أدوية ومواد غذائية ومواد بناء..
هذا ما اشتراه الغزيون من مصر
يفرض الكيان الصهيوني منذ ما يقارب العامين حصاراً مشدداً على
قطاع غزة، وذلك عقب فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات
التشريعية في كانون ثاني/يناير 2006 بأغلبية كاسحة، وبعملية انتخابية شهد كل
العالم لها. ومع استمرار تصاعد نجم حركة حماس في ميدان المقاومة والثبات
والصمود والتحدي، ازدادت الهجمة الشرسة عليها من الاحتلال وأعوانه، فوُضِعت
الخطط لاستهدافها بكافة الأساليب والأشكال، ما اضطرها للقيام بالحسم العسكري في
حزيران/يونيو 2007، ضد فئة خارجة عن تقاليد وأعراف شعبنا الفلسطيني، الأمر الذي
جعل الاحتلال يشدد من حصاره على قطاع غزة. وأصدر قراراً حينذاك باعتبار قطاع
غزة كياناً معادياً، حيث منع توريد أي من المواد اللازمة للقطاع، عدا عن
الحاجات الإنسانية من غذاء ووقود وكهرباء. إلا أن الاحتلال تجرأ في منتصف شهر
كانون ثاني/يناير الحالي وبدعم من الصمت العربي على هذه الجريمة، على قطع هذه
الحاجيات الأساسية، الأمر الذي جعل قطاع غزة أشبه بسجن كبير، بل أطلقت عليه
وسائل الإعلام ((المحرقة)) أو ((مقبرة الإبادة الجماعية))، إلى أن حانت لحظة
الصفر لبركان في قطاع غزة أن ينفجر ويثور في وجه الحصار والجدران التي تحاصره،
فكان قدره أن ينفجر في وجه الجدار الجنوبي لقطاع غزة والذي يقف سداً منيعاً بين
مصر وقطاع غزة.
وقد أقدم مسلحون فلسطينيون بتفجير أجزاء كبيرة من هذا الجدار ما دفع مئات
الآلاف من سكان القطاع الذين ذاقوا مرارة الحصار إلى التدفق إلى العريش المدينة
المصرية الأقرب إلى حدود قطاع غزة، ليس لأنهم جياع كما حاولت أن تصور بعض وسائل
الإعلام بل ليتنفسوا نسمات الحرية، وكذلك لشراء بعض الحاجيات التي قطع الاحتلال
والحصار رائحتها من الأسواق في قطاع غزة.
فتح الحدود
عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين عبروا الحدود إلى الجانب المصري
بسياراتهم الخاصة، بعد أن سمحت لهم القوات المصرية بالدخول والتسوق من مدينة
العريش المصرية.
مصادر صحفية أكدت أن مسلحين مجهولين هم من أقدموا في ساعات الفجر على تفجير
أجزاء كبيرة من الجدار الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة، حيث قاموا بزرع عبوات
ناسفة كبيرة في أجزاء من الجدار وتفجيره ما أحدث فيه فتحات كبيرة.
جاءت هذه التفجيرات، بعد أن كانت مسيرة نسائية نظمتها حركة حماس على الحدود
المصرية الفلسطينية، قد اقتحمت الحدود قبل التفجير بيوم واحد فقط ودخلت إلى
الجانب المصري، فيما قام الأمن المصري بتفريقهما من خلال رشهما بخراطيم المياه
وإطلاق النار في الهواء، وقد أدى ذلك إلى إصابة أكثر من عشرين امرأة بإصابات
مختلفة.
الحكومة والفصائل
من جهتها أكدت الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية، على لسان الناطق باسمها
طاهر النونو، على أن المطلوب لشعبنا المغلوب على أمره والذي لا يملك إلا صدراً
عارياً هو كسر الحصار بشكل كامل، وفتح معبر رفح بشكل طبيعي أمام حركة المواطنين
والبضائع يكون فيه الدخول والخروج من وإلى قطاع غزة عبر الإجراءات القانونية
المتبعة.
وثمّن النونو دور الحكومة المصرية في تفهم حاجات المواطنين الإنسانية، وتعاملها
بشكل إيجابي مع المواطنين، وخاصة موقف الرئيس محمد حسني مبارك، مشيداً بالدور
الاستراتيجي والتاريخي لجمهورية مصر العربية وبطولاتها من أجل فلسطين.
واعتبر النونو ما حدث على الحدود الفلسطينية المصرية بأنه تعبير طبيعي من شعب
محاصر ضاقت به السبل، فكانت هذه الهبة من الغضب انتهت بهذه الفتحات وتدفق
المواطنين إلى جمهورية مصر العربية.
وكانت الحكومة قررت صرف راتب شهر كامل لكل الموظفين في قطاع غزة منذ أول يوم
لفتح الحدود لمساعدتهم في شراء احتياجاتهم وتخفيف الضائقة الاقتصادية عنهم.
