فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

Apr2008
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير 3
اخبار وتقارير4
شؤون فلسطينية 1
شؤون فلسطينية 2
حـــوار
رأي
الغلاف1
الغلاف2
الغلاف3
الملف1
الملف2
الملف3
الملف4
الملف5
الملف6
قضايــا
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

قضايــا

 

الشرق الأوسط.. قنبلة غزة

قدّمت حماس روايتها بدقة وموضوعية عن الأحداث التي جرت في قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007، فيما عُرف بعملية الحسم العسكري. وقالت حماس إنها اضطرت لهذا الخيار وأجهضت مخططاً أمريكياً – صهيونياً لضرب المقاومة وإسقاط حكومة حماس وإنهاء نتائج الانتخابات التشريعية.
بعض الناس لم يصدق رواية حماس رغم كل الأدلة التي ساقتها الحركة. اليوم قدّم الكاتب الأمريكي ديفيد روز في مجلة ((فانيتي فير)) وثائق تثبت رواية حماس. نعرض هنا أهم المقتطفات.


((الحرب القذرة))
يعتبر ((فندق الديرة)) في مدينة غزة ملاذاً آمناً وهادئاً في مكان يعاني من الفقر والخوف والعنف. في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2007، جلست في مطعم الفندق الذي يخترقه الهواء من نوافذ مفتوحة على البحر الأبيض المتوسط، أصغي إلى الرجل صاحب اللحية الخفيفة والذي يدعى مازن أسعد أبو دان ليصف لي ما عاناه قبل 11 شهراً على أيدي أبناء جلدته الفلسطينيين. يبلغ أبو دان الثامنة والعشرين من العمر وهو عضو في حركة حماس، المنظمة الإسلامية المدعومة من إيران، والتي تعتبرها الولايات المتحدة جماعة إرهابية. كان لدي سبب وجيه لأصدق كل ما جاء على لسانه: فلقد شاهدت شريط الفيديو الذي يصور ما عاناه!
فهو يبين أبو دان راكعاً، ويديه مربوطتين خلف ظهره، وهو يصرخ نتيجة لقيام آسريه بضربه بقضيب من الحديد الأسود ((فقدت جلد ظهري بأكمله من الضرب)) و((بدلاً من معالجتي بالأدوية، كانوا يسكبون العطور على جروحي. شعرت كما لو أنهم أدخلوا سيفاً في جروحي)).
في 26 كانون الثاني/يناير 2007 ذهب أبو دان، وهو طالب في الجامعة الإسلامية في غزة، إلى المقبرة المحلية مع والده وخمسة آخرين لبناء شاهد القبر لجدته. عندما وصلوا إلى هناك، وجدوا أنفسهم محاطين بـ30 مسلحاً من حركة فتح، وهي حزب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الحزب السياسي المنافس لحماس ((اقتادونا إلى منزل في شمال غزة، وبعد أن عصبوا أعيننا اقتادونا إلى غرفة في الطابق السادس)).
ويأتي الدليل في نهاية شريط الفيديو الذي عثر عليه في مبنى الأمن التابع لحركة فتح بواسطة مقاتلي حماس في حزيران/يونيو الماضي. فقد أجبر السجناء، وهم لا يزالون معصوبي الأعين، على ترديد ترنيمة صاح بها أحد محتجزيهم: ((بالدم بالروح نفديك يا محمد دحلان! ليحيا محمد دحلان!)).
ليس هناك من شخصية يكرهها أعضاء حركة حماس أكثر من محمد دحلان، أحد قياديي حركة فتح الأقوياء المقيم في غزة. فدحلان، الذي عمل في مناصب عدة كان آخرها مستشار الأمن الوطني لعباس، قد أمضى أكثر من عقد من الزمان في محاربة حماس. لكن دحلان يصر على أن أبو دان قد تعرض للتعذيب دون علمه. غير أن شريط الفيديو هو دليل على أن أتباعه يمكن أن يستخدموا ((الأساليب الوحشية)).
التقى بوش بدحلان في ثلاث مناسبات على الأقل. فبعد محادثات في البيت الأبيض في تموز/يوليو 2003، أشاد به علناً واصفاً إياه بأنه ((قائد طيب وصلب)). أما في الدوائر الخاصة، كما يقول العديد من المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين، فإن الرئيس الأمريكي وصفه بأنه ((رجلنا)).
فوفقاً لدحلان، بوش هو الذي دفع باتجاه إجراء الانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية في كانون الثاني/يناير 2006، على الرغم من التحذيرات أن حركة فتح لم تكن جاهزة لها. وبعد أن فازت حماس -التي ألزمها ميثاقها الصادر في عام 1988 على رمي (إسرائيل) في البحر- بالسيطرة على البرلمان، ارتكب بوش سوء تقدير آخر أشد فتكاً.
وقد حصلت ((فانيتي فير)) على وثائق سرية، تؤكدها وتعززها مصادر في الولايات المتحدة وفلسطين، تكشف مبادرة سرية وافق عليها بوش وتم تنفيذها بواسطة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ونائب مستشار الأمن القومي إليوت أبرامز، وهي الحض على قيام حرب أهلية فلسطينية. كانت الخطة تقضي بأن تقوم القوات التي يقودها دحلان، والمزودة بأسلحة جديدة تم توريدها بأمر أمريكي لتعطي فتح القوة التي تحتاجها للإطاحة بحكومة حماس المنتخبة ديمقراطياً من السلطة (رفضت وزارة الخارجية الأمريكية التعليق).
ولكن الخطة السرية أدت إلى نتائج عكسية، ما قاد إلى نكسة أخرى للسياسة الخارجية الأمريكية تحت قيادة بوش. وبدلاً من الإطاحة بأعدائها خارج السلطة، استفز مقاتلو فتح المدعومة من الولايات المتحدة حركة حماس للاستيلاء بالكامل على غزة على غفلة منهم.
تفجر السياسة الفلسطينية داخل إدارة بوش مناقشات غاضبة جداً. واحد من منتقدي هذه السياسة هو ديفيد فورمسر، المجاهر بانتمائه للمحافظين الجدد، والذي استقال من منصبه في فريق عمل نائب الرئيس ديك تشيني كمستشار مختص في شؤون الشرق الأوسط في تموز/يوليو 2007، بعد شهر من الانقلاب في غزة.
ويتهم فورمسر إدارة بوش ((بالدخول في حرب قذرة في محاولة لقيادة دكتاتورية فاسدة (يقودها عباس) إلى النصر)). فهو يعتبر أن حماس لم تكن لديها النية في السيطرة على غزة إلى أن أجبرتها فتح على ذلك ((يبدو لي أن ما حدث لم يكن انقلاباً قامت به حماس ولكن محاولة انقلاب من جانب حركة فتح والذي أجهض قبل أن يحدث))، كما يشرح فورمسر.

