تداخلات الوضع السلطوي
والفتحاوي:
خلافات وانقسامات تعيق عقد المؤتمر العام السادس
دمشق/علي بدوان
مازال الحراك السياسي والتنظيمي، وعملية توالد الاصطفافات تحفر وقائعها داخل
مواقع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وذلك بالتزامن مع المساعي التي تبذلها
اللجنة التحضيرية للإعداد لأعمال المؤتمر العام السادس لحركة فتح. وهي مساعٍ
مازالت تسير على طريق غير سلسة على الإطلاق، بل وعلى طريق صعب، جاءت وعورته
نتاجاً للأحداث المتراكمة الداخلية في بنية حركة فتح منذ مؤتمرها العام الخامس
الذي عقد قبل 19 عاماً في العاصمة التونسية، مضافاً إليها التحولات التي تتابعت
فصولاً في الساحة الفلسطينية، مع دخول التسوية والمفاوضات السرية التي تلت «أنابوليس»
بين تسيبي ليفني وأحمد قريع في أنفاق مجهولة، في وقت ارتفعت فيه عطاءات التوسع
التهويدي الاستعماري الإجلائي الصهيوني في منطقة القدس بشكل خاص.
فالتحولات إياها، لم تسعف حركة فتح في حثّ الخطى من أجل تجاوز الأوضاع السلبية
التي تعيشها في حياتها التنظيمية الداخلية التي بدأت تغلي وترتفع في مختلف
المفاصل التنظيمية لفتح في الداخل والخارج، وبعد تواتر المعلومات التي لم تتوقف
في إشارات واضحة تدل على استمرار التباينات الداخلية في جانبها السياسي المتعلق
بتقييم مرحلة ماقبل وما بعد «أنابوليس»، فضلاً عن المسائل الداخلية المتعلقة
بالجسم الفتحاوي في ظل حالة الترهل المؤسساتي، وانفلاش الأوضاع وفق ما يعرف
باسم «تعدد المرجعيات والمنابر»، وسيطرة تيارات وأجنحة معينة على موقع القرار
التنفيذي على الأرض، وتوالي عملية تهميش حضور وتأثير البنية القاعدية الفتحاوية
في صياغة الموقف والقرار.
وما زاد من تعقيد حالة الأوضاع الفتحاوية الداخلية الصعبة، توالُد حالات من
أشكال الاحتراب الداخلي غير المسؤول بين عدد من المفاصل القيادية التنظيمية
والعسكرية والأمنية، وانقطاع اللجنة المركزية عن إتمام اجتماعات عملها النظامية
بحضور النصاب الحقيقي، واقتصارها على الحضور فقط، وبغياب فاق في غالبية
اجتماعاتها أكثر من الثلثين، فباتت اللجنة المركزية معطلة تماماً، وغائباً
كبيراً عن تقرير مصير العمل والبرنامج الفتحاوي. كما ولا يخفى على أحد حالة
التنافر السلبية الحادة بين الرئيس محمود عباس والسيد فاروق القدومي الذي يعتبر
نفسه بمثابة آخر المرجعيات التاريخية لحركة فتح.
صعوبة المؤتمر
وفي هذا السياق، هناك حالة من اللامبالاة من قبل بعض أعضاء اللجنة المركزية
لحركة فتح، في تجاهلها مطالب الكوادر والوسطى والقاعدية للحركة التي تطالب بعقد
المؤتمر العام، وانتخاب الهيئات القيادية المفصلية ورفدها بالدماء الشابة التي
برزت في سياق الانتفاضتين. وعليه وأمام استعصاءات عقد المؤتمر العام، وهي
استعصاءات مازالت قائمة على الأرض بغض النظر عن المؤتمرات الفرعية التي عقدت في
بعض مدن الضفة الغربية، فإن البعض من قيادات الحركة وأعضاء اللجنة المركزية بدأ
في الحديث عن حلول ترقيعية تقتضي بعقد كونفرنس بديلاً عن المؤتمر العام.
ويمكن القول بأن الحل المتمثل في استبدال عقد المؤتمر العام الموسع لحركة فتح،
الذي لم ينعقد منذ عام 1989، بعقد كونفرنس مصغر يشارك فيه ما بين 400 - 500 عضو،
يبدو أمراً غير مقبول على الأرجح من قِبل غالبية أعضاء اللجنة التحضيرية التي
تم تشكيلها منذ زمن طويل (قبل حوالى أربع سنوات) للإعداد لأعمال المؤتمر. كما
في رفض مبدأ تعيين ما بين خمسة إلى ستة أعضاء جدد للجنة المركزية لحركة فتح.
