الرؤية الصهيونية لحماس بمناسبة مرور عام على الحسم في غزة:
الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية فشلت
لا يمكن إسقاط حكومة منتخبة لحركة تحمل مشروع المقاومة
بمناسبة مرور عام على الحسم العسكري، وسيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)
على قطاع غزة، أبدت وسائل الإعلام الإسرائيلية اهتماماً كبيراً بتقويم هذه
المرحلة، وتحديداً الموقف الإسرائيلي الرسمي من الحركة وإصدار الأحكام بصدده،
وهل كان هذا الموقف صائباً، وهل كانت الرهانات التي وضعتها (إسرائيل) على
ممارسة القمع والضغوط الاقتصادية والعسكرية والعزلة السياسية على الحركة مثمرة،
أم أن حماس فاجأت (إسرائيل) بشكل لم يكن متوقعاً؟
تسفي بارئيل، المعلق والمفكر الإسرائيلي، يرى أنه ليس (إسرائيل) بل العالم
بأسره عندما اعتقد أن المقاطعة على حركة حماس والضغوط السياسية والعسكرية
والاقتصادية ستجبر الجمهور الفلسطيني على الانفضاض عنها. ويؤكد بارئيل أن فشل
هذه التوقعات كان كبيراً، لأن (إسرائيل) انطلقت من افتراض أن الضغوط العسكرية
والاقتصادية يمكن أن تدفع بشعب ما عن التخلي عن حركة تتبنى مقاومة المحتل،
مؤكداً أن التجربة دلت على فشل هذه الرهانات بشكل واضح وجلي. ويخلص بارئيل إلى
استنتاج هام مفاده أن على (إسرائيل) أن تبادر إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، وأن
تقدم كل التسهيلات من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، ومحاولة التوصل
معها إلى الحد الأدنى الممكن من الحلول، الذي يسمح بجعل الحياة على جانبي الخط
الفاصل بين (إسرائيل) وقطاع غزة ممكنة.
تفاوضوا مع حماس
أما نحميا شترسلر، الخبير الاقتصادي والمعلق السياسي المعروف، فاعتبر أن (إسرائيل)
هي المسؤولة عن تدهور الأوضاع الأمنية في المستوطنات المحيطة بالقطاع، لأنها لم
تحترم إرادة الجمهور الفلسطيني الذي اختار حركة حماس لإدارة الشأن الفلسطيني،
معتبراً أن دعوات اليمين الإسرائيلي لتبنّي الخيارات العسكرية في مواجهة حماس
يعني أن تتواصل الحرب والمواجهة إلى عقود. وقال «إسرائيل أوصلت الفلسطينيين الى
هذا الوضع البائس المتفجر بدلاً من احترام قيادتهم والاتفاق معها، واليمين يطلب
منا أن نحارب مائة سنة أخرى».
ويخلص شتراسلير إلى استنتاج واضح وجلي عندما يقول «على حكومة إسرائيل أن تتفاوض
مع حماس كما فعلت مع (م.ت.ف) سابقاً، لأن الحل العسكري أثبت فشله».
البرفيسور يورام ميطال، المستشرق وأستاذ التاريخ في جامعة بن غوريون، يرى أن (إسرائيل)
من خلال الضغوط العسكرية على قطاع غزة حاولت تكريس القطيعة بين الضفة الغربية
والقطاع، والتعامل معهما كوحدتين جغرافيتين منفصلتين، لكن هذا الرهان تبين أنه
خاسر أيضاً. ويتهم ميتال الإدارة الأمريكية بتشجيع (إسرائيل) على ارتكاب هذا «الخطأ».
وقال «يجب على (إسرائيل) وأمريكا أن تريا الضفة والقطاع وحدة سياسية واحدة، وأن
تقبلا مفاوضة كل حكومة منتخبة مهما تكن، تقبل معايشة (إسرائيل) ومحادثتها».
وأردف قائلاً «هل يمكن الفصل حقاً بين الضفة الغربية وقطاع غزة؟ هل يحسن تقديم
اتفاق سياسي مع قيادة فلسطينية تحظى بتأييد عام ضئيل مع تجاهل بادٍ لحركة حماس،
التي أفضى التأييد العام الواسع لها إلى فوزها في الانتخابات الأخيرة؟». وأضاف
«يجب الاتفاق مع القيادة الفلسطينية المنتخبة على وقف متبادل للأعمال العدائية،
وعلى توسيع حرية الحركة، وعلى تجنيد الموارد لإعادة بناء فروع التجارة والخدمات،
وإنشاء أماكن عمل. إن البحث عن أفق سياسي متفق عليه في إطار مؤتمر دولي قد
يستمر، لكن إحراز اتفاقات في الموضوعات التي ذُكرت آنفاً، مع قيادة منتخبة
وبتأييد دولي، هو أمر تفرضه الضرورة الآنية»، على حد تعبيره.