الأمن الوقائي
وخلال حديثي إلى دحلان في فندق من فئة الخمسة نجوم في القاهرة كان من السهل أن أرى الصفات التي قد تجعله جذاباً للرؤساء الأمريكيين. فمظهره مرتب للغاية، ولغته الإنجليزية متينة، وأخلاقه ساحرة ومباشرة. فلو كان قد ولد في مكان آخر، لما كانت هذه الصفات لتعني الأمر الكثير. ولكن دحلان -المولود في 29 أيلول/سبتمبر 1961– رأى النور في مخيم خان يونس للاجئين في قطاع غزة المزدحم والقذر، حيث اكتسب معظم تحصيله العلمي من الشارع. وفي عام 1981 ساعد في تأسسيس حركة الشبيبة في حركة فتح، وانتقل بعد ذلك ليلعب دوراً رائداً في الانتفاضة الأولى – الثورة التي استمرت لمدة خمس سنوات والتي بدأت في عام 1987 ضد الاحتلال الإسرائيلي. ويقول دحلان إنه قضى خمس سنوات في السجون الإسرائيلية طوال تلك الفترة.
وقد عمل دحلان بشكل وثيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية بحيث طور علاقة حميمة مع مدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت، وهو واحد من الذين عينهم كلينتون وبقوا خلال عهد بوش حتى تموز/يوليو 2004. ((إنه مجرد رجل عظيم وعادل))، يقول دحلان. ((ما زلت على اتصال معه من حين لآخر)).

