منفذ عملية القدس النوعية ملتزم ومقبل على الدنيا
الاحتلال يصرّ على دفن الشهيد ليلاً والفرح يغمر أهالي القدس
كغيره من الذين اختاروا أن يسجلوا أسماءهم بحروف من نور، خطّ
الشاب علاء أبو دهيم خطواته الأخيرة بثقة عالية ليسجل اسمه في قائمة العز
والشرف، حين رد الصاع صاعين ثأراً لإخوانه في غزة، وهو الذي كان يبكي حرقة
وألماً على صورهم التي كانت تتناقلها الفضائيات وهم يتعرضون لمحرقة القرن
الحادي والعشرين على يد الاحتلال الصهيوني.
((علاء الذي كان يستعد لإتمام زفافه خلال الصيف القادم بعد أن أتم خطوبته على
إحدى فتيات بلدته جبل المكبر، تعجل الموعد قليلاً ليزف إلى الحور العين))، يقول
أحد أقاربه، ويضيف ((صورة علاء في مخيلة جميع من عرفوه، هو ذاك الشاب الهادئ
الملتزم، كما أنه كان متواضعاً وملتزماً ومنفتحاً، ولم يكن ذا توجهات سياسية
معروفة، كما لم يسبق أن اعتقل في الماضي، وكان منهمكاً في عمله، حيث كان يستعد
لعرسه خلال الأشهر القليلة القادمة)).
ونفت شرطة الاحتلال أن يكون علاء قد اعتقل في السابق بشبهة علاقته مع ((حزب
الله))، كما أنه وخلافاً لما ذكرته بعض المصادر فإن ((الشهيد لم يكن يعمل سائقاً
في المدرسة الدينية التي وقع فيها الهجوم، وإنما سائق لدى شركة نقل إسرائيلية
تقوم بنقل عمال فلسطينيين إلى مصانع إسرائيلية أو حتى نقل إسرائيليين في مختلف
أرجاء البلاد، وهو يعمل في هذه الشركة منذ حوالى عامين، وكان يعمل قبلها على
سيارة عامة)).
الصفات التي يتحلى بها الشهيد، هي التي أبقت على حالة ((الذهول والمفاجأة))
تحيط بأهله وأقاربه وسكان البلدة بعد تنفيذه لأحد أجرأ العمليات الفدائية التي
نفذها الفلسطينيون منذ سنوات عديدة، حيث قتل ثمانية صهاينة وأصيب نحو ثلاثين
آخرين من أشد المستوطنين المتطرفين. ففي ليلة الخميس 6-3-2008 اقتحم علاء -25
عاماً- المعهد الديني ((مركاز هراب)) الواقع في قلب القدس الغربية، وهو يحمل
بندقية رشاشة من طراز كلاشنكوف ومسدساً بالإضافة إلى ستة مخازن للذخيرة، وليفرغ
كل ما في جعبته من العيارات النارية خلال هجومه، قبل أن يرتقي إلى العلا شهيداً.
وينفي قريب الشهيد والذي رفض ذكر اسمه خشية الملاحقة الصهيونية له، أن تكون
هناك أية علامات قد ظهرت على الشهيد قبل تنفيذه العملية، حيث يقول ((لقد صلى
المغرب والعشاء في المسجد القريب من بيته، وكان طبيعياً جداً)). غير أنه يستدرك
قائلاً ((لقد تركت أحداث غزة والمجازر التي ارتكبتها (إسرائيل) هناك خلال
الفترة الأخيرة والتي تسببت باستشهاد وإصابة المئات بينهم عدد كبير من الأطفال
الرضع والنساء، أثراً كبيراً على نفسية علاء كغيره من أبناء الشعب الفلسطيني،
فرغم بُعد المسافة عن غزة إلا أننا أبناء شعب واحد نشعر بألم بعضنا، فربما يكون
هذا أحد الأسباب وراء تنفيذ هجومه على المدرسة الدينية)).
محرقة غزة
أحد أصدقاء الشهيد ممن عايشه منذ الطفولة ويعمل معه بذات الوظيفة، يقول ((كان
منذ طفولته وحتى شبابه يمتاز بالتواضع والهدوء، وكان ملتزماً بالصلاة والصيام،
لكن لم نكن نتحدث في السياسة)). وباللهجة ذاتها يرى ((أن المجازر الدموية التي
وقعت في غزة ربما تكون الدافع الأكبر لتنفيذه الهجوم المسلح)). وتوضح شقيقة
الشهيد أنه ((كان متأثراً بأحداث غزة وأن المشاهد لم تمكنه من النوم)).
