويتوقع معهد اليهودية المعاصرة التابع للجامعة العبرية بالقدس أن يصل عددهم إلى 13.428.000 عام 2010.
وإذا كان عدد اليهود بشكل عام في تناقص فإن الحقائق تدلنا على أن الجهود الصهيونية الجبارة لجلب مزيد من المستوطنين اليهود من دول العالم لم تضف إلى عدد اليهود في فلسطين، إلا النزر القليل.
وبدلاً من أن يستخدم الصهاينة كلمة «هجيراه» العبرية التي تعني الهجرة أو الانتقال من مكان إلى آخر بغرض السكن والاستقرار فيه - للإشارة إلى الهجرة الصهيونية إلى دولة الكيان الصهيوني استخدموا كلمة «عالياه»، وهي كلمة عبرية لها معان عدة، من بينها الصعود إلى السماء، والصعود إلى (إسرائيل)، وقد استخدم الصهاينة هذه الكلمة ليحيطوا عملية الاستيطان الاستعماري الصهيوني بهالات من القداسة، وكأن من يفكر في الهجرة إلى دولة الكيان الصهيوني يقدم على فعل مقدس، وعمل من شأنه تحقيق الرفاهية الدنيوية، لكن الواقع يقول: إن الهجرة الاستيطانية لم تعد تسير كما خطط لها الصهاينة؛ فيهود العالم أصبحوا أكثر إحجاماً عن الهجرة إلى دولة الكيان الصهيوني، ويهود الولايات المتحدة البالغ عددهم الآن خمسة ملايين ونصف المليون لم يهاجر منهم عام 1999 سوى 1323، وهو ما يمثل 15% من عدد المهاجرين من يهود أمريكا حسب «الجيروزاليم بوست». وهو ما دفع الكيان الصهيوني لتهجير الفلاشاه التي تعتبر جماعة شبه يهودية بينما يعتبرها آخرون أنها غير يهودية مطلقاً، والسماح بهجرة مئات الآلاف من المهاجرين اليهود السوفييت الذين يعلم أنهم ليسوا يهوداً أصلاً (50% منهم بالفعل ليسوا يهودًا حسب بعض الأوساط الدينية في دولة الكيان الصهيوني).
وحسب جريدة «معاريف» في عددها الصادر في أيار/مايو 2001، فلن يهاجر إلى دولة الكيان الصهيوني خلال العقد القادم سوى 300 ألف مهاجر من دول الكومنولث مقابل 900 ألف خلال العشر سنوات الماضية، وسيختار 200 ألف مهاجر يهودي الهجرة إلى دول أخرى.
وحسب «يديعوت أحرونوت» فإن أعداد المهاجرين تناقصت بشكل واضح في ثلاث سنوات متتالية، فكانت في 1999 حوالى 67766، ثم وصلت في 2000 إلى 60130، وسجلت في عام 2001 حوالى 50 ألف مهاجر فقط، ووصلت عام 2007 إلى حدود 20 ألفاً.
ويتضح حجم المأزق الديمغرافي الذي يعاني منه مجتمع الكيان الصهيوني وبشدة الآن عندما نعرف أن دولة الكيان الصهيوني جيب استيطاني يقوم بوظيفة عسكرية، وهي الدفاع عن مصالح الغرب في المنطقة، مما يستلزم توافر العنصر البشري للقيام بهذه المهمة، وبالتالي يكون تدفق هذه العنصر أمراً أساسياً وجوهرياً بالنسبة له، وما يزيد المأزق اتساعاً أن التوسع الصهيوني كجيب استيطاني جعله في أمسّ الحاجة إلى المستوطنين للقيام بعمليات الاستيطان والتجارة والقتال.
وما يفاقم من حجم المأزق الديمغرافي داخل المجتمع الإسرائيلي هو ارتفاع معدلات الهجرة المضادة، فبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» في عددها الصادر في 7 أيار/مايو 2001؛ فإن الإسرائيليين قد بدأوا يهرولون باتجاه أمريكا مرة ثانية، لكنهم في هذه المرة أكثر من ذي قبل، فقد استوطن هناك 80% من كل المهاجرين اليهود، وعدد النازحين عن (إسرائيل) منذ عام 1948 يبلغ ما يزيد على 700 ألف، وقد يصل إلى مليون، فأعداد النازحين أمر سري، وقد ذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر 2003 أن أغنى امرأة يهودية في دولة الكيان الصهيوني، وهي ساري أريسون، والتي تملك أكثر من ملياري دولار أمريكي، وترتيبها 158 بين أغنياء العالم، وترأس إدارة أكبر بنك في دولة العدو (بنك العمال) قررت مغادرة دولة الكيان الصهيوني والهجرة إلى ميامي في الولايات المتحدة بسبب الوضع الاقتصادي المتردي.