بدورها دعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) القادة العرب باحتضان الموقف المصري
بشأن فتح الحدود مع غزة، ودعمه سياسياً واقتصادياً ((مكن مصر من الثبات في وجه
الضغوط الخارجية، وهو ما يسهم في تحقيق المصالح الفلسطينية وكسر الحصار الخانق))،
مؤكدة تقديرها لصمود القيادة المصرية في وجه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
وقالت الحركة في بيان صدر عنها ((إن الفتحات في الحدود المصرية الفلسطينية
مثّلت إغاثة عاجلة لشعبنا، إلا أن ذلك ليس هو الحل المطلوب)).
المواد الشرائية
وأشار شهود إلى أن الأسعار في بعض المحلات التجارية المصرية ارتفعت بفعل
الإقبال الشديد على الشراء من المواطنين الفلسطينيين، في حين اكتظت أسواق
القطاع بمواد تموينية جرى إحضارها من مصر.
وأوضح الشهود، أن غالبية المواطنين يُقبلون على شراء مواد تموينية وغذائية
وأدوية ومواد بناء مفقودة في القطاع منذ سبعة أشهر تقريبا إضافة إلى السجائر
وذلك جراء الحصار الإسرائيلي المشدد على القطاع.
التاجر أبو أحمد مهانى الذي جلب كميات كبيرة من الأجبان والحليب والزيوت
ليعرضها في سوق ميدان فلسطين، عبر عن فرحته بما أسماها ((رزقة من السماء)) رزق
بها بافتتاح معبر رفح.
وقال ((هذه الفتحة جاءت بالرزق الكبير علينا، وأنا كتاجر كنت أعرف ما الذي يمكن
أن يباع هذه الأيام في أسواق غزة، ولذلك جلبت الأجبان والحليب لأنها الأكثر
طلباً)).
وعن حركة المواطنين قال ((الحمد لله حركة المواطنين وإقبالهم كبير على شراء
المواد الغذائية خاصة الخفيفة منها، والتي اشتهاها الناس لأنهم كانوا يعتمدون
عليها قبل إغلاق المعبر كالجبنة والمعلبات من اللحوم والحليب)).
وأعربت المواطنة عزيزة حلس خلال تجولها في أحد أسواق غزة عن ارتياحها لتوفر
السلع الضرورية لمنزلها، وقالت ((لقد جئت إلى السوق لشراء أهم المواد
والضروريات للمنزل، وأهم شيء بالنسبة لي توفر مواد التنظيف داخل الأسواق
والمواد اللازمة للأطفال كالحليب)).
أزمة الإسمنت طغت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، وتوقفت بفعلها كثير من المشاريع
والأبنية لعدم توفر المواد الخام في الأسواق، ما أدى إلى ارتفاع سعر (الشوال)
من الإسمنت حتى وصل أحياناً -إن وجد- إلى ثلاثمائة شيكل بعد أن كان لا يتجاوز
الثلاثين شيكلاً.
يقول المواطن ماهر ((أزمة الإسمنت فرجت عن كثير من المواطنين، وأنا كنت منذ
فترة طويلة لم أقدر أن أشتريها وقد حصلت عليها من خلال هذه الفتحة لبناء غرفتين
لي فوق السطح، واشتريت أثاث غرفة النوم، والآن أستطيع أن أمتلك بيتاً متواضعاً
أتزوج به)).
مستقبل الحدود
كل التقديرات والإشارات المتعلقة بشأن معبر رفح ومستقبله تشير إلى أن جمهورية
مصر العربية تنوي فتح معبر رفح بشكل رسمي وقانوني، لكن بالتعاون مع حكومة
الأستاذ إسماعيل هنية بغزة، والسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وذلك لإدخال
البضائع وكل ما يحتاجه قطاع غزة من حاجيات.
يشار إلى أن وسائل الإعلام تناقلت خبراً مفاده أن خلافات حادة قائمة بين رئيس
السلطة محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض، على خلفية قضية معبر رفح وإدارة
المعابر الحدودية بين قطاع غزة و(إسرائيل).
وذكر الإعلام أن سبب الخلافات يرجع لإصرار سلام فياض على تولي حكومته الإشراف
المباشر على إدارة معبر رفح وفق اتفاقية المعابر الموقعة مع (إسرائيل) عام
2005، والتي وقعها محمد دحلان، في وقت يرفض عباس إخضاع المعابر لإدارة الحكومة
برئاسة فياض كي تتولاها قوات أمن الرئاسة التابعة للرئيس عباس.
وأكدت على أن عباس لن يسمح لفياض التوجه إلى جمهورية مصر العربية ضمن وفده
المشارك في زيارة عاجلة للجمهورية المصرية في محاولة منه لإبعاد فياض عن مركز
التأثير حول القرارات التي قد تتخذ مع مصر بشأن معبر رفح.
الجدير ذكره أن اتفاقية المعابر الفلسطينية وقّعت عام 2005، سمحت للكيان
الصهيوني بالتحكم في إدارة المعابر بشكل كامل من خلال الالتزام الفلسطيني ببنود
الاتفاق، وأدت منذ توقيعها إلى إغلاق المعابر بشكل متواصل، والتحكم في سفر
المواطنين، ودخول البضائع إلى الأراضي الفلسطينية.