الجنرال شلومو غازيت، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، يهاجم
الحكومات الإسرائيلية التي راهنت على حركة فتح وقيادتها التي يصفها بالفاسدة.
ويضيف «فضلت (إسرائيل) الاعتماد على حركة فاسدة انقضى زمنها، بدل منح حركة
يؤيدها الفلسطينيون الفرصة. حان الوقت لتغيير اتجاه السياسة الإسرائيلية». وشدد
غازيت على أن الشعب الفلسطيني لن يؤيد حركة يترأسها مجموعة من الفاسدين الذين
يضحون بمصالحه. وأضاف «لن يؤيد الشعب الفلسطيني في الضفة وفي القطاع حركة أصبح
المستقبل وراءها. وهو بالتأكيد لن يؤمن بقادة تؤيدهم الولايات المتحدة
و(إسرائيل). ألم يحن الوقت لتقويم الوضع من جديد؟»، يتساءل غازيت.
انهوا المقاطعة
أما المفكر جدعون ليفي فيرى أن (إسرائيل) لم تفشل فقط في رهاناتها في الضغط على
حماس، بل إن هذه الضغوطات أسفرت عن نتائج عكسية. أضاف أن (إسرائيل) اعتقدت أن
عمليات القمع والحصار ستؤدي إلى أن يتبنى الفلسطينيون مواقف أكثر اعتدالاً.
وتابع أن «جميع الوسائل، ومن ضمنها المقاطعة، لم تجعل سكان غزة يزدادون اعتدالاً،
وعلى هذا يجب على (إسرائيل) والغرب أن يكفّا عن مقاطعة غزة وقيادتها، بعد أن
أظهرت قدرة على ضبط الأمر في القطاع». وأردف قائلاً «فرضت (إسرائيل) والغرب
القطيعة على السلطة الفلسطينية بهدف إضعاف حماس، وبعد نحو سنة ونصف السنة آتت
هذه السياسة الألمعية ثمراتها. فزادت حماس قوة. إذا كانت توجد عِبرة من إخفاق
السياسة الإسرائيلية تجاه غزة، فإن هذه العبرة تقول إن التجويع والتجفيف ومنع
المساعدة لا تكوي الوعي الفلسطيني، ولا تدفع الشعب الذي يحيا تحت الاحتلال
للتنازل، ولا تُضعف حركات سياسية. بل العكس».
ويشنّ ليفي هجوماً كاسحاً على بعض المحللين الصهاينة، الذين شجعوا الحكومة على
سياستها تجاه حركة حماس، بعد أن ثبت فشل هذه السياسة، ويقول «لا يوجد لدى هؤلاء
المحللين أي نقطة دم في وجوههم، إن الفكرة البلهاء التي قالت إنه يمكن إسقاط
حكم منتخب باستعمال الضغط على سكان عاجزين، فشلت فشلاً ذريعاً. قاطع العالم
حكومة الوحدة التي ربما كانت تستطيع منع المشاهد الصعبة في غزة لو تُركت تحكم.
وهكذا حصلنا على البديل، وهو سيطرة حماس التامة على غزة بانقلاب عسكري وفصلها
عن الضفة. هذه أنباء سيئة لـ(إسرائيل) بشكل أساسي».
ويعتبر ليفي أن حركة فتح انضمت إلى (إسرائيل) والإدارة الأمريكية في أخطائهما
تجاه حركة حماس، معتبراً أن كل الدلائل تشير إلى أن الضغوط السياسية
والاقتصادية إن نجحت فإنها ستنجح في إيجاد قيادة أكثر تطرفاً في قطاع غزة، وهذا
لا يعتبر إنجازاً لـ(إسرائيل)، بل فشلاً ذريعاً ومدوياً.
ويدعو ليفي (إسرائيل) للكف عن أي محاولة أخرى لإضعاف حماس، قائلاً «إن الحديث
عن الحاجة إلى المسّ بحماس لا يوجد له أساس يقوم عليه. لقد ضاعت غزة من أيدينا.
كما أن حركة فتح لن تنتعش، بعد أن هرب قادتها إلى رام الله تاركين رجالهم تحت
رحمة حماس». وشدد ليفي على أن (إسرائيل) وصلت في البداية إلى استنتاج مفاده أنه
يتوجب تعزيز قوة عباس، لكنها اكتشفت أن عقارب الساعة لن تعود للوراء مهما عملت،
ومهما قامت به من خطوات في هذا الإطار.
