باراك
ونتنياهو وموفاز وليفني:
صراع شرس على خلافة أولمرت
فلسطين/عدنان أبو عامر
بدا الوضع الحزبي في الكيان الصهيوني قابلاً للتغيرات الدراماتيكية في أي لحظة،
عقب الإفادات التي قدّمها عدد ممن قدموا لرئيس الوزراء إيهود أولمرت ما قيل
إنها رشى مالية، وأفسح المجال في حينه للكثير من التوقعات والتخمينات التي
تراوحت بين عدد من الاحتمالات.
لكن الساحة الداخلية ما لبثت أن شهدت هدوءاً نسبياً، وبدا أن حدة العاصفة
السياسية داخل حزب «كاديما» ذاته قد خفّت بعد مرور أسابيع على إفادة رجل
الأعمال الأمريكي موريس تالانسكي بصورة خاصة، وفي أعقاب العاصفة التي شهدتها
الحلبة السياسية في أعقاب دعوة رئيس حزب «العمل» ووزير الحرب، إيهود باراك،
لأولمرت بالتنحي عن منصبه وإجراء انتخابات تمهيدية داخلية في «كاديما» لاختيار
خليفة له.
وقد انشغلت الساحة السياسية والحزبية في معادلات وحسابات متشعبة، تمهيداً
واستباقاً لاحتمالية باتت كبيرة لإجراء انتخابات داخلية جديدة في حزب «كاديما»
لاختيار رئيس حزب، أو حتى الذهاب إلى أبعد من ذلك وتقديم موعد إجراء انتخابات
عامة، في ظل خلفية عامة تؤشر لاستشراء الفساد وعدم الرضا الشعبي عن مستوى
الديمقراطية في (إسرائيل)، فضلاً عن تزايد نسب الداعين لتنحي أولمرت، كما تظهر
استطلاعات الرأي.
حل الكنيست.. احتمال قائم
صعد هذا الاحتمال إلى سدة الأحداث بعد أن أعلن حزب «الليكود» تقديم اقتراح
قانون لحل الكنيست، وأوضح رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو في اجتماع للكتلة أنه
أوكل لاثنين من أعضاء الكنيست مهمة إجراء اتصالات مع باقي الأحزاب للاتفاق على
موعد متفق عليه للانتخابات، مرجحاً أن يكون في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وردّ حزب «العمل» على هذا الإعلان بالتلويح بتأييد الاقتراح، إذا لم يبادر «كاديما»
لإيجاد مخرج آخر، وطالب رئيس كتلة «العمل» في الكنيست، إيتان كابل، «كاديما»
القيام بخطوة ما، إذا لم يتم تحديد موعد للانتخابات التمهيدية لاختيار رئيس
للحزب، سيصوت مع حل الكنيست.
فيما هددت حركة «شاس» من جانبها بتأييد حل الكنيست، وأعلن حزب «ميرتس» أنه
سيقدم اقتراحاً آخر لحل الكنيست، إذا لم يبادر «كاديما» لتحديد موعد للانتخابات
الداخلية لاستبدال أولمرت.
وعلى إثر ذلك أصدر أولمرت، بصفته رئيساً لحزب «كاديما»، تعليمات لرئيس لجنة
التوجيه في الحزب، تساحي هنغبي، تقضي ببدء الإعداد لعملية الانتخابات التمهيدية
لانتخاب رئيس للحزب، بعد أن تبين أن الغالبية العظمى من أعضاء الكنيست من الحزب،
بمن فيهم وزراء، يطالبون بإجراء الانتخابات التمهيدية.
كما أن أولمرت أدرك بأنه لا يستطيع المماطلة أكثر، وخاصة أنه لا يملك حجة قوية
لمنع البدء بمناقشة تحديد موعد الانتخابات التمهيدية في داخل الحزب، إلا أن
التطور الأكثر مفاجأة كان تلميح مقربين من أولمرت إلى إمكان أن يرشح نفسه في
الانتخابات التمهيدية.
استطلاعات الرأي
الأمر الأكثر غرابة في إصرار أولمرت على الترشح لرئاسة الحزب، أن استطلاع «مؤشر
الحرب والسلام»، أشار إلى أن غالبية الإسرائيليين تؤيد استقالته، إثر التحقيق
بشبهة حصوله على رشى مالية، إضافة إلى سلسلة الإخفاقات التي شهدها عصر أولمرت:
الفشل في الحرب مع حزب الله، والعجز في مواجهة حماس، واستعراض فارغ من المضمون
مع محمود عباس.
