الاعتداءات على حركة ((حماس)) في
لبنان مستمرة:
تهديدات تُرجمت بطعن مناصر وحرق مخزن لمساعدة النازحين
توتير أمني دائم واعتداءات داخلية على الفلسطينيين، يسبقها
ويصاحبها تصريحات حادّة ضدّ فصائل المقاومة، هذه هي حال حركة ((فتح)) في لبنان.
فبعد تهديدات أطلقها أمين سرّ حركة ((فتح)) في لبنان سلطان أبو العينين ضدّ
حركة ((حماس))، جرى ترجمة تلك التهديدات من خلال اعتداءات طالت مؤسسات وأفراد
من ((حماس)) خصوصاً في مخيمي البداوي والرشيدية.
تهديدات واعتداءات
تأتي هذه الاعتداءات في وقت تحفل الساحة اللبنانية بالعبارات العنصرية ضد
الفلسطينيين تحت شعار رفض التوطين، وأمل الفلسطينيون أن يشكّل ذلك تحدياً يفرض
على الفلسطينيين مزيداً من الوحدة، وتهدئة الأجواء تمهيداً للوصول إلى مرجعية
سياسية تدافع عن مصالحهم، لكن أمين سرّ حركة ((فتح)) في لبنان سلطان أبو
العينين خيّب آمالهم حين وجّه تهديداته لحركة ((حماس)) فقال ((نحذّر هذه
العصابة المأجورة من منع احتفالات ((فتح)) في غزة. وسنمنعها من إقامة احتفالات
ورفع لافتات في مخيمات لبنان إذا ما أقدمت على منع إحياء ذكرى انطلاقة ((فتح))
في غزة (...) السن بالسن، والعين بالعين، والبادئ أظلم)). أضاف ((رغم حاجتنا
إلى وحدة الكلمة لن نفاوض قتلة تلطخت أيديهم بالدماء، ولن نفاوض قبل أن يساق
محمود الزهار (والد الشهيدين خالد وحسام) وحاشيته وزبانيته إلى المحكمة)).
الأوساط الشعبية الفلسطينية، تلقت تصريحات سلطان أبو العينين بنوع من الاستغراب،
ليس بسبب خروجه على الأعراف الفلسطينية، فهذا شيء معتاد، بل لأن أبو العينين
تجاهل في تصريحاته الأخيرة كلياً مآسي الشعب الفلسطيني في لبنان، آخذاً في
إبراز التناقضات، واختلاقها في كثير من الأحيان، ما أثار التساؤلات حول النوايا
والأهداف من مثل هذه التصريحات.
عناصر من حركة ((فتح)) تلقت رسالة أبو العينين فترجمتها فوراً، بداية على بعد
أمتار من بيت أبو العينين في مخيم الرشيدية، جنوب لبنان، حين قامت عناصر من
حركة ((فتح)) بالاعتداء على أحد أنصار ((حماس)) في المخيم يُدعى باسل الأشقر.
وفي التفاصيل أن حركة ((فتح)) في المخيم قامت بإزالة اللافتات التي رفعتها حركة
((حماس))، والتي تدعو إلى الوحدة ورص الصفوف، وتتضمن آيات قرآنية وأحاديث شريفة.
وبعد أيام حاول بعض مناصري حركة ((حماس)) رفع لافتات في إحدى المناسبات، فتهجمت
عناصر معروفة في ((فتح)) على مناصري ((حماس))، وضربت باسل الأشقر على رأسه
بقنبلة، ثم طعنته عدة طعنات بخنجر في الرقبة والصدر والظهر، اخترقت إحداها
الرئتين، وفصلت الأخرى عن القلب ثلاثة سنتيمترات، ولولا العناية الإلهية لكانت
حياة باسل الأشقر ضحية التحريض والفلتان. وتنقل الأشقر بين عدة مستشفيات نظراً
لخطورة حالته، وأجريت له عدة عمليات جراحية. وتجاوزت حالته مرحلة الخطر، لكن ما
زال يعاني من مشكلة في التنفس.
هذا الاعتداء ترافق مع اعتداء عناصر من ((فتح)) على مستوصف خيري لحركة ((حماس))
يقدّم خدماته مجاناً لكل أبناء مخيم الرشيدية دون تمييز. على الرغم من هذا
الاعتداء، فإن حركة ((حماس)) في مخيم الرشيدية استطاعت ضبط عناصرها، بل وإصدار
أوامر مشدّدة بمحاصرة ما جرى، وعدم الإقدام على أية ردات فعل. وجرى الاتصال
بالأحزاب اللبنانية والفلسطينية لتنفيس ما جرى، كما يقول المسؤول السياسي لحركة
((حماس)) في لبنان أبو خالد جهاد، الذي أضاف ((إن تحرّكاتنا ركزت على عدم
استغلال ما حدث، من بعض الموتورين، لجعل المخيمات عنصر التفجير الأمني في لبنان.
