محمود عباس.. الفشل والخيبة
ياسر قدورة
شارفت ولاية الرئيس محمود عباس على الانتهاء ولم يتبق أمامه سوى أشهر قليلة
ليصبح بعدها رئيساً سابقاً أو رئيساً غير شرعي.. فمحمود عباس رئيس منتخب لأربع
سنوات فقط لا غير، وإن كان البعض يتوهم (ولا أدري إذا كان الرئيس منهم) أنه
يمكن أن يكون رئيساً دائماً بلا منازع، كما كان الرئيس أبو عمار.. لأن أبو
عمار سواء وافقناه أم اختلفنا معه في السياسة كان قائداً قبل أن يكون رئيساً،
واكتسب شرعية ثورية قبل أي شرعية ديمقراطية.. أما الرئيس محمود عباس فهو لم يكن
يوماً مع (الثورة) بل دائماً مع الدبلوماسية على حساب (الكفاح المسلح)، كما أنه
لم ينجح طوال فترة رئاسته في تسويق نفسه كرئيس فعلي لكل الفلسطينيين في مناطق
السلطة الفلسطينية.
الإنجاز الوحيد الذي سجل في صحيفة الرئيس هو النجاح في تنظيم انتخابات تشريعية ديمقراطية
ونزيهة في بداية عام 2006، وإن كانت الأيام والوقائع أكدت أن ذلك لم يكن إيماناً
بالديمقراطية بقدر ما كان رهاناً على فوز فتح وخسارة حماس، ولكن جرت الرياح
بغير ما اشتهى.. ولكن أحداً لم يحاسب الرئيس على النوايا ورفع له الجميع
القبعات تقديراً لتلك الخطوة الجريئة.. وسرعان ما ضاق صدر الرئيس بشركائه الجدد
في الحكم، فبدأ بمسلسل سحب الصلاحيات من الحكومة الجديدة التي شكلتها حماس
وتوزيعها على المقربين والمحاسيب، ضغط على الحكومة الجديدة للموافقة على شروط
الرباعية بضرورة الاعتراف بـ(إسرائيل) والالتزام بالاتفاقات الموقعة معها، جال
على عدد من الدول لإقناعها بعدم تقديم الدعم لحكومة حماس، وأطلق يد أجهزة الأمن
والحرس الرئاسي في غزة لإسقاط حكومة حماس قبل اتفاق مكة وحكومة الوحدة بعد
الاتفاق.. وهذا ما كشفه تقرير مجلة (فانيتي فير) الأمريكية بالتفاصيل والوثائق
واعترافات مسؤولين في البيت الأبيض.
السقوط الحقيقي لـ(أبو مازن) كرئيس كان في اختبار (المحرقة) الإسرائيلية التي
أوقدها الاحتلال لإشعال غزة بالقتل والتدمير ومحاولة اجتياح جباليا، بعد أن فشل
في أن يكسر إرادة المقاومة فيها بالحصار والتجويع وقطع الكهرباء.. انطلقت (المحرقة)
على وقع تصريحات أبو مازن بأن حماس تؤوي تنظيم القاعدة في غزة، وقد اتهم
الدكتور عزمي بشارة الرئيس عباس بالمشاركة في المجزرة لأن من (يؤكد للعالم أن
تنظيم القاعدة يتمركز بغزة يعطي غطاء لعمليات القتل التي تقوم بها دولة
الاحتلال).
حاول الرئيس تدارك الموقف فأطلق تصريحاً نارياً يعلن فيه وقف كافة أشكال
التفاوض مع الإسرائيليين، ولكن وكالة ((رويترز)) كشفت فيما بعد أن وزيرة
الخارجية في حكومة الاحتلال تسيبني ليفني والمكلفة بملف المفاوضات، وأحمد قريع
مسؤول ملف التفاوض عن الجانب الفلسطيني اجتمعا سراً في السابع من آذار/مارس
الماضي، أي بعد انتهاء المحرقة الصهيونية ضد قطاع غزة بأربعة أيام.
لم نكن من الحالمين بأن أبو مازن قد يقف إلى جانب المقاومة في هذه المعركة ولا
في غيرها، فهو الذي كشف ظهرها أمام العدو.. وقد حرص طوال سنوات على تسفيه ثقافة
المقاومة، بوصفه للعمليات الاستشهادية بالحقيرة، وصواريخ المقاومة بالعبثية،
وتحميله المقاومة مسؤولية ارتقاء قرابة ألف شهيد فلسطيني بسبب أسر جندي
إسرائيلي واحد. أما على الصعيد الميداني فهو الذي تحمّس أكثر من مرة لتطبيق خطة
خارطة الطريق بسحب سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية، وقد وجد الظرف مؤاتياً
في الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة للتنفيذ، فقامت حكومته (حكومة الطوارئ)
بأسوأ حملة ضد المجاهدين من مختلف الفصائل، ولم يكن أسوا مظاهر تلك الحملة أو
آخرها استشهاد الشيخ مجد البرغوثي في السجن تحت التعذيب.
ومع ذلك كنا نأمل من محمود عباس أن ياخذ دوره كرئيس في الأوقات الحرجة، إلا أن
الأمور كانت تسير دائماً في الاتجاه المعاكس.. فحين اشتد الحصار على غزة ردد
على مسامع الجميع شروط الاحتلال: (يجب وقف إطلاق الصواريخ لفك الحصار).. وحينما
اقتحم الأهالي معبر رفح وطالبوا بجعله معبراً فلسطينياً مصرياً خالصاً، طالب هو
بتفعيل اتفاقية المعبر التي تعطي حق الإشراف للأوروبيين والمراقبة للإسرائيليين..
وحينما أبدعت المقاومة في مواجهة الاحتلال أثناء العدوان الأخير، أدار لها ظهره
وحمّلها بلسان وزير إعلامه المسؤولية عن العدوان الإسرائيلي.
محمود عباس، أبو مازن، ولد في صفد عام 1935، وانتقل مع عائلته إلى سوريا بعد
نكبة 1948، وحصل فيما بعد على شهادة في القانون.. ناقش رسالة الدكتوراه عام
1982 وتناول موضوع الروابط السرية بين النازية وقيادة الحركة الصهيونية، وأشار
إلى أن الحركة الصهيونية تواطأت مع النازية ضد اليهود لتهجيرهم إلى فلسطين..
مستغرباً لأن المرء يتوقع أن تفعل الحركة الصهيونية خلال الحرب كل المستطاع
لإنقاذ اليهود والحفاظ على أرواحهم، وتوجيه الرأي العام إلى ما يلاقونه حتى
تتحرك الحكومات لإنقاذهم.. ولكن الحركة الصهيونية فعلت العكس.
لسنا بصدد التشبيه أو توجيه الاتهامات، ولكن على الرئاسة والرئيس أن يظلا
بعيدين عن مواقف الاتهام والشبهات فيما يتعلق بالقضايا الوطنية الكبرى، وهذا ما
لم يحرص عليه أبو مازن خلال السنوات الماضية.