كما أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد «دحاف - مينا تسيماح» أن غالبية كبيرة من
الإسرائيليين ترغب باستقالة أولمرت، ولا تصدقه عندما يدفع ببراءته في فضيحة
الفساد الجديدة.
ويرغب 59% من الإسرائيليين في استقالته، في حين يرى 33% أن عليه إنهاء ولايته
التي تمتد حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2010. وفي الوقت ذاته، يؤكد 60% من
الإسرائيليين أنهم لا يصدقون أولمرت، في حين يقول 22% عكس ذلك. ويعتبر 60% أن
أولمرت غير قادر على تولي مهامه بسبب الشبهات حوله، مقابل 38% يرون عكس ذلك.
كما بين استطلاع أجرته صحيفة «هآرتس- ديالوج» أن «كاديما» يخسر أكثر من نصف
مقاعده، في حين يضاعف «الليكود» قوته بثلاث مرات، في حال أجريت الانتخابات الآن.
وتبين من الاستطلاع أن 40% من الجمهور الإسرائيلي يعتقدون أن أهم صفة يجب أن
يتحلى بها المرشح لرئاسة الحكومة هي نظافة اليد.
وبحسب الاستطلاع، فإن 23% فقط من الجمهور يريدون أن يهتم المرشح بأمن الدولة،
مقابل 19% فقط يعتقدون أن الصفة الأهم هي من يعمل على إحلال السلام، كما يتضح
أن 10% من الجمهور يعتقدون أنه يجب على المرشح لرئاسة الحكومة أن يعرف كيف
يعالج الأوضاع الاقتصادية.
وبموجب الاستطلاع، فإن حزب «كاديما» يخسر أكثر من نصف مقاعده، ويحصل على 13
مقعداً فقط، في حال أجريت الانتخابات الآن، مقابل 29 مقعداً في الكنيست الحالية.
وفي المقابل، فإن «الليكود» يضاعف قوته ثلاثة مرات، ويحصل على 35 مقعداً، مقابل
12 مقعداً في الكنيست الحالية. أما حزب «العمل» فيحصل على العدد نفسه من
المقاعد، أي 19 مقعداً.
خصوم أولمرت
خارطة المنافسين لأولمرت تكاد تنحصر بين وزيرة الخارجية تسيبي ليفني المتطلعة
إلى خلافته -ولو على نار هادئة- ووزير المواصلات شاؤول الموفاز الذي يحظى
بتأييد الجنرالات المتقاعدين والرموز الداعية إلى ضرورة استعادة (إسرائيل)
لقوتها الردعية.
وقد اعتبر 41% من الإسرائيليين أن وزيرة الخارجية تسيبي ليفني هي الأكثر قدرة
على الحلول محل أولمرت على رأس حزب «كاديما»، يليها وزير المواصلات شاؤول موفاز
16%، ووزير الأمن الداخلي آفي ديختر 13%، ووزير الداخلية مئير شتريت 8%، فيما
النسبة المتبقية لم تبد رأياً.
وبدا أن موفاز يسعى لإرجاء الانتخابات حتى أيلول/سبتمبر المقبل، أملاً منه في
تعزيز شعبيته داخل «كاديما» والفوز بزعامة الحزب، ويسعى إلى قيادة حكومة جديدة
برئاسته بدلاً من تبكير الانتخابات، ويبني حساباته على عدم وجود رغبة حقيقية
لدى «العمل» بالذهاب إلى انتخابات مبكرة، تؤكد الاستطلاعات أنه خاسر فيها.
كما يعوّل موفاز على بقاء «شاس» في حكومة برئاسته نظراً لمواقفه اليمينية التي
تتناغم ومواقف الحركة، ومقابل رفع مخصصات الأطفال، كما لا يستبعد إمكان إعادة
حزب «إسرائيل بيتنا» المتطرف إلى حكومة برئاسة «كاديما» وزعامته. علماً بأن
موفاز يستخدم دق طبول الحرب والتخويف حتى يصل لقلوب الجماهير، وهو بذلك يريد أن
يصبح رئيساً للوزراء.