((الجميع كان ضد الانتخابات))
وفي كلمة ألقاها في حديقة الورود في البيت الأبيض في 24 حزيران/يونيو 2002، أعلن الرئيس بوش أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في طور التحول في اتجاه أساسي جديد.
كان عرفات لا يزال في السلطة في ذلك الوقت، وكان العديد من الأشخاص في الولايات المتحدة و(إسرائيل) يلقي باللوم عليه في تقويض جهود السلام التي كان يقودها كلينتون عن طريق إطلاق الانتفاضة الثانية - وهي الثورة المتجددة التي بدأت في عام 2000 والتي لقي فيها أكثر من 1000 إسرائيلي و4500 فلسطيني مصرعهم. وقال بوش إنه كان يريد أن يعطي الفلسطينيين فرصة لاختيار قادة جدد؛ قادة لا يمكن ((تهديدهم بسبب الإرهاب)). فبدلاً من عرفات -الذي كانت جميع القوى السياسية بإمرته- قال بوش إن ((البرلمان الفلسطيني يجب أن يكون هيئة ذات سلطة تشريعية كاملة)).
((كان الجميع ضد الانتخابات))، يضيف دحلان، الجميع باستثناء بوش. ((أنا أجد ضرورة بقيام انتخابات، أريد انتخابات في السلطة الفلسطينية))، هذا ما قرره بوش. الجميع يتبعه في الإدارة الأمريكية، وقام الجميع بإزعاج عباس، الذي قال له: الرئيس يريد إجراء الانتخابات، حسناً، لكن لأي غرض؟
سارت الانتخابات قُدماً كما هو مقرر. وفي 25 كانون الثاني/يناير فازت حماس بـ56% من المقاعد في المجلس التشريعي.
القليلون داخل الإدارة الأمريكية تنبؤوا بالنتيجة ولم يكن هناك وجود لأي خطة عمل بديلة. ((لقد سألت عن سبب عدم تمكن أي منا من التنبؤ بما حصل))، قالت كوندوليزا رايس للصحافيين. ((أنا لا أعرف أي شخص لم يأخذ على حين غرة ويتفاجأ من أداء حماس القوي)).
((الجميع ألقى باللوم على الآخرين))، يقول مسؤول في وزارة الدفاع. ((جلسنا هناك في البنتاغون وقلنا: من هو اللعين الذي أوصى بهذا؟)).
الخطوة الأولى التي اتخذتها اللجنة ((الرباعية)) -الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة- هي الطلب من حكومة حماس الجديدة نبذ العنف والاعتراف بحق (إسرائيل) في الوجود وقبول كافة شروط الاتفاقات السابقة. وعندما رفضت حماس ذلك، توقفت المساعدات إلى السلطة الفلسطينية وحرمتها من وسيلة تسديد الرواتب وتغطية ميزانيتها السنوية التي تبلغ نحو 2 مليار دولار.
ذهبت رايس إلى رام الله للقاء عباس. واجتمعا في مقر المقاطعة، مقر الرئاسة الجديد، الذي بني على أنقاض مجمع عرفات الذي دمرته (إسرائيل) في عام 2002.
لقد كان النفوذ الأمريكي في الشؤون الفلسطينية أقوى بكثير مما كانت عليه الحال في أيام عرفات. وخلال مؤتمرهما الصحافي المشترك، ابتسمت رايس وأعربت عن ((إعجاب بلادها الشديد)) بقيادة عباس. لكن، خلف الأبواب المغلقة، كانت نبرة رايس أكثر حدة على ذمة المسؤولين الذين حضروا اجتماعهما. فعزل حماس لم يكن يجري على ما يرام، وقد قيل إنها أبلغت عباس أن أمريكا تتوقع منه حل حكومة هنية في أقرب وقت ممكن وإجراء انتخابات جديدة.
ويقول أحد المسؤولين إن عباس وافق على اتخاذ إجراءات في غضون أسبوعين. وتصادف حلول شهر رمضان، شهر الصوم عند المسلمين خلال ساعات النهار. ومع اقتراب الغسق طلب عباس من رايس الانضمام إليه لتناول وجبة الإفطار.
بعد ذلك، ووفقاً للمسؤول عينه، أكدت رايس موقفها: ((إذاً، نحن متفقون؟ عليك حل الحكومة في غضون أسبوعين؟)).
((ربما لن أتمكن خلال أسبوعين. أعطوني شهراً. دعونا ننتظر إلى ما بعد العيد))، رد عباس، في معرض إشارته إلى الاحتفال الذي يستمر لمدة ثلاثة أيام والذي يعلن عن نهاية شهر رمضان (يقول متحدث باسم عباس عن طريق البريد الإلكتروني: وفقاً لسجلاتنا، هذا غير صحيح).
وبعد صعود رايس إلى مركبتها الجيب المصفحة، كما يدعي المسؤول، قالت إلى أحد الزملاء الأمريكيين: ((لقد كلفنا ذلك الإفطار الملعون أسبوعين آخرين من بقاء حكومة حماس)).

