العائلة المقاتِلة.. عائلة نصار
قدّمت 19 شهيداً في ميادين الجهاد والمقاومة
غزة/كارم الغرابلي
كغيرها من العائلات، لم تتوان عائلة نصار عن تقديم الغالي والنفيس دفاعاً عن
الأمّة وكرامتها، فلم تترك هذه العائلة المجاهدة ميداناً من ميادين العز
والفخار إلا وخاضته، حيث قدمت أكثر من تسعة عشر شهيداً حتى الآن، ومازال
أبناؤها بين مجاهد وشهيد ومطارد.
وتعتبر عائلة نصار واحدة من آلاف العائلات الفلسطينية التي ضحت ومازالت
بأبنائها، وكان آخر تضحياتها الشهيد عبد الرحمن نصار البالغ من العمر عشرين
عاماً، ابن كتائب الشهيد عز الدين القسام، والذي اغتالته يد الغدر والخيانة
إبان محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، لدى عودته من الخارج
عبر معبر رفح الحدودي.
بيت دراس
ترجع جذور عائلة نصار إلى قرية بيت دراس، إحدى قرى فلسطين المحتلة عام 1948،
وهي من القرى التي دمرت عام 1948، وأقيمت على أراضيها المسلوبة مستوطنة (موشاف
جفعاتي) عام 1950، ومستوطنة (مرزعة زموروث).
ويمتد تاريخ عائلة نصار إلى بدايات الهجمات الصهيونية على القرى الفلسطينية،
حيث كان للعائلة دور بارز في الدفاع عن قرية بيت دراس، فقد حققت العائلة -مع
بقية المدافعين عن القرية- انتصارات تكاد أن توصف بالمعجزة، وقد هبّ رجال
العائلة للدفاع عن فلسطين، بما توفر لديهم من بنادق محدودة، وطلقات معدودة،
كانوا يشترونها من أموالهم الخاصة، حيث لجأ الكثير منهم ((لبيع ما يملكون من
دجاج وبط وأغنام ليشتروا بها رصاصاً يدافعون به عن فلسطين)).
وكان الشهيد محمد صالح نصار أول شهداء معركة بيت دراس خلال المناوشات مع
العصابات الصهيونية، وقد لحق به شقيقه يوسف نصار شهيداً قبل اندلاع حرب عام
1948.
واستمرت رحلة العطاء لعائلة المجاهدين، فاشترك رجالها ضمن الجيش المصري في صد
العدوان الثلاثي -من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل- على مصر عام 1956، حيث كان
قطاع غزة يخضع للإدارة المصرية في ذلك الوقت، فقدمت العائلة ثلاثة شهداء، كان
منهم توفيق شكري نصار.
الانتفاضة الأولى
وأبلت هذه العائلة المجاهدة بلاء حسناً في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي خلال
الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987، حيث شارك شبابها في رشق الحجارة، ووضع
المتاريس في الشوارع، كما كان لهم دور في الكتابة على الجدران ضمن جهاز الأحداث
التابع لحركة حماس الذي كان يتولى الإعلان عن فعاليات الانتفاضة.
وكان لبعض أبنائها البواسل دور في تنفيذ العديد من العمليات الفدائية ضد جنود
الاحتلال الإسرائيلي. ولعب شباب عائلة نصار دوراً بارزاً في تأجيج نار المقاومة،
فكان طلال طلب نصار عضواً في أول خلية عسكرية لكتائب القسام الجناح العسكري
لحركة حماس، حيث عمل برفقة الشهيد عماد عقل -الملقب بأسد الكتائب- والقسامي
بشير حماد.
وواصل طلال نشاطه في كتائب القسام وانتقل إلى الضفة الغربية برفقة المجاهد بشير
حماد، وعملا على تنظيم خلايا عسكرية لحركة حماس في الضفة، وعادا ثانية إلى قطاع
غزة بعد أن كللت جهودهما بالنجاح.
وإثر ذلك اشتدت المطاردة الصهيونية لكل من له علاقة بالعمل العسكري؛ لذا لم يجد
طلال وبشير بداً من مغادرة قطاع غزة عبر الحدود مع مصر، واستقر بهما الحال في
سوريا التي عاد منها مؤخراً في أعقاب فتح معبر رفح الحدودي.
وفي الوقت الذي كان طلال يباشر عمله في تأسيس خلايا كتائب القسام، كان ابن عمه
محمد نظمي نصار يؤدي دوراً جهادياً بارزاً في الانتفاضة، حيث اشترك في عمليات
اختطاف جنود إسرائيليين عام 1988، لكن بعدما اكتشف الاحتلال علاقته بالعمل
العسكري سارع محمد لمغادرة الأراضي الفلسطينية عام 1989.