لكن أبرز ما أثار الإسرائيليين مؤخراً أن الطريقة التي يحاول فيها شاؤول موفاز،
رئيس هيئة الأركان ووزير الحرب السابق، شقّ طريقه نحو قمة الهرم، تثير شكوكاً
ثقيلة بوجود مشكلتين حساسيتين: إما أنه لم يخلع بعد زيه العسكري، ويعتبر إدارة
الدولة كإدارة الحرب تماماً، وإما أن تكون لديه قدرة حكم مختلة تدفعه للاعتقاد
بأن الإسرائيليين في عام 2008 ما زالوا يعتقدون أن من يصرخ أكثر من غيره، ويهدد
ويخيف أكثر، ويقتل أكبر عدد من العرب -بصورة أساسية– هو الذي سيكون رئيس
الوزراء الأكثر نجاحاً.
وزيرة الخارجية تسيبي ليفني من جهتها، بدأت بإعلان مواقف انتخابية، سياسية
وسلوكية في آن واحد، كان أبرزها ما جاء على لسانها في كلمة ألقتها أمام عدد من
كبار الخبراء في منطقة الشرق الأوسط مؤخراً حول موقفها من التهدئة مع حركة حماس:
لن نسمح لحماس باختيار الوقت الذي تهاجم فيه، والوقت الذي تتوقف فيه عن شن
الهجمات وإعادة حشد قواتها، مشددة على أنه يتعين التصدي فوراً لعمليات تهريب
الأسلحة عبر الحدود من سيناء إلى غزة.
وقالت ليفني: إسرائيل لن تتهاون إطلاقاً إزاء مبدأين: الأول مضمون إقامة دولتين
تتمتعان بالسيادة، إنما يعني أن كل دولة يتعين أن توفر لمواطنيها الحلول
الوطنية الكاملة، ما يعني أن الدولة الفلسطينية ستكون مسؤولة عن توفير الحل
لجميع الفلسطينيين، على أن يشمل ذلك لاجئي المخيمات. والمبدأ الثاني يكمن في
ضمان أمن (إسرائيل) واحتياجاتها الدفاعية.
ودعت ليفني جميع الحكومات إلى الموافقة على أن أمن (إسرائيل) يعتبر حقاً أساسياً،
مطالبة كل حكومة إسرائيلية بالتصرف طبقاً لهذين المبدأين المتعلقين بقضية
اللاجئين وأمن (إسرائيل).
على صعيد آخر، فقد أصدرت ليفني توجيها خاصاً من شأنه أن يسهل على عائلات قتلى
وجرحى العمليات الفدائية مقاضاة السلطة الفلسطينية أمام المحاكم الإسرائيلية
وطلب تعويضات مالية منها، حيث أرسلت رسالة خاصة للمحاكم تطلب فيها موافقتها
القانونية. ومن شأن هذه الرسالة أن تمهد الطريق أمام عشرات القضايا المرفوعة
أمام المحاكم، لمطالبة السلطة الفلسطينية بدفع تعويضات مالية لعائلات القتلى
والجرحى، بحجة فشلها في منع انطلاق المنفذين من الأراضي الخاضعة لها.
أياً كانت حظوظ أولمرت وموفاز وليفني للنيل برئاسة حزب «كاديما»، فإن
الاستعراضات الوهمية التي يقومون بها قد تبدو شرعية أحياناً لأنها صحيحة كذلك،
في نظر الإسرائيليين، لكنها لا تستطيع أن تكون بطاقة هوية لمن يراهنون على أن
يصبحوا قادة عقلاء يتحلون بالمسؤولية وعمق البصيرة. وهكذا كما قال أحدهم مؤخراً
فإن «آباء» نظرية الترهيب والتخويف في السياسة الإسرائيلية، وعلى رأسهم بنيامين
نتنياهو، يدركون منذ زمن ما يرفض موفاز مثلاً أن يستوعبه. فإن كان موفاز وليفني
وأولمرت يعتقدون فعلاً أن حل كل مصائب الإسرائيليين ومشاكلهم يكمن في السماح
للجيش بسحق الفلسطينيين، فيبدو أنهم جميعاً في محنة، وإن كانوا يعتقدون أن هذه
هي الوسيلة للوصول إلى أفئدة الإسرائيليين، فمن الأجدر بهؤلاء أن يوضحوا فوراً
وعبر الاستطلاعات أنهم يكرهون حماس ويخشون إيران بدرجة لا تقل، لكنهم يتوقعون
من قادتهم أكثر بكثير من «النرفزة العصبية» ودق طبول الحرب!