((سنكون هناك لدعمكم))
ومرت أسابيع دون أي إشارة إلى أن عباس كان على استعداد للقيام بما أملته أمريكا. وأخيراً، تم إرسال مسؤول آخر إلى رام الله وهو جاك والاس، القنصل العام في القدس والدبلوماسي الخبير في العلاقات الأجنبية والخارجية في منطقة الشرق الأوسط. كان هدف والاس من الزيارة في الواقع هو إبلاغ الرئيس الفلسطيني بإنذار أخير، ولو بلطافة.
نحن نعرف ما قاله والاس عن طريق نسخة تركها وراءه، من باب الصدفة على ما يبدو، لنقاط المذكرة التي أعدت له من قبل وزارة الخارجية الأمريكية. وقد تمّت المصادقة على الوثيقة من المسؤولين في الولايات المتحدة والمسؤولين الفلسطينيين.
يقول نص والاس: ((إننا بحاجة إلى أن نفهم خططكم فيما يتعلق بحكومة (السلطة الفلسطينية) جديدة)). ((قلت لوزيرة الخارجية رايس إنك سوف تكون على استعداد للمضي قُدماً في غضون أسبوعين إلى أربعة أسابيع من تاريخ لقائكما. ونحن نعتقد أن الوقت قد حان لكي تمضي قُدماً بشكل سريع وحاسم)).
وأكدت المذكرة بما لا يدع مجالاً للشك حول نوعية العمل الذي تسعى الولايات المتحدة للقيام به: ((ينبغي إعطاء حماس خياراً واضحاً وموعداً نهائياً واضحاً:.. فإما أن تقبل بحكومة جديدة تستوفي مبادئ اللجنة الرباعية، أو أنهم يرفضون قيام هكذا حكومة. وكان ينبغي أن تكون عواقب قرار حركة حماس واضحة أيضاً: إذا لم توافق حماس في غضون المهلة المعطاة، ينبغي أن توضحوا نيتكم بإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة طوارئ تلتزم ذلك المنهاج صراحة)).
وكان عباس ووالاس يعلمان بما يمكن أن يتوقعاه من حماس إذا ما تم اتباع هذه التعليمات: التمرد وسفك الدماء. ولهذا السبب، تقول المذكرة، كانت الولايات المتحدة تعمل فعلاً على تعزيز قوات الأمن التابعة لحركة فتح. ((إذا تصرفتم وفقاً لهذه الخطوط (المخطط)، سوف ندعمكم مادياً وسياسياً))، كما يقول النص. ((سوف نكون هناك لدعمكم)).

((حرب ذكية جداً))
كان ضعف فتح مصدر قلق عميق لدحلان ((لقد بذلت الكثير من الجهد لكي أوحي لحماس بأننا ما زلنا أقوياء وأن لدينا القدرة على مواجهتها)). ((لكني في أعماق قلبي كنت أعلم أن ذلك ليس صحيحاً)). لم يكن دحلان يحتل أي منصب أمني حينها بل كان عضواً في البرلمان ومحافظاً على ولاء أعضاء فتح له في غزة ((لقد استخدمت صورتي وقوتي)). يقول دحلان إنه أخبر عباس أن ((غزة لا تحتاج إلا إلى قرار من حماس لتستولي عليها)). وللحيلولة دون حدوث ذلك شن دحلان ((حرب ذكية جداً)) لشهور عديدة.
ووفقاً لعدد من الضحايا المزعومين كانت واحدة من تكتيكات هذه ((الحرب)) تنطوي على خطف وتعذيب أعضاء من القوة التنفيذية التابعة لحماس. (ينفي دحلان استخدام فتح لمثل هذه الأساليب، ولكن يعترف بحدوث أخطاء). ويقول عبد الكريم أبو جاسر، وهو رجل قوي وطويل البنية في الخامسة والعشرين من عمره إنه كان أول هؤلاء الضحايا. ((في 16 تشرين الأول/أكتوبر، خلال شهر رمضان، كنت في طريقي إلى منزل أختي لتناول الإفطار. أوقفني أربعة رجال، اثنان منهم يحملون البنادق. ثم أجبروني على مرافقتهم إلى منزل أمان أبو جديان، القائد الفتحاوي المقرب من دحلان)). (قتل أبو جديان في انتفاضة حزيران/يونيو).

