الوضع
الفلسطيني في لبنان:
الحوادث الأمنية المتلاحقة في عين الحلوة تثير الخوف
وقضية إعادة إعمار نهر البارد تحركت مع الكثير من الملاحظات
هل نحن أمام تكرار سيناريو نهر البارد في مخيم عين الحلوة في
جنوب لبنان؟ سؤال بات يحكم الواقع السياسي، وحتى المعيشي، للاجئين الفلسطينيين
في لبنان، بعد الحوادث الأمنية المتكرّرة التي شهدها المخيم الأكبر، من قتل
الجيش اللبناني لأحد العناصر الذي وصفه بالانتحاري في محيط المخيم، إلى قتل شخص
آخر بعد اشتباك مسلّح، حسب بيان قيادة الجيش. هذه الأمور دفعت إلى تفعيل لجنة
الطوارئ المشكلة من الفصائل الفلسطينية العاملة في لبنان علّها تستطيع قطع
الطريق على أية فتنة يمكن أن تحدث نتيجة تراكم الأحداث، أو مساعي جهات عديدة
لإحداثها، من أجل تمرير مشاريع تصفية قضية العودة واللاجئين. في هذه الأثناء
عاد إلى البروز ملف مخيم نهر البارد مع نشر المخطط التوجيهي المتعلق بإعادة
إعماره.
الأمن إلى الواجهة
شهد مخيم عين الحلوة سلسلة من الحوادث الأمنية أثارت المخاوف من تفجير الوضع
برمته، بحيث تصعب السيطرة عليه، ويصبح مصير مخيم عين الحلوة شبيهاً بمصير مخيم
نهر البارد. بداية الأحداث الأخيرة ظهرت مع إعلان الجيش اللبناني عن قتل
انتحاري على أحد مداخل مخيم عين الحلوة، حاول تفجير نفسه بحاجز للجيش بواسطة
حزام ناسف كان يرتديه ويحتوي على كيلوغرامين من مادة (T.N.T.)، قبل أن يتمكن
أحد عناصر الجيش من قتله، حسب بيان قيادة الجيش. وإن أشار البعض إلى أن الحزام
الناسف هو جزء من لباس بعض الجماعات، وليس بالضرورة أن المقصود كان تفجيراً على
الحاجز. كما تبيّن أن الشخص المقتول ليس فلسطينياً، بل يحمل جنسية عربية. بعدها
جرى اغتيال أحد العناصر في مخيم عين الحلوة ويُدعى جلال حسنين، ذُكر أن له
علاقة بمعلومات أدّت إلى قتل الانتحاري. ولم تمضِ أيام قليلة حتى أطلق الجيش
اللبناني النار على سيارة من نوع «رابيد» كانت تهمّ بدخول المخيم، ما أدّى إلى
مقتل شخص بداخلها. واتخذ الجيش عدة إجراءات حول المخيم من بينها إغلاق بعض
الطرق.
هذه الاضطرابات الأمنية أوجدت هواجس لدى عدد كبير من الفلسطينيين من أن دور
مخيم عين الحلوة قد جاء بعد الانتهاء من مخيم نهر البارد، وخاصة أن الحوادث
الأمنية تتالت بعد مناخات فلسطينية وإقليمية أوحت بتقدم، أو أقله بمساعٍ جدية،
من أجل تحقيق بعض الاختراقات على مسارات التسوية. وهذا يتطلّب تصفية قضية
اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إن بالتوطين أو التهجير، والذي لا يمكن أن يحدث
إلا بتفجير أمنيّ كبير. ومخيم عين الحلوة، هو عاصمة اللاجئين الفلسطينيين في
لبنان، كما يُقال، ويضم حوالى 70 ألف نسمة، معنى ذلك أن التخلّص منه سيُضعف
المناعة الفلسطينية، ويُسهّل عملية تصفية القضية الفلسطينية.