إذا ما حاولنا الوقوف على أهم المشكلات التي يواجهها الاقتصاد الصهيوني، ورصد معدلات نموه، وسبل إنفاق موارده؛ فإننا سوف نجد أن اقتصاد الكيان الصهيوني شهد في عام 2000 نموًا لم يشهد مثله منذ تأسيس الدولة عام 1948؛ إذ بلغت نسبة النمو 6.4%، وذكر تقرير للمكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء أن نسبة النمو في قطاع الأعمال خلال عام 2000 بلغت 8.5%، وارتفعت نسبة نمو الناتج القومي للفرد إلى 3.6%، وزادت الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد بحوالى 9.5%، وازداد الإنتاج الصناعي بنسبة 11%، وارتفعت الصادرات إلى الخارج بنسبة 24%، في حين زادت صادرات الصناعة العالية التقنية بنسبة 26%.
هذا المشهد انقلب تماماً مع بداية عام 2001 وحتى الآن، فقد ذكر المكتب المركزي للإحصاء نفسه أن الاقتصاد الصهيوني سجل في عام 2001 انكماشاً بنسبة 0.5%، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1953، وفي عام 2002 بلغت نسبة النمو الاقتصادي 1%، وصفر% في الربع الأول من 2003، وتراجعت دولة الكيان الصهيوني إلى الترتيب الأربعين على مستوى العالم، من حيث متوسط الدخل القومي للفرد، علماً بأنها احتلت في عام 2000 الترتيب السابع والثلاثين. أيضاً تراجع النمو في قطاع الأعمال بنسبة 2.2%، كما انخفضت نسبة الناتج القومي للفرد بنسبة 3%، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية بنسبة 11%، مع تراجع في الإنتاج الصناعي بنسبة 6%، إضافة إلى انخفاض إنتاجية الصناعة العالية التقنية، وهي مفخرة الاقتصاد الصهيوني إلى 24%، وكان بنك إسرائيل، ومكتب الإحصاء قد أشارا إلى أن خسائر الاقتصاد الصهيوني خلال عامي 2000 - 2001 قد بلغت 17 مليار دولار.
وحسب الهيئة العامة للاستعلامات الفلسطينية؛ فإن حجم التبادل التجاري بين دولة الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، والذي يقدر سنويًا بما يزيد على 2.5 مليار دولار كمبيعات تستهلكها الأسواق الفلسطينية انخفض بنسبة 45%، وهو ما انعكس سلبياً على معدل نمو الاقتصاد الصهيوني. ولحق بقطاع الاستثمارات الصهيونية ضرر فادح، و تراجعت القيمة السوقية للأسهم ببورصة تل أبيب من 108 مليارات دولار لعام 2000 إلى أقل من مليارين من الدولارات فقط مع نهاية 2001.
ومن بين أهم القطاعات التي نالتها خسائر فادحة قطاع السياحة الذي يعد من دعائم الاقتصاد الصهيوني، حيث تراجعت عائداته عام 2001 بنسبة 47% عن عام 2000، وانخفض عدد السياح بنسبة 51%، ومع نهاية عام 2002 خسرت دولة الكيان الصهيوني ما مجموعه حوالى 4 ملايين سائح، وقد أدى ذلك إلى إغلاق الكثير من الفنادق، وتسريح حوالى 15 ألف عامل في هذا القطاع، وأكثر من 60 ألف عامل في قطاعات لها اتصال مباشر بالقطاع السياحي بعد أن هبطت نسبة الإشغال بالفنادق إلى نحو 60%، وجرى إغلاق حوالى 66% من إجمالي المنشآت السياحية الإسرائيلية، وتراجعت الإيرادات السياحية بما يتجاوز 6.5 مليارات دولار لتصل إلى 500 مليون دولار فقط مقابل حوالى 7 مليارات دولار في عقد التسعينيات.
وذكر ستانلي فيشر -محافظ بنك إسرائيل- أن الحرب على حزب الله بلغت تكلفتها 227.3 مليون دولار أسبوعياً، وأنها رفعت العجز في الميزانية بنسبة 0.6%.