((إنه رجلنا))
في عام 2001 قال الرئيس بوش علناً إنه نظر في عيني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتمكن من ((أن يشعر بروحه)) وتبين له أنه ((جدير بالثقة)). وفقاً لثلاثة من المسؤولين الأمريكيين، أدلى بوش بالحكم نفسه على دحلان عندما اجتمع به لأول مرة في عام 2003. ويذكر المسؤولون الثلاثة أنهم سمعوا بوش يقول ((إنه رجلنا)).
يقولون إن هذا التقويم قد رددته شخصيات رئيسية أخرى في الإدارة، بما فيهم رايس ونائبها المساعد ديفيد ولش، الرجل المسؤول عن سياسة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية. ((لم يكترث ديفيد ولش أساساً لحركة فتح))، كما يعبر أحد زملائه. ((جل ما يهمه هو النتائج، و(هو يساند) أي ابن عاهرة كان ينبغي عليه أن يدعمه. وصودف أن دحلان هو ابن العاهرة الذي كنا نعرفه على أفضل ما يكون. فهو من الأشخاص الذين يمكنهم التصرف والقيام بعمل ما. دحلان كان رجلاً تابعاً لنا)).
وصعق آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي والرئيس السابق للشين بيت، عندما سمع كبار المسؤولين الأمريكيين يشيرون إلى دحلان بأنه ((رجلنا)). ((قلت لنفسي إن رئيس الولايات المتحدة يقوم بحكم غريب هنا))، يقول ديختر.
لم يكن اللفتنانت جنرال كيث دايتون، والذي كان قد عيّن المنسق الأمريكي الأمني للفلسطينيين في تشرين الثاني/نوفمبر 2005، في وضع يسمح له بالتشكيك في حكم الرئيس حول دحلان. فخبرته السابقة في الشرق الأوسط تقتصر على أنه كان مديراً لفريق مسح العراق، وهي الهيئة التي بحثت عن أسلحة الدمار الشامل المحيرة لصدام حسين.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2006، التقى دحلان بدايتون للمرة الأولى في سلسلة طويلة من المحادثات التي عقدت بين القدس ورام الله. كلا الرجلين كان بصحبة مساعديه. منذ البداية، كما يقول المسؤول الذي وضع الملاحظات خلال الاجتماع، كان دايتون يدفع بجدولي أعمال متداخلين.
((نحن بحاجة إلى إصلاح أجهزة الأمن الفلسطينية))، قال دايتون وفقاً للملاحظات. ((ولكننا نحتاج أيضاً إلى بناء القوات الخاصة بك لكي تهاجم حماس)).
أجاب دحلان بأنه لا يمكن التغلب على حماس إلا بالوسائل السياسية وعلى المدى البعيد. ((لكن إذا كان علي مواجهتها، أنا بحاجة إلى موارد ضخمة. فإذا بقيت الأمور على ما هي عليه الآن فليست لدينا القدرة على ذلك)).
اتفق الرجلان على أنهما سيعملان على وضع خطة أمنية فلسطينية جديدة. وكانت الفكرة تقوم على تبسيط الشبكة المعقدة من قوات الأمن الفلسطينية ووضع دحلان في سدة المسؤولية عنها جميعاً من خلال دوره المستحدث كمستشار الأمن الوطني الفلسطيني. وكان على الأمريكيين أن يساعدوا بإمدادات الأسلحة والتدريب.