المصادر الفلسطينية تقول إنه بعد أحداث أيار/مايو بين الموالاة والمعارضة في
لبنان، واتفاق الدوحة، كثر الحديث عن أصوليين دخلوا إلى المخيمات الفلسطينية،
وخاصة مخيم عين الحلوة، وحُكي أن بعض عناصر فتح الإسلام الذين فرّوا من مخيم
نهر البارد أثناء المعارك مع الجيش اللبناني، لجأوا إلى مخيم عين الحلوة، وأن
عددهم لا يتجاوز العشرين شخصاً على أبعد تقدير. لكن ذلك غير مؤكد بتاتاً حسب
المصادر. وتشير المصادر الفلسطينية إلى اجتماعات عاجلة عقدتها الفصائل
الفلسطينية في مخيم عين الحلوة، وفي كل لبنان، بهدف وضع استراتيجية لمعالجة مثل
هذه الأمور، وخلصت إلى عدة مقرّرات منها إحصاء البيوت وساكنيها في المخيم،
لمعرفة الغرباء عنه وتصنيفهم، إذ لا يمكن وضع كل غريب في خانة التطرف أو العداء
للجيش اللبناني، فهناك الكثير من الطبقات المحرومة تأتي لمخيم عين الحلوة من
أجل السكن، والبعض أتى إلى المخيم أثناء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي واستقرّ
بعدها بالمخيم واندمج مع أهله. لذا فالقضية بحاجة إلى التمييز بين الفئتين.
وهناك سعي حثيث لتشكيل إطار أمني من كل الفصائل الفلسطينية الموجودة في المخيم،
بهدف حفظ الأمن، والتعامل بحزم مع أية عناصر تحاول توريط المخيم في معارك لحرف
الأنظار عن القضايا الأساسية ومنها حق العودة، وحصول الفلسطينيين على حقوقهم
المدنية والإنسانية والاجتماعية. وبإعطاء هذه الحقوق يمكن محاصرة والقضاء على
أية ظاهرة تطرّف قد تنشأ أو تتغذى من الحرمان الذي يعانيه اللاجئون الفلسطينيون
في لبنان. وتحذّر العديد من الشخصيات الفلسطينية من معاقبة جماعية لأبناء
المخيم، كإقفال بعض الطرق، أو التضييق على العمال، أو الإذلال على الحواجز
المحيطة بالمخيم، لأن ذلك سيفيد حالات التشدّد، ويدعم مزاعمها بالنسبة للرؤية
إلى الآخر.
وتحذّر المصادر من أن أية معركة تستهدف مخيم عين الحلوة لن تبقى محصورة في إطار
جغرافي محدّد كما حال معركة نهر البارد. فالأخير معزول عن بقية المناطق، بما لا
يسمح بالإمداد، على عكس عين الحلوة المتداخل مع مدينة صيدا. كما أن معركة نهر
البارد حدثت في وقت لم يكن التوتر السياسي والمذهبي في لبنان قد بلغ ما بلغ حتى
يستثير عصبيات وجماعات متعدّدة، إضافة إلى عوامل عديدة يصعب حصرها. ومع ذلك،
فهناك بين المصادر الفلسطينية من يستبعد هذا السيناريو، مستنداً إلى جديّة
تعاطي الفصائل الفلسطينية مع الوضع الحالي، وعدم نيّة الجيش اللبناني الدخول في
معارك جانبية مع بداية عهد الرئيس ميشال سليمان.
إعادة إعمار البارد
بعد أكثر من عام على نزوح حوالى 40 ألفاً، هم سكان مخيم نهر البارد، صدر المخطط
التوجيهي لإعادة إعمار المخيم في 113 صفحة وفق ثلاث مراحل بكلفة 450 مليون
دولار، وتنتهي إعادة الإعمار في منتصف عام 2011. المشروع بداية من حيث الشكل
صاغته الحكومة اللبنانية ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا)، دون
استشارة الفصائل الفلسطينية أو اللجان الشعبية، أو أية جهة فلسطينية. والمشروع
يقلّص عدد البيوت بنسبة تتراوح بين 22-25 بالمئة. فلم يعد مسموحاً أن يمتلك
الفلسطيني في المخيم بيتين، واحداً في المخيم القديم وآخر في المخيم الجديد،
وعليه أن يختار واحداً بينهما.
أكثر من ذلك فإن المتملك داخل المخيم لن يستطيع البناء فوق بيته كما كان يحصل
في السابق لضرورات التزايد الديمغرافي. وفي ظل قانون منع التملك الصادر في عام
2001، والذي يمنع الفلسطيني من تملك شقة سكنية، فإن الأمر يبدو وكأنه حكم
بالإعدام على مستقبل اللاجئين في المخيم. وستقتصر منازل المخيم القديم على 4591
وحدة سكنية و800 محل تجاري و22 مؤسسة.
