عملية القدس فلسطينياً:
قوة لوحدة الشعب والأرض وبرهان على نجاعة سلاح الاستشهاد
القدس/مها عبد الهادي
حملت العملية الاستشهادية النوعية التي نفذها الشاب علاء أبو ادهيم من جبل
المكبر/القدس معها تداعيات كثيرة في سياق الأوضاع السياسية والأمنية التي
تعيشها الأراضي الفلسطينية والمحيط المجاور. فهذه العملية التي دانتها السلطة
الفلسطينية جاءت مثلجة لصدور الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، ليس رداً
فقطً على المجازر والجرائم التي ارتكبتها الدولة العبرية في قطاع غزة مستخدمة
أحدث الأسلحة لتقتل وتصيب الأطفال والمدنيين وتدمر الأرض والبيوت وتنسف الحجر
والشجر..، وإنما رد أيضاً على الصمت العربي والإسلامي والدولي على تلك الجرائم.
فهذه هي الأسباب الحقيقية التي دفعت علاء إلى القيام بعمليته الاستشهادية داخل
المدرسة الدينية اليهودية مستخدماً بندقية رشاشة من طراز كلاشنكوف وستة مخازن
للذخيرة حيث أطلق كافة العيارات النارية التي بحوزته، كما أنه استخدم مسدساً،
قبل أن يفرغ عناصر أمن صهاينة 17 رصاصة في رأسه وجسده، لكن ليس قبل أن يقتل
ثمانية صهاينة ويجرح عشرات آخرين.
ووفق مصادر صهيونية اضطر بعض طلبة المعهد الديني اليهودي للقفز من نوافذ الطابق
الثاني هرباً من رصاص المهاجم، الذي لاحقهم في ممرات المكتبة التوراتية، ما أدى
إلى إصابة بعض هؤلاء بجروح خطيرة نتيجة قفزهم.
وهذا الهجوم الذي يعتبر الأكبر الذي تشهده مدينة القدس ويستهدف صهاينة منذ
حوالى أربعة أعوام يعد أخطر هجوم يقع في القدس الغربية، حيث حمل معه عدة مؤشرات
مهمة أكدت على:
1- عزيمة المقاومة: برهنت العملية على أن جرائم الصهاينة ضد الإنسانية،
والعقوبات الجماعية وحرب الإبادة والمجازر وفرض الحصار الخانق على غزة،
واستمرار العدوان والاستيطان والجدار والحواجز والحصار والاعتقالات في الضفة،
وفصل القدس وتهويدها، ودوران المفاوضات في حلقة مفرغة، لا يمكن أن تمرّ دون
عقاب، ودون ردّة فعل طبيعية من المقاومة.
فالعملية أثبتت أن المقاومة لا تزال ناشطة في الضفة الغربية، وفترة الهدوء في
الآونة الأخيرة لا تعني أن الفصائل استسلمت لعمليات نزع السلاح، ودخلت في إطار
اتفاقات وقف ملاحقة المطلوبين، وإن كان بعض أفرادها استفاد من هذه الميزة.
وبالتالي فإن رهان البعض على سكوت الضفة الغربية والقدس اعتبر فاشلاً لأن عملية
القدس الغربية ليست إلا مجرد بداية إعادة تفعيل العمل المقاوم في الضفة الغربية.
وخلال الشهور الماضية كانت قوات الاحتلال تنفذ اجتياحاتها وغاراتها واغتيالاتها
في قطاع غزة والضفة الغربية من دون تفكير بأي ردع قد يكون الفلسطينيون قادرين
عليه، ولا سيما أن سلاح العمليات الاستشهادية، وهو أكثر ما تخشاه الدولة
العبرية غاب عن ساحة العمل الجهادي لأكثر من عامين.
2- قدرة المقاومة: برهنت عملية القدس، التي نُفذت في المدينة الأكثر أمناً،
بحكم كثافة الإجراءات الأمنية الصهيونية، وفي حي حيوي في القدس الغربية، ويقطن
فيه وزراء، على أن الفلسطيني الذي يستعد أن يقدم نفسه وروحه يستطيع أن يخترق كلّ
الإجراءات الأمنية في ظل الإغلاق المحكم للمدينة واكتمال بناء الجدار الفاصل،
والملاحقات المستمرة لفصائل المقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع.
وكما قالت صحيفة ((هآرتس)) عقب العملية، فإن نجاح عملية القدس الاستشهادية بهذا
الشكل يدل على أن البنية التحتية لما يصفوه ((الإرهاب)) في الضفة الغربية
المحتلة ما زالت موجودة وفاعلة.
ورصدت الصحيفة ذاتها عدداً من التحولات النوعية التى شهدتها المقاومة
الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة، وذلك على ضوء عملية القدس الغربية، وقالت إن
نجاح عملية القدس الغربية بهذا الشكل يدل على أن البنية التحتية للمقاومة
الفلسطينية أو ما تصفه بـ((الإرهاب الفلسطيني)) فى الضفة الغربية المحتلة
لايزال موجوداً وفاعلاً.