وكان علاء يحمل هويته الشخصية خلال تنفيذه الهجوم، ما أدى إلى سرعة التعرف على
شخصيته ومداهمة منزل عائلته فوراً، من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، حيث قامت
باعتقال والده الذي يعمل مهندساً في بلدية القدس وعمه واثنين من أشقائه وأبناء
عمومة الشهيد، فيما تم إجراء تفتيش كامل في أرجاء المنزل ومصادرة بعض الحواسيب
من داخل الشقة، فيما اعتقلت خطيبته كذلك في الليلة نفسها، قبل أن تفرج سلطات عن
بعضهم لاحقاً.
وهذا هو الهجوم الأكبر الذي تشهده القدس ويستهدف إسرائيليين منذ حوالى أربعة
أعوام، واعتبره مراقبون بأنه أخطر هجوم يقع في القدس الغربية في ظل الإغلاق
المحكم للمدينة واكتمال بناء الجدار الفاصل، والملاحقات المستمرة لفصائل
المقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع.
وداع منقوص
واحتجزت الشرطة الإسرائيلية جثمان الشهيد لأكثر من ثمانية أيام، قبل أن تُفاجئ
ذويه باقتحام منزلهم الساعة الثانية والنصف فجر الخميس 13-3 وتطلب من والده
وأعمامه مرافقتهم صوب مقبرة البلدة، كانت سيارة الإسعاف بانتظارهم وهي تحمل
جثمان علاء، لتجبرهم على دفنه فوراً دون تأخير. غير أن التكنولوجيا الحديثة
خففت قليلاً من لوعة والدة علاء والتي حرمت من المشاركة في تشييعه، حيثُ مكنتها
صورة أخذت بالهاتف المحمول له من رؤيته قبل مواراته الثرى.
يقول والد الشهيد: ((لم يكن هناك ماء لنتوضأ واضطررنا أن نتيمم للصلاة عليه قبل
دفنه، وللأسف لم تتمكن والدته وشقيقاته وأشقاؤه الذين ما زالوا قيد التحقيق من
وداعه وإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وتمكنا من أخذ صورة لوجهه الطاهر قبل أن
يدفن لعل الصورة تخفف من ألم العائلة)).
فرحة في الصدور
وتسببت العملية النوعية التي نفذها علاء بفرحة غامرة لدى الغالبية العظمى من
أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة على العملية العسكرية
الإسرائيلية في غزة والتي أودت بحياة أكثر من 130 فلسطينياً. وفي القدس مسقط
رأس الشهيد عبّر المواطنون عن فرحتهم وسعادتهم بالعملية، حيث تقول أم محمود
التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها ((لقد أبكتنا أحداث غزة بحرقة، ونحن نرى الأشلاء
المقطعة والمنازل المهدمة والمصابين والمرضى الذين يموتون على الهواء مباشرة،
فجاءت عملية علاء ابن مدينتي الغالية ليرفع من معنوياتنا ويعيد لنا قليلاً من
العزة والكرامة)).
وتضيف ((لا تتعب نفسك وتسال غيري، فالإجابة واحدة، وإن كنا جميعاً قد فوجئنا
بأن علاء ذلك الشاب الوسيم الهادئ هو المنفّذ)).
ولم يستطع سكان القدس التعبير عن فرحتهم علانية، خوفاً من الشرطة الإسرائيلية
التي كانت تراقب الجميع وتعتقل كل من يظهر فرحه بالعملية، وعن هذا تقول أم
محمود ((لم نعبر عن فرحتنا كما كنّا نتمنى، فالشرطة جهزت نفسها لقمع أي احتفال
مهما كان بسيطاً، لكن الفرحة انتعشت في صدورنا وقلوبنا)).
أحد أفراد عائلة أبو دهيم عبر عن فخره بكون منفذ عملية القدس أحد أقربائه، حيث
قال ((لقد اختار علاء مصيره بنفسه، لقد كان يطمع للعلا فاجتهد ونالها إن شاء
الله)).
وعن ردة فعل الاحتلال تجاه أفراد عائلة أبو دهيم، قال ((لن يصيبنا إلا ما كتب
الله لنا، ونحن جاهزون لأي ردّة فعل إسرائيلية، قد يهدمون منزل أبو علاء،
لحظتها ستكون جميع بيوت العائلة وحتى بيوت القدس مفتوحة على مصراعيها لاستقبال
عائلة البطل)).