صائب عريقات.. خوفاً على الوظيفة
ياسر قدورة
في آذار/مارس من عام 2004 كتب صائب عريقات (لماذا ألغى بوش وظيفتي؟!) محتجاً
على الرئيس الأمريكي لأنه تجاوز دوره كمفاوض رئيس عن منظمة التحرير الفلسطينية،
باعتبارها الجهة الوحيدة التي ((تملك حق التفاوض للوصول إلى سلام دائم مع
إسرائيل)) ولأنه قرر نيابة عن الشعب الفلسطيني وعن المنظمة أن اللاجئين
الفلسطينيين لن يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم، وذلك في المؤتمر الصحافي الذي
عقده بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون يوم 14 من ذاك الشهر.
في عام 2003 احتج عريقات على محمود عباس مقدماً استقالته من الحكومة التي شكلها
الأخير بعد الضغوطات الأمريكية والدولية على ياسر عرفات، وذلك لأن عباس ألغى
دوره كوزير للمفاوضات عندما استثناه من جلسات التفاوض مع أرييل شارون حول خريطة
الطريق.
ومع بداية عام 2008 انطلقت دوامة التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي من جديد، وصائب
عريقات على رأس عمله كـ(كبير المفاوضين الفلسطينيين)، رغم أن من استبعدوه أو
تجاوزوه (أبو مازن وبوش) هم القائم الفعلي على هذه الجولة من التفاوض بعد مؤتمر
أنابوليس وزيارة بوش للأراضي المحتلة، علماً أن الرئيس بوش اختتم زيارته إلى
الأراضي المحتلة بتصريح لا يقل سوءاً وإجحافاً بحق اللاجئين عما قاله عام 2004،
عندما اقترح حل مشكلة اللاجئين بالتعويضات متجاوزاً القرارات الدولية التي تؤكد
على حقهم بالعودة.. لكن هذه المرة لم تثر ثائرة عريقات، واكتفى بالقول ((إننا
نعتبر أن ما ورد في البيان من نقاط إن كنا نتفق معها أو نختلف مع جزء منها فهي
موقف الرئيس بوش وليس موقفنا)). في الوقت الذي صبّ فيه غضبه على حماس، متهماً
إياها بتحريض (إسرائيل) ضد السلام من خلال رفضها الالتزام بأي اتفاق يوقّع بين
عباس وأولمرت.. فما سرّ هذه اللباقة مع بوش والوقاحة مع حماس؟!
صائب عريقات (أبو علي) من مواليد القدس عام 1955، انتقل إلى الولايات المتحدة
في عمر السابعة عشر، وتابع دراسته هناك فنال شهادة البكالوريوس في العلوم
السياسية والماجستير في العلاقات الدولية.. سافر إلى بريطانيا وحاز على شهادة
الدكتوراه في دراسات السلام، وعاد بعدها ليعمل محاضراً في جامعة النجاح في
نابلس، إضافة لعمله في المجال الصحفي مدة 12 سنة في جريدة القدس، ألّف عدة كتب،
ونشر كماً ضخماً من المقالات والدراسات. وفي عام 1982 بدأ عريقات بنشر مقالات
عن ضرورة الحوار مع الأكاديميين الإسرائيليين، ما أثار موجة من الغضب في أوساط
الفلسطينيين وتحديداً طلاب الجامعات. وفي عام 1983 بدأ برنامجاً خاصاً باستضافة
طلاب إسرائيليين من جامعة تل أبيب، الأمر الذي أدى إلى حالة من الاستياء بين
طلاب جامعة النجاح فاتهموه بالعمالة والخيانة وامتنعوا عن حضور محاضراته.
كان ضمن الوفد الذي اختاره ياسر عرفات لحضور مؤتمر مدريد عام 1991. وصار من
المقربين إليه، لذلك سلّمه ملف المفاوضات منذ عام 1996، فشارك في مفاوضات كامب
دايفيد عام 2000، ومفاوضات طابا 2001..انتخب عضواً في المجلس التشريعي عن حركة
فتح عام 1996، واحتفظ بمقعده في انتخابات 2006 رغم الخسارة التي منيت بها حركة
فتح. وشغل منصباً وزارياً في معظم الحكومات التي شكلتها فتح منذ بداية تطبيق
اتفاق أوسلو.
كان من الوجوه الفلسطينية المفضلة في وسائل الإعلام الأجنبية وخاصة الـCNN
لكثرة التصريحات التي انتقد فيها العمليات الاستشهادية وكل العمليات العسكرية
التي نفذتها المقاومة في الأراضي المحتلة عام 48، حتى أن أمين سر حركة فتح
مروان البرغوثي انتقد في العلن سذاجة عريقات لظنه أن الإسرائيليين سيعترفون
بالحق الفلسطيني من دون مقاومة.
وفي تجربة عريقات الكثير من التقلبات والتناقضات، فهو أحد الأكاديميين الذين
أكثروا من الحديث عن الديمقراطية وحرية الرأي، ومع ذلك لم يُقدِم كوزير للحكم
المحلي والبلديات منذ عام 1994 وحتى 2003 على تنظيم الانتخابات البلدية، وذلك
خوفاً من فوز حركة حماس التي كانت تعلن باستمرار عن استعدادها لخوض تلك
الانتخابات. كان من المقربين من جبريل الرجوب حتى أفل نجم الأخير عام 2002،
ومحسوباً على ياسر عرفات في الفترة التي قام فيها دحلان بالتمرد عليه. وبعد
وفاة الرئيس عرفات صار عريقات من المدافعين عن محمد دحلان وحركة الفوضى التي
قادها في غزة. تغنّى بالوحدة الوطنية طويلاً، لكنه كان من أشد الرافضين لدخول
فتح في حكومة وحدة وطنية مع حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، بل كان من
الرافضين لتوقيع اتفاق مكة ولم يحضره وفضّل البقاء في واشنطن أثناء توقيع
الاتفاق.
لا يمكن أن نفهم كيف يسخّر كبير المفاوضين كل علمه وعمله للتفاوض مع العدو
وتبرئة ساحته من الصلف والتعنت، ويدير ظهره لأهل بيته ويرفض الحوار معهم
ويتهمهم بالتحريض ضد السلام. اللهم إلا أن يكون ذلك خوفاً على وظيفته وصفته
التي تقع هذه الأيام تحت رحمة بوش وأبو مازن.