((إيران - كونترا 2))
خلال عهد بيل كلينتون، يقول دحلان ((كانت التزامات المساعدة الأمنية تعطينا ما نريد بشكل تام)). أما خلال عهد بوش فإنه كان على وشك أن يكتشف أن الأمور مختلفة. في نهاية عام 2006، وعد دايتون بمبلغ فوري تبلغ قيمته 86.4 مليون دولار - وفقاً لوثيقة أمريكية نشرتها وكالة رويترز في 5 كانون الثاني/يناير 2007، هو المال الذي سوف يستخدم ((لتفكيك البنية التحتية للإرهاب وإقامة القانون وإحلال النظام في الضفة الغربية وغزة)). حتى إن المسؤولين الأمريكيين قالوا للصحافيين بأن الأموال ((ستنقل في الأيام المقبلة)).
لم يصل المال أبداً. ((لم يصرف أي مبلغ أبداً))، وفق دحلان. ((تمّت الموافقة على الصرف وورد الأمر في الصحف ولكن لم نتسلّم أي قرش أبداً)).
وذهبت فكرة نقل المال بسرعة وسهولة أدراج الرياح في كابيتول هيل حيث أوقفت لجنة مجلس النواب الفرعية حول الشرق الأوسط وجنوب آسيا الدفعة. كان أعضاء اللجنة يخشون أن ينتهي الأمر بالمساعدات العسكرية للفلسطينيين بأن توجه ضد (إسرائيل).
عادت الإدارة إلى الكونغرس وخفضت الصفقة إلى 59 مليون دولار كمعونة (غير فتاكة) وتمّت الموافقة عليها في نيسان/أبريل 2007. ولكن كما يعلم دحلان أمضى فريق بوش الأشهر الماضية في استكشاف البدائل والوسائل المستترة للحصول له على الأموال والأسلحة التي كان يريدها. وكان تردد الكونغرس يعني أن ((عليك أن تبحث في مختلف المصادر عن الأموال))، كما يقول مسؤول في البنتاغون.
ويضيف مسؤول في وزارة الخارجية: ((أولئك المسؤولون عن تنفيذ هذه السياسة كانوا يقولون: إفعل كل ما يتطلبه الأمر. وعلينا أن نكون في وضع يسمح لحركة فتح هزيمة حماس عسكرياً، ووحده محمد دحلان يملك المكر والعضلات (القدرة) للقيام بذلك. وكان من المتوقع أن ينتهي الأمر حيث يراد له أن ينتهي: بمواجهة عسكرية)). ويضيف هذا المسؤول: ((كان هناك برنامجان متوازيان: الخطة المكشوفة التي قدمتها الإدارة إلى الكونغرس، والخطة السرية التي لم تقتصر فقط على شراء الأسلحة ولكن تسديد رواتب العناصر الأمنية أيضاً)).
كان البرنامج بسيطاً في الجوهر. فبحسب مسؤولي وزارة الخارجية، في بداية الجزء الأخير من عام 2006، بدأت رايس عدة جولات من الاتصالات الهاتفية واللقاءات الشخصية مع قادة أربع دول عربية هي مصر، الأردن، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. طلبت رايس من هذه الدول دعم حركة فتح من خلال توفير التدريب العسكري والتعهد بتوفير الأموال اللازمة لشراء الأسلحة الفتاكة لقوات فتح. كان من المقرر أن تدفع الأموال مباشرة إلى الحسابات التي يسيطر عليها الرئيس عباس.
بالرغم من قانونيتها أو عدمه، سرعان ما بدأت شحنات الأسلحة تتدفق. ففي أواخر كانون الأول/ديسمبر 2006، مرت أربع شاحنات مصرية عبر معبر تسيطر عليه (إسرائيل) إلى غزة، حيث سلمت محتوياتها إلى حركة فتح. وكانت هذه الشحنة تحتوي على ألفي (2000) بندقية أوتوماتيكية مصرية الصنع، 20000 مزخن (مشط) ذخيرة، ومليوني رصاصة. تسربت الأخبار عن الشحنة، وقال بنيامين بن أليعازر، وهو عضو في مجلس الوزراء الإسرائيلي، للإذاعة الإسرائيلية العامة إن البنادق والذخيرة من شأنها أن تعطي عباس ((القدرة على التعامل مع تلك المنظمات التي تسعى إلى خراب كل شيء)) - والمقصود هو حركة حماس.
يشير آفي ديختر إلى أن كل شحنات الأسلحة كان يتعين أن توافق عليها (إسرائيل)، التي كان من المفهوم ترددها في السماح بإدخال أحدث الأسلحة إلى غزة. ((شيء واحد هو من المؤكد: لم نكن نتكلم عن الأسلحة الثقيلة))، هكذا يقول أحد المسؤولين في وزارة الخارجية. ((كانت الأسلحة صغيرة: رشاشات خفيفة وذخيرة)).
ولعل الإسرائيليين هم من أعاق الأمريكيين. ولعل إليوت أبرامز كبح جماح نفسه لأنه لم يكن مستعداً لخرق القانون الأمريكي للمرة الثانية. يقول أحد رفاق أبرامز، الذي رفض التعليق على هذا المقال، إنه شعر بالانقسام حول السياسة: فقد كان ممزقاً بين شعورين: شعور الاحتقار والازدراء الذي يكنه لدحلان وولاؤه الطاغي للإدارة. لم يكن وحده الذي يتنازعه ذلك الشعور: ((هناك تصدعات حادة بين المحافظين الجدد حول هذا الأمر))، كما يقول المستشار السابق لتشيني، ديفيد فورمسر. ((فقد كنا نمزق بعضنا البعض إرباً)).
يقدّر أحد المسؤولين أن البرنامج جمع ((بعض الدفعات التي تصل إلى 30 مليون دولار))، معظمها، كما توافق مصادر أخرى، من دولة الإمارات العربية المتحدة. أما دحلان نفسه فيقول إن المبلغ هو 20 مليون دولار فقط، ويؤكد أن ((العرب بذلوا الكثير من التعهدات وقليلاً من الدفعات)). أياً كان المبلغ تحديداً، فالأموال لم تكن كافية.