اعتقالات وإبعاد
وقد شكل اعتقال الجيش الإسرائيلي لثلة من أبناء العائلة، خلال الانتفاضة الأولى
اعترافاً ضمنياً بدورها في مواجهة الاحتلال، حيث اعتقل نبيل نصار (شقيق
الشهيدين عماد وأكرم) مدة عشر سنوات، وأطلق سراحه خلال انتفاضة الأقصى، كما
اعتقل أبناء عمه (جمال - كمال - محمد - صلاح - وائل - ماهر - فلاح)، ونهاد
وإياد وزهير نصار أبناء عمه الآخر، وكذلك اعتقل زاهر نصار الذي استشهد لاحقاً
مع القائد صلاح شحادة.
وبعد عمليات الاعتقال المتكررة لأبناء العائلة والتي لم تجدِ نفعاً في ثنيهم عن
مقاومة الاحتلال، لجأت السلطات الإسرائيلية لأسلوب جديد في مواجهة الانتفاضة
الفلسطينية، فقامت بإبعاد 450 شخصاً من نشطاء وقياديي حركتي حماس والجهاد
الإسلامي إلى مرج الزهور جنوب لبنان عام 1992، كان نصيب عائلة نصار ستة مبعدين،
بينهم أربعة أشقاء.
أمضى مبعدو عائلة نصار عاماً كاملاً وسط ظروف صعبة في مرج الزهور، وبعدما صدر
قرار من مجلس الأمن الدولي بعودة المبعدين احتضنت السجون الإسرائيلية مبعدي آل
نصار، حيث قضوا فترة اعتقال إداري قبل أن يعودوا إلى بيوتهم.
وكان أول بيت يهدم في حي الزيتون من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال
الانتفاضة الأولى يعود لأسرة الشهيدين أكرم (استشهد في انتفاضة الأقصى) وعماد (استشهد
في الانتفاضة الأولى) منسي نصار.
وقدمت العائلة خلال الانتفاضة الأولى شهيدين، أحدهما قتله المستوطنون بينما كان
يستقل سيارته، وهو كمال شامخ نصار، والثاني عماد منسي نصار عضو كتائب القسام،
حيث استشهد خلال محاولته الخروج إلى مصر عام 1991.
وقد شهد مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ما عرف بالدعوة للخيار السلمي في حل
القضية الفلسطينية، ورغم ذلك عض أبناء وشباب آل نصار على المقاومة بنواجذهم،
رغم ما قد يلاقونه من ملاحقة واعتقال وتعذيب. فقد حاول الشهيد وائل نصار تنفيذ
عملية استشهادية داخل تل أبيب، إلا أن السلطة كشفت أمره وحاصرت المجموعة
المخططة للعملية في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وتم اعتقال أفرادها وأمضى وائل
خمس سنوات في سجون السلطة تعرض خلالها لأبشع أنواع التعذيب.
وكانت المرحلة الأولى من عمر السلطة الفلسطينية فترة قاسية من العذاب النفسي
والجسدي للكثير من أبناء عائلة نصار، حيث خضعوا لتعذيب شديد، وكان من بين الذين
تعرضوا للاعتقال، القائد زاهر نصار الذي استشهد لاحقاً مع صلاح شحادة القائد
العام لكتائب القسام في فلسطين.
ولم يسلم أكرم نصار (مرافق الرنتيسي) من الاعتقال على يد الأجهزة الأمنية
الفلسطينية، حيث احتضنته سجون السلطة أكثر من مرة لفترات متفاوتة، وكذا الحال
مع ابن عمه جمال نصار أمين عام حزب الخلاص الوطني الإسلامي.
وفتحت عائلة نصار بيوتها مأوى للمجاهدين، ففي الوقت الذي ساد فيه الخوف نظراً
لاعتقال الكثير من أبناء الحركة الإسلامية وتعذيبهم بشكل وحشي، من قبل الأجهزة
الأمنية الفلسطينية، آوى زاهر نصار في منزله خليل السكني وحاتم وادي عضوي كتائب
القسام، وذلك بعدما تمكنا من الهرب من سجون السلطة، كما توارى الشهيد القائد
سعد العرابيد عن أنظار السلطة الفلسطينية في منزل الشهيد صلاح نصار.
انتفاضة الأقصى
بعد فشل قمة كامب ديفيد اندلعت انتفاضة الأقصى التي كانت عائلة نصار من بين من
أشعلوها فقدمت 19 شهيداً ولم ينقضِ العام الرابع على الانتفاضة التي بدأت فجر
التاسع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2000، وكان جل شهدائها من قادة
كتائب القسام.