ونحن نعلم ما هي الأجواء السياسية والأمنية في هذا البلد الذي نعيش فيه)).
موقف الحركة
واعتبرت حركة ((حماس)) في بيان لها ما جرى ((نتيجة مباشرة للتحريض الذي أطلقه
أحد مسؤولي حركة ((فتح)) في لبنان)). وطالبت حماس حركة ((فتح)) بتسليم المعتدين
((ومن يثبت التحقيق تورطهم في هذا الاعتداء إلى القضاء اللبناني لمحاسبتهم)).
وأكدت الحركة حرصها ((على السلم والاستقرار في المخيمات الفلسطينية، وعلى أن
حركة ((حماس)) من واقع مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني وقضية اللاجئين في لبنان
على وجه الخصوص، ستظل متمسكة بعدم توريط المخيمات في فتنة داخلية)). ودعت ((حماس))
أنصارها ((للالتزام بالهدوء، والقوى الفلسطينية إلى إدانة هذا الاعتداء،
والوقوف بحزم في وجه الفتنة)). من جانبه، رفض أبو العينين تسليم المشاركين في
الحادث، الذين ما زالوا طليقين في المخيم، على الرغم من رفع دعوى قضائية ضدّهم.
سبق هذا الاعتداء سلسة استفزازات استهدفت حركة ((حماس))، تمثلت إحداها في مخيم
برج الشمالي في مدينة صور حين أبلغ مسؤول حركة ((فتح)) في المخيم بعض الوجهاء
بأن حركة ((حماس)) هي حركة محظورة، وأنها ممنوعة من إحياء مناسباتها السياسية
والدينية وذكرى انطلاقتها. هذا الأٍسلوب المستهجن والغريب عن واقع المخيمات
الفلسطينية في لبنان ووجه بردّ فعل قويّ من الأهالي الذين تحدّوا هذا القرار،
رغم المخاطر، وحضروا بالآلاف مهرجان ذكرى انطلاقة حركة ((حماس)). كما أقدمت
عناصر معروفة في حركة ((فتح)) في مخيمات صور بتمزيق لافتات حركة ((حماس)) التي
تهنئ الشعب الفلسطيني بعيد الأضحى وقدوم حجاج بيت الله الحرام، وكتابة الشتائم
بحق قيادة ((حماس)) وشهدائها على جدران المخيمات، وتمزيق صورهم.
حرق مساعدات
مخيم البداوي، في شمال لبنان، كان مسرحاً لاعتداءات طالت مؤسسات ((حماس))
الخيرية، حين أحرقت عناصر مستودعات مكتب الخدمات الاجتماعية التابع لحركة ((حماس))،
على مقربة من المدارس المؤقتة التي أنشأتها وكالة (الأنروا) لنازحي مخيم نهر
البارد. ويزوّد هذا المستودع النازحين بالمساعدات الغذائية والطبية. واندلعت
النيران في المستودعات المكوّنة من خمسة (كاراجات) موجودة في أسفل إحدى
البنايات، ما أدّى إلى احتراق قسم من محتوياتها من الألبسة والمواد الغذائية
والبطانيات، تدخلت على إثر ذلك عناصر الإطفاء، وعملت بالتعاون مع الأهالي على
إخماد النيران، في الوقت الذي باشرت فيه الجهات الأمنية الفلسطينية تحقيقاتها
لمعرفة ملابسات الحادث. حركة ((حماس)) من منطلق حرصها على أمن المخيمات فضلت
عدم توجيه اتهام إلى أحد ((حتى لا يسبب ذلك تأزيم العلاقات بين الفصائل
الفلسطينية، لأن رمي التهم جزافاً قد يُسهم في تسميم الأجواء، وهذا ما نرفضه،
وخصوصاً أن هناك قراراً داخلياً بين الفصائل الفلسطينية كافة، يشدّد على عدم
الإخلال بالأمن داخل المخيم مهما كانت الظروف والمبررات)).