الخطة ((ب))
وفيما يشبه إنذار والاس في أواخر عام 2006، دعت الخطة ((ب)) عباس إلى ((إقالة الحكومة)) إذا رفضت حماس تغيير موقفها تجاه (إسرائيل). من هناك يمكن أن يقوم عباس بالدعوة إلى انتخابات مبكرة أو فرض حكومة طوارئ. ولم يكن من الواضح ما إذا كان عباس، بصفته الرئيس، يملك الصلاحية الدستورية لحل حكومة منتخبة يقودها الحزب المنافس، لكن الأمريكيين لم يعيروا ذلك الأمر اهتماماً.
وقد صيغت أهداف الخطة ((ب)) الخاصة بإدارة بوش في وثيقة بعنوان ((خطة عمل للرئاسة الفلسطينية)). وقد مرت خطة العمل هذه بعدة مسودات وضعتها الولايات المتحدة، والفلسطينيون، وحكومة الأردن. بيد أن المصادر تتفق على أنها نشأت في وزارة الخارجية.
وقد شددت أوائل المسودات على الحاجة إلى تعزيز القوات التابعة لحركة فتح من أجل ((ردع)) حماس. ((النتيجة المرجوة)) كانت إعطاء عباس ((القدرة على اتخاذ القرارات السياسية الاستراتيجية المطلوبة.. مثل إقالة مجلس الوزراء وتأليف حكومة طوارئ)).
ودعت المسودات إلى زيادة ((مستوى وقدرات)) أفراد القوى الأمنية البالغ عددهم 15000 التابعين لفتح وإضافة 4700 جندي في سبع كتائب جديدة ((مدربة تدريباً عالياً على القيام بمهام الشرطة)). كما وعدت الخطة بترتيب ((التدريب المتخصص في الخارج)) في الأردن ومصر، وتعهدت ((بتوفير المعدات والأسلحة اللازمة للعناصر الأمنية للقيام بمهامهم)).
ووضع أيضاً ميزانية مفصلة وبالتكلفة الإجمالية للأجور، والتدريب، و((المعدات الأمنية اللازمة، الفتاكة وغير الفتاكة)) بلغت قيمتها 1،27 بليون دولار على مدى خمس سنوات. وتنص الخطة على ما يلي: ((وضعت التكاليف الإجمالية للميزانية بالاشتراك مع فريق الجنرال دايتون والفريق الفلسطيني الفني للإصلاح)) - وهو وحدة أنشأها دحلان ويقودها صديقه ومعاونه السياسي باسل جابر. يؤكد جابر أن هذه الوثيقة هي خلاصة دقيقة للعمل الذي قام به وزملاؤه مع دايتون. ((كانت الخطة تهدف لإنشاء مؤسسة أمنية يمكنها أن تحمي وتعزز دولة فلسطينية مسالمة تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل)).
في منتصف شهر أيار/مايو، وخلال غياب دحلان، أضيف عامل جديد إلى كوكتيل غزة السام مع وصول 500 من مجندي قوات الأمن الوطني التابعين لحركة فتح تواً من دورة تدريبية في مصر، مزودين بأسلحة وعربات جديدة. يقول دحلان إنهم ((كانوا في دورة تدريبية مكثفة لمدة 45 يوماً)). ((كنا بحاجة أن يكون لدينا مظهر لائق ومجهزين بشكل جيد مما يعطي انطباعاً بوجود سلطة جديدة)). ولوحظ وجود هذه القوة على الفور، ليس فقط من جانب حماس ولكن من جانب موظفي وكالات المعونة الغربية. ((كانوا يحملون بنادق جديدة مجهزة بمناظير تلسكوبية، ويرتدون سترات سوداء)).
في السابع من حزيران/يونيو حدث تسرب آخر ألحق أضراراً بالغة. فقد ذكرت صحيفة ((هآرتس الإسرائيلية)) أن عباس ودايتون قد طلبا من (إسرائيل) أن تأذن بمرور أكبر شحنة من الأسلحة المصرية - والتي تشمل عشرات من السيارات المصفحة، والمئات من الصواريخ المضادة للدروع وآلاف من القنابل اليدوية، وملايين الطلقات من الذخيرة. وبعد ذلك بأيام قليلة وقبل لحظات من مغادرة الدفعة الثانية من مجندي فتح للتدريب في مصر بدأ الانقلاب بصورة جدية.