وانطلاقاً من المعطى الأخير، والمتعلق برفض غالبية أعضاء اللجنة التحضيرية وعلى
رأسهم محمد راتب غنيم (أبو ماهر) لمبدأ الاستعاضة عن المؤتمر العام بكونفرنس
مصغر، فقد أقرت اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام السادس لحركة فتح في اجتماعها
الأخيرفي العاصمة الأردنية، حلاً وسطاً ترقيعياً مازال رجراجاً ولا يضمن
إمكانية السير نحو التئام أعمال المؤتمر العام. ويتضمن شروط ومواصفات العضوية
في المؤتمر على نحو يغلّب التعيين على الانتخاب، ويضمن تثبيت الأعضاء الحاليين
في اللجنة المركزية والمجلس الثوري للحركة، وتمثيل العسكر بما لا يزيد عن 51%
من أعضاء المؤتمر، وذلك بعد أن كان الرئيس محمود عباس يصر على أن لا يزيد
تمثيلهم عن 15%، وعلى أن يتم ثبيت الرئيس عباس قائداً عاماً، واللواء نصر يوسف
(مصطفى البشتاوي) نائباً له، وهو الموقع الذي سبق أن كان يشغله الشهيد خليل
الوزير، ولم يخلفه فيه أحد منذ استشهاده في نيسان/أبريل سنة 1988، الأمر الذي
رفضه بشدة كل من فاروق القدومي ومحمد راتب غنيم وسليم الزعنون، حيث نقل عن
حمدان عاشور أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح قوله «على القدومي أن يقبل بذلك،
أو أن يغادر الحركة»..!
وفي الجانب الأخر المتعلق بالسلطة الوطنية الفلسطينية، فقد تواصل تعالي الأصوات
الفتحاوية المنادية باستعادة موقع رئاسة الوزارة من يد سلام فياض الذي تعتبره
غالبية الكوادر الوسطى لفتح رجلاً قادماً من خارج عباءة الحركة أو أي من
فصائلها وقواها السياسية، وبعكس ما قرره المجلس الثوري لحركة فتح في اجتماعه
نهاية الأسبوع الأول من شهر حزيران/يونيو 2008 لجهة تشكيل حكومة جديدة تخلف
حكومة الدكتور سلام فياض، حيث أبدت غالبية المجلس قناعتها بأن حكومة فياض لا
تمثل حركة فتح، وأن كل ما تقوم به من إجراءات يستهدف حركة فتح، توقعت مصادر في
المجلس الثوري بأن الرئيس محمود عباس لن يلتزم بقرار المجلس الثوري. وكشفت بعض
المصادر أن فياض رد على عباس، حين أبلغه بقرارت المجلس الثوري بأن تعديل حكومته
يعني توقف جميع المساعدات الأمريكية والأوروبية للسلطة..! وعلى هذا الأساس،
اعتبرت مصادر الرئيس عباس، وعلى النقيض من توجهات المجلس الثوري، بأن عملية
التغيير الوزاري واردة وفق قرار المجلس الثوري لحركة فتح، لكن على أساس تعزيزها
بدماء جديدة لها، سواء من حركة فتح أم من قبل الفصائل الأخرى في الوقت المناسب.
تصحيح أوضاع
وعليه، فإن المجلس الثوري لحركة فتح في دورة أعماله الأخيرة، قرر في أولى
القرارات الخمسة عشر التي اتخذها «المطالبة بتشكيل حكومة جديدة ومشاركة حركة
فتح والفصائل الوطنية». كما نص القرار رقم خمسة من قرارات المجلس الثوري على «وقف
العمل بكافة القرارات المتعلقة بتعديل قانون التقاعد العام، نظراً لما تركته من
آثار سلبية على أوضاع المؤسسة الأمنية، تمهيداً لإلغائها، وإلغاء كل قرارت
الإحالة إلى التقاعد التي صدرت بموجب هذه التعديلات، واستمرار العمل بالقانون
الذي أقره المجلس التشريعي، ومصادقة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية».
وفي السياق ذاته، نص القرار رقم ستة على تشكيل لجنة خاصة من عدد من أعضاء
المكتب الحركي العسكري لفتح ومن الكفاءات العسكرية ذات الخبرة، سواء من
العاملين بالخدمة أم ممن أحيلوا إلى التقاعد، بهدف متابعة إلغاء أو وقف العمل
بالقرارات والمراسيم التي كان سلام فياض قد أصدرها تباعاً، واستطاع من خلالها
أن «يقصقص» نفوذ المئات من الكوادر الفتحاوية المدنية والعسكرية (خصوصاً منها
تلك التي تمتلك موقفاً نقدياً للسلطة وسياساتها)، وتصحيح الأوضاع التي نجمت عن
التعديلات المشار إليها، والتوصية باستدعاء من يلزم من الضباط المتقاعدين
لضرورات المصلحة العامة.