وارتفعت نسبة البطالة إلى مستويات قياسية، حيث بلغت 9.9% من القوة العاملة الصهيونية عام 2001، بعد أن كانت 8.7% في 2000، وقدر المكتب المركزي للإحصاء أن أكثر من ربع مليون صهيوني عاطلون عن العمل خلال 2001، ويشكلون 11.5% من إجمالي قوة العمل في دولة الكيان الصهيوني، وقد ارتفعت نسبة البطالة إلى 10.4% في عام 2002، ويزيد هذا الرقم بمعدل 0.2% شهرياً.
وأشار تقرير أعدته الأمانة العامة للشئون الاقتصادية بجامعة الدول العربية إلى أن خسائر دولة الكيان الصهيوني اليومية من جراء الانتفاضة الفلسطينية تتجاوز 30 مليون دولار، بما يوازي عشرة أضعاف خسائر الجانب الفلسطيني، كما رصد التقرير تراجعاً في إنتاج المستوطنات الصهيونية بنحو 70%.
وقد سجلت ميزانية حكومة الكيان الصهيوني عجزاً لا سابق له بلغ ثلاثة مليارات في شهر حزيران/يونيو 2003 ليبلغ العجز في ميزانية الحكومة في النصف الأول من هذا العام ما يربو على سبعة مليارات دولار. وتدهورت قيمة العملة الصهيونية «الشيكل» بدءاً من عام 2002 بنسبة 16%، وتراجعت القوة الشرائية للأجور بنسبة 6%، وتم تقليص 40% من خدمات التأمين الوطني، وتكبدت دولة الكيان الصهيوني خلال أعوام 2000م و2001 و2002 خسائر تجاوزت قيمتها 11.7 مليار دولار، أي ما يوازي 6% من دخلها القومي. وازدادت نفقاتها الأمنية بحوالى 2.4 مليار دولار. وتراجعت إيرادات الدولة بما قيمته 2.4 مليار دولار بسبب الانكماش الاقتصادي الذي بلغ 0.6% عام 2001، بينما كان بمعدل 6% طوال عقد التسعينيات. وتجاوزت نسبة البطالة 10.5% من إجمالي القوى العاملة.
وتشير البيانات التي نشرها المكتب المركزي للإحصاء في الكيان الصهيوني إلى أن الاقتصاد الصهيوني عام 2006 أصبح يعاني من بطء كبير في النمو، وأن أكثر القطاعات المتضررة كان قطاع السياحة، حيث انخفض عدد الليالي السياحية في الفترة بين تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر الماضيين بنسبة 78%، وانخفض معدل التصدير في الفترة نفسها من 24% قبلها بثلاثة أشهر إلى 13.5% فقط.
وأعلن اتحاد المصنعين الإسرائيليين عن تراجع صادرات دولة الكيان الصهيوني الصناعية بنسبة 3% لتبلغ قيمتها 4.7 مليارات دولار في شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس الماضيين، وانخفضت الصادرات مقارنة مع المتوسط الشهري في الربع الثاني من العام الحالي، مع استبعاد صادرات الألماس التي تشكل 30% من الصادرات الصناعية لدولة الكيان الصهيوني. وهبطت صادرات التكنولوجيا الحديثة التي تمثل نحو نصف إجمالي الصادرات بنسبة 5% في تموز/يوليو وآب/أغسطس الماضيين عقب ارتفاعها بنسبة 18.5% خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وأجبر 1800 مصنع على إغلاق أبوابها أو خفض إنتاجها بدرجة كبيرة.
وأظهرت تقارير «بنك إسرائيل» تراجع حصيلة الضرائب بقيمة أربعمائة مليون دولار. بينما بلغ إجمالي ميزانية دولة الكيان الصهيوني للعام الحالي نحو 63 مليار دولار يتم تأمين 70% منها من خلال جباية الضرائب.
وأشار تقرير اقتصادي صدر مؤخراً عن مجموعة «بي دي آي كوفيس» الصهيونية أن شهر تموز/يوليو 2006 هو الأسوأ اقتصادياً في تاريخ الدولة العبرية منذ قيامها.
وفي السياق نفسه خسرت دولة الكيان الصهيوني ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار هذا العام من بينها 400 مليون دولار على الإنفاق العسكري، وقرابة 600 مليون دولار دفعتها الحكومة كتعويضات لمن استهدفهم حزب الله بصواريخه أثناء العدوان الصهيوني على لبنان.
 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003