مسؤول حركة ((حماس)) في شمال لبنان أبو ربيع الشهابي أشار بأنه ((فوجئنا
باندلاع النيران في أحد المستودعات الرئيسية بفعل مخربين، وذلك عبر صبّ مواد
مشتعلة داخل المخازن، ما سبّب حريقاً أتى على قسم من المحتويات التي كانت
بداخله من الألبسة والمواد الغذائية، وقد تدخلت العناية الإلهية ومنعت حصول
كارثة بعدما شعر الأهالي الذين سارعوا بالتعاون مع عناصر الإطفاء إلى إخماد
النيران ومحاصرتها قبل أن تمتد إلى المنازل المجاورة، لكون المخازن تحتوي على
مواد قابلة للاشتعال)). أضاف الشهابي أن ((هذا الاعتداء يستهدف بالدرجة الأولى
أمن المخيم، والنازحين الذين يستفيدون من التقديمات والمساعدات التي تُجمع
بداخله، تمهيداً لتوزيعها عليهم)).
ليس هذا الحادث الأول الذي يستهدف حركة ((حماس)) في مخيم البداوي، لكنه الحادث
الأكثر استهجاناً، نظراً إلى استهدافه العمل الخيري الواسع لحركة ((حماس)) في
لبنان، وكذلك النازحين من نهر البارد بشكل مباشر. ومعلوم أن جهة محددة قد أطلقت
عدة اتهامات ضد حركة ((حماس)) على خلفية مساعدتها للنازحين من مخيم نهر البارد،
سواء خلال المعارك التي شهدها المخيم، أم الفترة اللاحقة للمعارك، بل وأُطلقت
النار على مركز إغاثي في مخيم البداوي خلال شهر حزيران/يونيو الماضي. ولم يرق
لبعض الجهات تقدّم ((حماس)) العمل الإغاثي عند انتهاء المعارك، ودخولها مخيم
نهر البارد مع أول الدفعات العائدة، وتقديمها الوجبات الساخنة للعائدين في
محاولة لتثبيت العائدين، وتأمين الحدّ الأدنى من حاجياتهم، وتشجيع بقية
النازحين على العودة، الأمر الذي ترك أثراً إيجابياً لدى النازحين. وبدلاً من
منافسة ((حماس)) بمضاعفة العمل الخيري، عمد أحد الأطراف إلى محاولة التخريب،
الأمر الذي يذكّر بما حدث في مخيم برج البراجنة، بالعاصمة اللبنانية بيروت، حين
قام مناصرو ((حماس)) بتعبيد بعض الطرقات، فحاولت عناصر من جهة معروفة تخريب تلك
الطرقات، فخاطبهم الأهالي بأنه إذا كنتم تريدون منافسة ((حماس)) فضعوا البلاط،
لكن الأمر كاد يتحوّل إلى عراك بين الأهالي وتلك الجهة.
ما كان لافتاً هو أن الإرهاب الفكري والجسدي الذي تمارسه حركة ((فتح)) في لبنان
ضدّ أبناء جلدتها من الفلسطينيين، تحوّل إلى مجاملة ومحاولة استعطاف في العلاقة
مع اللبنانيين وصلت حدّ الابتذال والتذلل وهو ما تمثّل بما سمي ((إعلان فلسطين
في لبنان))، الذي تلاه ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي وفيه
((الاعتذار عن أي ضرر ألحقناه بلبنان العزيز، بوعي أو من غير وعي. وهذا
الاعتذار غير مشروط باعتذار مقابل)). وبغض النظر عن الملاحظات العديدة على هذا
الاعتذار المجاني في الشكل والتوقيت، إلاّ أن ما أثار تساؤلات الفلسطينيين في
لبنان هو أنه كيف نقدّم الاعتذارات، بل والتنازلات لغيرنا، بينما نمارس كبرياءً
مصطنعاً في مواجهة فصيل فلسطيني له حضوره الشعبي والسياسي، ونقوم بالتوتير
الأمني داخل المخيمات.
مصادر فلسطينية تحذّر من تفكير البعض أن القضاء على حركة ((حماس)) سيكون لقمة
سائغة، لأن الحركة ومع إصرارها على حصر وجودها في السياسة والإعلام، إلا أن
مناصريها كثر، وهم قادرون على الدفاع عن حركتهم، كما حصل في مخيم المية ومية في
جنوب لبنان وغيره من المخيمات. وتتساءل هذه المصادر عن النية التي يخبئها كبير
المحرّضين في لبنان، وهل مصادفة أن يأتي التحريض في وقت تستعر الساحة اللبنانية
بالخلافات، فإن كان ذلك مقصود فتلك مصيبة، وإن كان نتيجة جهل سياسي وعدم قراءة
للواقع الذي يمر به لبنان والمخيمات فالمصيبة أعظم، وفي كلا الحالتين فواجب
حركة ((فتح))، إن كانت حريصة فعلاً على السلم الأهلي اللبناني والفلسطيني،
التحرّك سريعاً للجم بعض قادتها وعناصرها في لبنان.