وأوضحت أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تتلقى عادة عدداً من التحذيرات تنذر بوجود
عمليات تفجيرية إلا أن فحص المعلومات والعملية التى وقعت فى القدس الغربية تبين
أن هذا الأمر لم يتحقق مع العملية الأخيرة.
3- حملت العملية الاستشهادية معها رسالة سياسية قوية للحكومة الصهيونية، لأن
المهاجم نفّذ عمليته داخل هدف تم انتقاؤه بعد تخطيط مسبق، إذ كان بإمكان
المهاجم تنفيذ عمليته في الشوارع المزدحمة في المنطقة، وخاصة أن مكان التنفيذ
لا يبعد سوى أمتار قليلة عن المحطة المركزية للباصات.
4-العمليات الاستشهادية الأسلوب الأنجع: جاءت عملية القدس الأخيرة في قلب القدس
المحتلة لترسخ من جديد قناعة قوى المقاومة الفلسطينية التي تقول بأن العمليات
الاستشهادية من الوسائل الأكثر إيلاماً للاحتلال الصهيوني والدولة العبرية
عموماً، لا سيما أن حدودها لا تتوقف في الأراضي المحتلة عام 1967، بل تتقدم
لتصل إلى عمق الكيان الصهيوني.
كما أن هذه العمليات تعتبر سلاحاً فاعلاً ومؤثراً في مواجهة المجازر المتلاحقة
التي ارتكبت ولا تزال بحق الشعب الفلسطيني الذي ترك وحيداً دون نصير أو معين،
وثبت بالشواهد الحية الواقعية أن أياً من الخيارات التي تنفي العمل العسكري لم
يكن قادراً على الدفاع عن الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، الذي دمر وشرد وقتل
وجرف وزرع الموت والخراب في الأرض والديار والمدن والقرى والمخيمات، وأن هذه
العمليات هي الوسيلة الوحيدة التي أرهبت المحتل وأرغمته على إعادة حساباته في
كثير من الأحيان.
كما شكلت هذه العمليات نوعاً من توازن الرعب والردع مع المحتل، فهي تتميز
بكونها السلاح الوحيد الذي لا تملك كل القوى المادية مواجهته والتصدي له،
فالأمر لا يتعلق بتقنيات تكنولوجية يمكن مواجهتها بالأسلوب ذاته، بل بكتلة من
الإرادة التي تريد التفجر في سبيل تحقيق هدف منشود، فقد فشلت كل المحاولات التي
استهدفت تغييب هذا الأسلوب عن واقع الصراع مع المحتل، ويكفي اعتراف إسحق رابين
رئيس الوزراء الأسبق بالعجز في مواجهة الاستشهاديين والعمليات الاستشهادية،
قائلاً لمنتقديه: ماذا يمكن أن تفعل لإنسان يريد أن يموت.
وفي المقابل أثبتت الإجراءات الصهيونية بطلان جدواها في مواجهة هذه العمليات في
ضوء اليسر والسهولة التي تتمتع بها، وقد أدى هذا الإخفاق إلى أن يصف يعقوب بيري
رئيس ((الشاباك)) الأسبق، تجربة شارون لمنع العمليات الاستشهادية بأنها ((قصة
فشل ذريع في مجال الأمن))، فضلاً عن اعتراف الجنرال جان لوفت بأن الفلسطينيين
يدركون أن (إسرائيل) لا تمتلك سلاحاً مضاداً لسلاح الاستشهاد، وإذا نجحت في
استحداث ونشر النظام الصاروخي ((أرو)) لمواجهة أخطار صواريخ ((سكود))، فإنها لا
تملك لمواجهة القنبلة البشرية غير بناء الأسوار الشائكة.
5- رسالة للخارج: جاءت العملية لتقول للدولة العبرية والأمريكيين، إنه مهما
صعدتم وشددتم من إجراءاتكم القمعية والإذلالية بحق الشعب الفلسطيني، فإنه لن
يخضع ولن يسلّم ولن يرفع الراية البيضاء، وجذوة النضال ستبقى قائمة ومستمرة، ما
لم تكن هناك مفاوضات جدية وحقيقية تفضي لزوال وإنهاء الاحتلال، وما يؤكد ذلك أن
عملية القدس ولدت قناعات لأول مرة لدى الإدارة الأمريكية بضرورة عقد هدنة مع
حماس وحركات المقاومة الفلسطينية.
وبهذا الشأن، قال محللون صهاينة في القناة الثانية بينهم إيهود يعاري وأودي
سيجل وروني دانييل إن عملية القدس عملت على خلق واقع أمني وسياسي وإداري جديد،
فيما يتعلق بالعلاقة مع حماس.
ومن وجهة نظرهم، فإن الولايات المتحدة صارت على قناعة تامة عقب عملية القدس أن
هناك صلة مباشرة بين القوة العسكرية لحماس في غزّة وبين الضفة الغربية، وأن
الفكرة الأمريكية القائلة بالفصل بين السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس وبين
حكم حماس في غزّة ليست ناجعة.