لم يغب مجاهدو العائلة عن الأدوار الجهادية، فلم تخلُ مرحلة من مراحل الجهاد
والمقاومة من دور واضح لهم، فقد استشهد صلاح نصار مع أربعة من مجاهدي القسام
عصر الجمعة 8-11-2002 بعدما أصيب بجراح بالغة، إثر انفجار نتج عن خطأ وقع خلال
إعداد القنابل اليدوية والصواريخ القسامية.
لكن صلاح لم يكن أول شهداء العائلة خلال انتفاضة الأقصى، بل سبقه محمد ياسين
نصار عضو كتائب القسام، حيث استشهد بتاريخ 14-4-2001 إثر قصف قوات الاحتلال
الإسرائيلي لمنزله بقذائف مدفعية.
على الطريق ذاته
ولحق ياسين نصار (49 عاماً) بنجله محمد شهيداً خلال تصديه لاجتياح إسرائيلي لحي
الشجاعية وحي الزيتون بتاريخ 23-9-2002، إلا أن رفيق دربه زاهر نصار -أبو حماس-
سبقه إلى الشهادة، حيث قضى نحبه في جريمة اغتيال الشيخ صلاح شحادة القائد العام
لكتائب الشهيد عز الدين القسام في فلسطين بتاريخ 22-7-2002.
واستشهد علي ظاهر نصار خلال تصديه لقوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة بيت حانون
شمال قطاع غزة بتاريخ 12-1-2003، وتبعه الشهيد عمر كامل نصار (22 عاماً) بتاريخ
8-4-2003 خلال غارة إسرائيلية، استهدفت سعد العرابيد القائد بكتائب القسام،
ولحق بهم فهمي نصار خلال قصف قوات الاحتلال لموقع عسكري فلسطيني.
وقضى أكرم فهمي نصار نحبه شهيداً، مع خمسة آخرين من قادة كتائب القسام في يوم
16-2-2003، بعد تسلّمهم لطائرة شراعية، كانوا يعتزمون استخدامها في تنفيذ
عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولحق إسحاق فايز نصار (18 عاماً) بركب الشهداء
خلال اشتراكه في تنفيذ عملية اقتحام لمستوطنة (تل قطيف) وسط قطاع غزة الخميس
25-3-2004، انتقاماً لاغتيال الشيخ أحمد ياسين فجر الإثنين 22-3-2004.
كما لحق فادي نصار، أحد أعضاء كتائب القسام، بكوكبة شهداء العائلة فجر الثلاثاء
11-5-2004، خلال مشاركته في التصدي لقوات الاحتلال الإسرائيلي التي اجتاحت حي
الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.
كما استشهد المجاهد القسامي محمود يوسف نصار عصر السبت 10/7 /2004 بعد قصف
السيارة التي كان يقودها وثلاثة من مجاهدي ((ألوية الناصر صلاح الدين)) من قبل
دبابة صهيونية في اعقاب قصفهم لمغتصبة (نتساريم) بعدد من الصواريخ وقذائف
الهاون.
ورغم سنوات الاعتقال التي أمضاها وائل نصار في سجون السلطة، ورغم الأعباء
الثقيلة التي فرضها عليه استشهاد عدد كبير من قادة القسام الذين عمل معهم
ورافقهم طويلاً في درب المقاومة، فإنه واصل جهاده حتى نال الشهادة فجر الأحد
30-5-2004 عندما قصفت مروحية إسرائيلية الدراجة النارية التي كان يستقلها في
شارع صلاح الدين بحي الزيتون.
ولما تتوقف تضحيات العائلة عن وائل حيث لحق به الشهيد القائد القسامي عبد
الرحمن نصار والذي اغتالته يد الغدر والخيانة إبان محاولة اغتيال رئيس الوزراء
الحالي إسماعيل هنية لدى عودته عبر معبر رفح من الخارج فجر الجمعة 15/12/2006 .
النساء شقائق الرجال
ولم يقتصر جهاد عائلة نصار على الرجال، بل تجاوز ذلك كثيراً، حيث كانت نساء
العائلة من أوائل الفلسطينيات اللاتي بعن مصاغهن لدعم المقاومة بعد المحاولات
الأمريكية والإسرائيلية لسد منافذ الدعم والتمويل عنها. وتستقبل نساء العائلة
الشهداء بالتهليل والتكبير، وحسبما ذكر أبو محمد فإن ((أخوات وزوجة الشهيد أكرم
نصار كبّرن وهللن، عندما ألقين عليه نظرة الوداع)).
وكان لآل نصار في الاعتقالات لدى الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية نصيب،
وبعضهم اعتقل ما لا يقل عن تسع مرات على فترات متفاوتة، فضلاً عن إصابة ما يربو
عن 30 فرداً من العائلة جراء اشتراكهم في المقاومة.
يقول الشاب أبو محمد: ((حتى الكهل في العائلة تداعبه نفسه للشهادة، ويهفو قلبه
للجهاد في سبيل الله)).