من جانب آخر، وفي اتجاه مترافق مع مسألة المؤتمر العام لحركة فتح، فشلت المساعي
الموازية التي تم بذلها خلال الفترة الأخيرة لعقد دورة اجتماعات جديدة ومتكاملة
للمجلس الوطني الفلسطيني الذي يعتبر الهيئة التشريعية المسؤولة في منظمة
التحرير الفلسطينية، وذلك وفق صيغة جديدة بمن حضر. فقد أسديت من قبل بعض
المراجع الفلسطينية المحايدة نصائح مباشرة، رأت ضرورة الكف عن الدعوة لمجلس
وطني جديد في ظل غياب التوافق الفلسطيني، خشية من أن يؤدي ذلك نحو تكريس وترسيم
الانقسام في الساحة الفلسطينية، في ظل وجود اتجاه عام لدى الطرف الآخر المعارض
من المعادلة الفلسطينية، يسير نحو العمل لتشكيل إطار من كل القوى في موازاة أي
اجتماع غير توافقي للمجلس الوطني الفلسطيني في عمان.
في هذا السياق، تباينت المواقف في اجتماع اللجنة التحضيرية المكلفة بالإعداد
لاجتماعات المجلس الوطني، وهو الاجتماع الذي عقد مؤخراً في رام الله، وشاركت
فيه شخصيات وطنية من المستقلين إضافة إلى ممثلي (حركة فتح، الجبهة الشعبية،
جبهة النضال، جناح جبهة التحرير الفلسطينية، جبهة التحرير العربية، حزب الشعب
الفلسطيني، حزب فدا...). فالجبهة الشعبية اتخذت موقفاً متحفظاً، بينما دعت جبهة
التحرير العربية إلى التريث بدعوة المجلس الوطني للانعقاد، وكذلك فعلت جبهة
التحرير الفلسطينية عبر مندوبها علي إسحق الذي رفض باسم الجبهة عقد دورة للمجلس
قبل التوافق الوطني.
إلى المجلس المركزي!
ومع انسداد الطريق أمام إمكانية التئام أعمال المجلس الوطني، استدارت الجهود
لترتيب عقد اجتماع كامل للمجلس المركزي، وهو الهيئة الوسيطة بين اللجنة
التنفيذية للمنظمة والمجلس الوطني (البرلمان). وعندما يصعب تمرير استحقاقات
جديدة تحت عباءة المجلس الوطني، فالمجلس المركزي كاللجنة التنفيذية للمنظمة،
يتم استحضاره وقت الطلب، وذلك لتحقيق جملة من الأغراض دفعة واحدة، منها إعطاء (كرت
بلانش) وتفويض سياسي جديد لمواقع السلطة، واتخاذ قرار حل المجلس التشريعي
المنتخب في دورته الثانية التي جرت في 25/1/2006 والدعوة لانتخابات تشريعية
جديدة في الضفة الغربية والقدس والقطاع، وهي مسألة غاية في الخطورة باعتبارها
خطوة تفجيرية جديدة في البيت الفلسطيني، تكرس الانقسام.
ومع هذا، مازالت دعوة المجلس المركزي للانعقاد تصطدم بدورها بممانعة العديد من
القوى والشخصيات المؤثرة، بما في ذلك رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون (أبو
الأديب) الذي رفض دعوة انعقاد المجلس المركزي، ودافع عن عدم قانونية الدعوة،
وخاض معركة كلامية قاسية في الاجتماع الأخير للجنة التنفيذية للمنظمة مؤخراً في
رام الله، حيث غادرالاجتماع غاضباً، ليلحق به البعض ويسترضيه ويعيده إلى
الاجتماع.
وكرئيس للمجلس الوطني يدرك سليم الزعنون تماماً الهدف من دعوة المجلس المركزي
للاجتماع، وما الذي يراد منه، حيث يرى في هذه الطلبات مخالفة صريحة للائحة
الداخلية للمجلس الوطني، فضلاً عن محاذيرها السياسية، متمثلة في خشيته من أنه
في حالة انتخاب نائب له من الداخل، وأمين للسر، وإضافة 11 عضواً جديداً من
الداخل بدلاً عن المتوفين، وإضافة أربعة أعضاء إلى اللجنة التنفيذية أيضاً من
الداخل، فإنه يصبح بالإمكان عقد المجلس المركزي في أي وقت في الداخل، بموافقته
وبدونها، واتخاذ ما يشاءه تيار التسوية من قرارات وإجراءات تنظيمية وسياسية دون
حسيب أو رقيب..!