واعتبر أحد المحللين ويدعى يعاري أن الأمر في النهاية يصب في صالح التصور
المصري القائل بضرورة محادثة حماس، وقبول عروضها بوقف إطلاق النار، لأن ذلك هو
الطريق الوحيد لاستتباب الهدوء في الضفة الغربية.
5- الوحدة الوطنية: برهنت العملية على أن تصاعد العدوان الصهيوني ضد الشعب
الفلسطيني، يوحّد هذا الشعب، رغم الانقسام، ويقوّي المقاومة، لأنه يجعل
المقاومة خياراً لا بديل عنه، فصور الأطفال القتلى والدمار والحالة المعيشية،
التي وصلت في غزة إلى أسوأ وضع منذ الاحتلال عام 1967، وفقاً لتقارير المنظمات
البريطانية والدولية، كفيلة بتقديم حوافز ودوافع لا حصر لها لانضمام مقاومين
جدد للمقاومة.
وهذا الواقع ليس مبالغاً فيه إذا ما عدنا الى الإحصائيات منذ اجتماع أنابوليس
وحتى الآن، حيث استشهد أكثر من 400 فلسطيني، وقُتل أقل من 20 صهيونياً، وهذا
أمر لم يكن متوقعاً أن يمرّ دون رد.
الصهاينة أمام طريقين
ربما كان التساؤل الأهم بعد عملية القدس هو الكيفية التي ستتعامل بها الدولة
العبرية مع الفلسطينيين، وهي أمام طريقين لا ثالث لهما: إما أن تواصل وتصعد من
عدوانها على الشعب الفلسطيني، بدعم وغطاء من الولايات المتحدة، أو تقبل بهدنة
غير مباشرة مع قوى المقاومة الفلسطينية؟
وبالنظر المعمق والفاحص لهذه الخيارات نجد أن خيار استمرار العدوان وتصعيده
وتوسيعه له من الحظوظ أكثر بكثير من خيار القبول بالتهدئة للأسباب التالية:
1- فالدولة العبرية ترى في التهدئة أولاً والقبول بها انتصاراً لحماس التي
ستفاوض بدون الالتزام أو القبول بالاتفاقيات السابقة، وما يعنيه ذلك من انتصار
لنهج وخيار المقاومة الذي تريد الدولة العبرية لجمه ومحاصرته وليس تعزيزه
وتطويره، والذي يعني من جهة أخرى نهاية وانهيار معسكر الاعتدال الفلسطيني، الذي
تراهن عليه الدولة العبرية لاستمرارها في مفاوضاتها الماراثونية والعبثية معه.
2- والأهم والأخطر من ذلك أن قبول الدولة العبرية بالتهدئة مع حماس تحديداً
يعني أن حماس وقوى المقاومة ستستغل وتستخدم هذه التهدئة، من أجل إعادة بناء
بناها التحتية، وتطوير وتعزيز قدراتها التنظيمية والعسكرية، وهذا معناه أنها في
المواجهة القادمة مع الكيان الصهيوني ستكون أكثر قوة وصلابة، وربما صواريخها
التي أصبحت على مشارف أسدود، ستصبح في قلب تل أبيب وغيرها من المدن الصهيونية.
من هنا فإن الخيارات تبدو معدومة أمام الدولة العبرية مع الطرف الفلسطيني سوى
من استمرار التفاوض العبثي من أجل شرعنة الاحتلال وتكريسه وبالوقت نفسه تواصل
سياسة العدوان والحسم العسكري.
وما يدعم هذا التوجه أيضاً تصريحات الصهاينة أنفسهم ومنها أقوال الجنرال عاموس
جلعاد المستشار السياسي لوزارة الدفاع الصهيونية التي نفى فيها، وقبل عملية
القدس، صحّة الأنباء التي أشارت إلى وجود مفاوضات بوساطة مصرية، ومباركة
أمريكية، لأن الدولة العبرية برأيه لا تجري مفاوضات مع ((حماس))، لأنها منظمة
إرهابية دموية، هدفها تدمير (إسرائيل)..
كما أن اليمين المتشدد في كلا البلدين (الدولة العبرية وأمريكا) يدفع باتجاه
حسم الأمور عسكرياً. فالدولة العبرية على المستوى المجتمعي وحتى الحكومي لا
تزال غير ناضجة أو راغبة في سلام حقيقي مع الفلسطينيين، فهي تريد كل شيء، الأرض
والأمن والتطبيع والسلام، ولا تريد أن تمنح الفلسطينيين أي شيء من حقوقهم،
والأشهر القليلة القادمة ستؤكد ذلك، وربما أن عملية القدس ستؤرخ لبداية مرحلة
جديدة على الصعيد الإقليمي وليس المحلي فقط.. وسيكتشف الجميع حينها أن خيار
استمرار العدوان وتصعيده وتوسيعه سيكون له من الحظوظ أكثر بكثير من خيار القبول
بالتهدئة لدى الدولة العبرية.. وهذا التحول الجذري في العقيدة الدموية
الصهيونية من مرحلة التفكير إلى مراحل التنفيذ كما حصل في مجازر غزة يستوجب
علينا جميعاً أن نتوقف ملياً عنده، وأن لا نمرره مرور الكرام.