|
مبارك غرسكم أبا خالد..!
لمى خاطر
يشرعون ضلوع صدورهم متاريس تصد شظايا البغاة.. يتسامون بهاماتهم على بهرج
الحياة وإغواء المناصب.. يجودون بقطع من فؤادهم فداءً للمبادئ التي يحملونها..
هم مشاريع الشهادة التي تحيا بين جماهيرها.. هم الشهداء مع وقف التنفيذ، الذين
إذا ما تأنّت ساعة الرحيل قبل اجتبائهم إلى جوار الأنبياء كانت فلذات أكبادهم
تسبقهم للعلياء، لتسم حاضرهم بثقافة الدم المبذول تقرباً لله، وتسطر في تاريخهم
خطاً من الشرف عريضا يتقد توهجاً ويقر أن أمراء الطائفة المنصورة في فلسطين
وقادة ركبها ما انفكوا عن امتطاء عاديات البطولة حتى حين غدوا نواباً ووزراءً
وقادة صف أول يملأ ذكرهم الدنى..
ويح من قال إن المناصب قد أنضبت من عروق شيوخ الوطن عرق الحمية ونزعة الإقدام..
ويح من زاود على من رصفت طريقهم بالأشلاء والسلاسل والنفي، وذاقوا العذاب
ألواناً وصنوفا.. ويح من افترى على الذين صدقوا الله في حلهم وترحالهم وثبتوا
حين تخلخت الأرض من تحت أقدامهم وغصت الأجواء بعاصفات التفريط..
ما كان عبد الفتاح دخان الذي قدّم نجليه شهيدين علامة فارقة في سجل حماس، وما
كان أبو بلال ريان الذي جاد بفلذة كبده إبراهيم صفحة قد طويت من كتاب القادة
الأخيار الذين لا ينظّرون للجهاد من بروج عاجية عالية بل يتقدمون صفوف المواجهة،
وما كان باسم نعيم الذي اصطفى الله ابنه نعيم المتفرد من بين قادة فيلق العزة
الذين رتلوا على مسامع أنصارهم دروساً عملية في الفداء والشهادة، وما كان وما
كان وما كان.. ألا ليت المقام يتسع لتعداد كل رموز حماس الذين تنشقت الهيجاء
عبير دمهم وأهلهم فأوقدت منها وهج استمرارها وعنفوانها ورهج سنابك جيادها..
ما كان آباء وأبناء وأزواج وأموال كل من قلدته حماس شرف قيادة ركبها أحب إليهم
من الله ورسوله وجهاد في سبيله، وتجارة بني حماس لن تبور بحول الله تعالى الذي
قرر نبيه الكريم أن سلعة الله غالية ولا يقدر عليها إلا من خلصت نفوسهم لله
وترفعهم أكفهم عن هوى الاغتراف من رغد الحياة وزينتها..
اليوم يجود أبو خالد الزهار بنجله حسام أحد الجنود الكماة في فيالق القسام، بعد
أن كان قبل نحو عام قد قدم زوج ابنته الشهيد أحمد عوض مسؤول وحدة التصنيع
العسكري في كتائب القسام، وقبله ابنه خالد شهيدا يوم صبت طائرات ((الأباتشي))
حممها على بيته الذي تهدم فوق رأسه، وخرج أبو خالد من تحت الأنقاض مقداماً تزين
جبهته خطوط من الدم صبغت هامته بهالة وضاءة من بهاء الجلال ونقاء التقى..
فلله دركم يا آل الزهار.. لله در غرسكم يا أبا خالد.. فأنتم لم تهبوا الأرض
بذار الحماس وحسب، بل جعلتم من ضلوعكم أوتاداً تسند سارية لواء المقاومة فتوزع
بذلكم على مفاصل الدروب وكان الأقرب للسماء كلما أذن النفير..
لله در فؤاد ما أجزعه تفتت الأشلاء ولا دفعه هول الفجيعة المتكررة إلى الحنث
بقسم البيعة الأولى، لله در من تمترس الدم المسفوح في حناياه لهباً وتجلى في
حدقاته إصراراً، وتدفق على لسانه صموداً وثقة بقضاء الله، فخرج يبث في الجموع
أبجديات الثبات ويحثها على ارتقاء جراحها ونفي هاجس الهلع من نفوسها..
بمثل هذه الهامات ستشق فلسطين طريقها للانعتاق، وستبحر نحو شاطئ فجرها المنتظر
يؤازرها رجال أفذاذ نحتت العقيدة في عزائمهم همة وعلواً وبأساً، وبهكذا نماذج
وضّاءة سيمكّن الله للأوفياء الأنقياء، وسيبعثر الزبد ويذهبه جفاءً، ويمنّ على
الذين استضعفوا في الأرض فيجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
|