إسقاط حماس.. حلم
أما إبراهام تيروش، سكرتير الحكومة الإسرائيلية في عهد رئيس الوزراء الأسبق
مناحيم بيغن، فيرى أن على (إسرائيل) أن تتخلى عن فكرة القضاء على حماس بواسطة
عمل عسكري، لأنه لا يمكن إسقاط حكومة منتخبة عبر الضغوط السياسية والعسكرية
والاقتصادية على الشعب الذي انتخبها، مشدداً على أن هذا يؤدي إلى نتائج عكسية.
ويضيف «من راهن على أن تفضي الهجمات الإسرائيلية الكثيفة والضغوط الاقتصادية
إلى إقناع الفلسطينيين بالثورة على حماس، إلى حد إسقاطها، كان يحلم أحلام
اليقظة. فهذه الهجمات خاصة زادت تأييد الجمهور الفلسطيني لحماس في القطاع».
ويؤكد تيروش أن تأييد الجمهور الفلسطيني لحماس تعاظم في الضفة الغربية، منوهاً
إلى أن هناك الكثير من مظاهر التضامن الذي يبديه الفلسطينيون مع حماس.
أما عكيفا الدار، المعلق السياسي في صحيفة «هآرتس»، فيسخر من السياسة
الإسرائيلية تجاه حركة حماس منذ الحسم العسكري وحتى الآن، حيث يؤكد أن (إسرائيل)،
عملياً، هي التي تنازلت لحماس سياسياً، في حين أن هذه الحركة تعاظمت قوتها
الجماهيرية. وقال «إسرائيل هي التي دفعت ثمن اجتياحاتها بالعمل السياسي، لأن
حماس تزداد تجذراً في الشارع الفلسطيني على حساب من نراهم معتدلين والذين
يزدادون ضعفاً».
الكاتبان بيلي موسكونا لرمان وموشيه تسيمرمان، كتبا مقالاً هاماً في صحيفة «معاريف»،
قالا فيه إن (إسرائيل) والإدارة الأمريكية حاولتا جرّ الشعب الفلسطيني إلى حرب
أهلية، محذرين أن (إسرائيل) تنجر دون أن تدري لشن حرب أهلية داخل (إسرائيل)
نفسها. وأشارا إلى أن (إسرائيل) تحاول جرّ الفلسطينيين إلى حرب أهلية دون أن
تقدم للقيادات «المعتدلة» تنازلات تحفظ ماء وجههم، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج
عسكية. وأضافا «إن رفض الإسرائيليين مدّ يد السلام للمعتدلين بين الفلسطينيين،
أفضى إلى الحرب الأهلية الفلسطينية وانتصار حركة حماس. إذا ما استمر
الإسرائيليون في رفض المعتدلين الفلسطينيين، فقد يفضي بهم الأمر إلى حرب أهلية
مع المتطرفين اليهود أنفسهم».
داني ربنشتاين، الكاتب المختص بالشؤون العربية، يرى أن لدى حركة حماس قوة
تدميرية أكثر مما تتصوره (إسرائيل). وبالتالي فلن تكون هناك أية لعبة سياسية،
سواء في غزة أم في الضفة بدون موافقة حماس ومباركتها. ويسخر ربنشتاين من جهود
التسوية التي تقوم بها الإدارة الأمريكية قائلاً «لقد فقد الفلسطينيون الأمل من
التسوية السياسية، ويتضح أن أبو مازن أبعد من أن يحقق الحد الأدنى الذي يطلبه
الفلسطينيون، لذا فإن الفلسطينيين سيستأنفون المقاومة بالتأكيد. بكلمات أخرى،
قريباً جداً قد يتبين بأن كل التحركات السياسية الحالية ما هي إلا ذر للرماد في
العيون».
لكن أفرايم سنيه، نائب وزير الحرب الصهيوني السابق، يرى أنه يتوجب عدم القنوط
من إمكانية مواجهة حماس، وذلك عبر الرهان على حلفاء (إسرائيل) في حركة فتح، كما
يقول. وينصح سنيه (إسرائيل) بالموافقة على إطلاق عدد كبير من سجناء فتح، وعلى
رأسهم مروان البرغوثي، من أجل تعزيز الحركة في نظر الشعب الفلسطيني. ويضيف أن
عدد الضحايا الإسرائيليين الذين سيوفره خروج البرغوثي للعمل السياسي خارج السجن
أكبر بعشرات الأضعاف من عدد أولئك الذين يُتهم بموتهم». ويردف قائلاً «إن ستة
آلاف من السجناء الأحد عشر ألفاً، الذين تسجنهم (إسرائيل)، هم من رجال فتح.
الجدوى السياسية من إطلاق كثيرين منهم تفوق المخاطرة الأمنية التي تصحب ذلك
بأضعاف كثيرة»، على حد تعبيره.