معركة حركة فتح الأخيرة
العديد من الوحدات المسلحة التي كانت اسمياً موالية لحركة فتح لم تقاتل على الإطلاق. بعضها بقي محايداً لأنهم كانوا يعتقدون أن قوات دحلان محكومة بالفشل والخسارة في ظل غيابه. ((أردت أن أضع حداً لدوامة القتل))، يقول إبراهيم أبو نزار أحد قياديي الحركة المخضرمين. ((ما الذي كان يتوقعه دحلان؟ وهل كان يعتقد أن البحرية الأمريكية كانت ستأتي لإنقاذ حركة فتح؟ لقد وعدوه بالقيام بكل شيء، ولكن ما الذي فعلوه؟ بيد أنه خدعهم أيضاً، وقال لهم إنه كان الرجل الأقوى في المنطقة. وحتى الأمريكيين يشعرون بالإحباط والحزن الآن على صديق خسر المعركة)).
أما الآخرون الذين بقوا خارج المعركة فقد كانوا من المتطرفين. يقول خالد الجابري، قائد كتائب شهداء الأقصى في فتح التي تواصل إطلاق صواريخ إلى داخل (إسرائيل) من غزة إن ((فتح هي حركة كبيرة لديها العديد من المدارس داخلها)). ((مدرسة دحلان ممولة من قبل الأمريكيين وتعتقد أن المفاوضات مع (إسرائيل) خيار استراتيجي. حاول دحلان التحكم في كل شيء داخل حركة فتح، ولكن هناك كوادر قامت بما هو أفضل بكثير. لقد عاملَنا دحلان بشكل دكتاتوري)).
كيف يمكن أن تخطئ الولايات المتحدة في غزة إلى هذه الدرجة؟ يلقي منتقدو الإدارة من المحافظين الجدد -والذين كانوا حتى العام الماضي داخل تلك الإدارة- باللوم على خطيئة قديمة في وزارة الخارجية: الاندفاع القوي في توجيه الضربة إلى رجل قوي بدلاً من حل المشاكل بشكل مباشر. لقد فشلت هذه الحيلة في أماكن متنوعة مثل فيتنام، والفلبين، وأمريكا الوسطى، وعراق صدام حسين، أثناء حربه ضد إيران. إن الاعتماد على الوكلاء/العملاء مثل محمد دحلان، يقول السفير السابق في الأمم المتحدة، جون بولتون، هو ((فشل مؤسساتي وفشل استراتيجي)). ثم يضيف: ((إن صاحبة هذا الفشل هي رايس التي، على غرار الآخرين الذين يتخلون عن هذه الإدارة في هذه الأيام، تبحث عن تركة وميراث لها. فبعد أن فشلوا في التنبه إلى التحذير من إجراء الانتخابات، حاولوا تجنب النتيجة من خلال دايتون)).
ومع بقاء خيارات قليلة جيدة يبدو أن الإدارة الآن تعيد النظر في رفضها الشامل للتواصل مع حماس. وقد وضع العاملون في مجلس الأمن القومي والبنتاغون سراً مجسات تحت تصرف خبراء أكاديميين، طالبين منهم تقديم أوراق بحث تصف حماس وأجهزتها الرئيسية. ((يقولون إنهم لن يتحدثوا إلى حماس))، يقول أحد هؤلاء الخبراء، ((ولكن في نهاية المطاف عليهم القيام بذلك، إنه أمر لا مفر منه)).



 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003