واعتمد المشروع مساحة تتراوح بين 80 و 100 متر مربع كحد أقصى للشقة، فكيف يمكن
أن تعيش عائلة تتكوّن من أكثر من عشرة أفراد في تلك المساحة، ما سيعرّضها
لأزمات اجتماعية ونفسية، ووضع قاسٍ جداً. وبخلاف الوعود التي أطلقتها الجهات
الرسمية اللبنانية من أن مشروع إعادة الإعمار سيراعي التمركز القروي في المخيم،
والذي يحفظ العادات المشتركة بين سكان الحي الواحد تمهيداً للعودة، فإن المخطط
التوجيهي لم يلحظ ذلك بتاتاً.
المرحلة الأولى بكلفة 45 مليون دولار، تحظى خطة «بناء القدرات وتدريب قوى الأمن
الداخلي وتعزيز النشاط الأمني» بخمسة ملايين دولار، و7.75 مليون دولار للأراضي
التي سيجري الإعمار عليها، و30 مليون دولار لتنمية المناطق المجاورة والمحيطة
بالمخيم. وهكذا بالمرحلة الأولى لا يُخصص أي مبلغ لإعادة بناء المخيم. أما
المرحلة الثانية فهي 277 مليون دولار لبناء المخيم. والمرحلة الثالثة 133 مليون
دولار تذهب معظمها إلى إعادة بناء المخيم الجديد. وفي كل الأحوال يبدو أن
التعويضات عن المحال والمؤسسات التجارية شبه غائبة عن المخطط التوجيهي.
لجنة الطوارئ
بعد الأحداث التي جرت بين الموالاة والمعارضة في العديد من المناطق اللبنانية،
كان هناك خشية من محاولة البعض جرّ الفلسطينيين إلى تلك المعارك. فتداعت قوى
التحالف الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى عدة اجتماعات انبثق
منها قيادة فلسطينية مهمتها تجنيب المخيمات تلك الأحداث الدائرة. وتشكلت لجنة
الطوارئ من ثمانية أعضاء، أربعة من فصائل المنظمة، وأربعة من التحالف. وقامت
هذه اللجنة بعدة خطوات، فزارت مخيم عين الحلوة مرتين أثناء المعارك، والتقت
القوى السياسية في المخيم، واتخذت التدابير اللازمة، من انتشار أمني على أطراف
المخيم لمنع أية احتكاكات، وكذلك عدم السماح بدخول أية عناصر متشددة إلى المخيم.
وعُقدت لقاءات أهلية لتعبئة المجتمع الفلسطيني بهذا الاتجاه، ولترسيخ مبدأ
الحياد الإيجابي في الصراعات الداخلية اللبنانية. كما زارت لجنة الطوارئ عدداً
من المخيمات الفلسطينية الأخرى والتقت قيادات لبنانية لتجنيب المخيمات أية خضات
أمنية.
وعند انتهاء المعارك، ونجاح لجنة الطوارئ في أهدافها، وتصرّفها المتّزن أثناءها،
طُرحت فكرة تطوير لجنة الطوارئ باتجاه إيجاد مرجعية سياسية جامعة للاجئين
الفلسطينيين في لبنان، مخوّلة بمناقشة كل قضاياهم. ولاقت الفكرة هوى عند معظم
الفصائل الفلسطينية، فاتُفق على تشكيل لجنة حوار لتحديد أهداف ونظام هذه
المرجعية المتوخاة، وتشكلت اللجنة من ستة أعضاء (ثلاثة من التحالف وثلاثة من
المنظمة). وتجري مشاورات واجتماعات حثيثة لدراسة الورقة السياسية والتنظيمية
للمرجعية.
أما المبادئ المتفق عليها حتى الآن فهي أن يتم تشكيل هيئة عليا تضم 16 فصيلاً (منظمة
وتحالف)، إضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني. وبعد ذلك يتم تشكيل قيادة سياسية
مصغرة مناصفة بين المنظمة والتحالف تنفذ قرارات الهيئة العليا. وتصف مصادر
فلسطينية شاركت في اجتماعات الفصائل، تلك اللقاءات بالإيجابية، وأن الخلافات
بسيطة، تنحصر في مسائل لا تمسّ الجوهر. على سبيل المثال طريقة تنسيب المستقلين.
ويأمل الفلسطينيون أن يؤدّي تشكيل مرجعية سياسية لهم في لبنان، إلى معالجة
الكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية والأمنية التي يعانون منها.