بعد خمسة أعوام على ملحمة جنين، كيف كانت الأوضاع الإنسانية في تلك الفترة وما
تلاها من جهود بناء للحجر والبشر، هذا ما ستجيب عنه السطور التالية التي
استقيناها من مقابلة أجريناها مع مدير المخيم في تلك الفترة عبد الرزاق أبو
الهيجا، والمدير الحالي نظمي أبو علي.
عبد الرزاق أبو الهيجا مدير مخيم
جنين أثناء الحصار
اجتياح المخيم كان عقاباً جماعياً لشعب أعزل
مجزرة المخيم عام 2002 هي عمل أسطوري، أكدت
أن إرادة الشعب هي القوة العظمى التي ستبقى السلاح وتصدت له حيث هزمت آلة الحرب
بما فيها من عدة وعتاد العدو الصهيوني، مع العلم أن ميزان القوى بين قوات العدو
والمقاومة يميل لصالح العدو، والمساحة التي دارت فيها المعركة لعبت دوراً
كبيراً لصالح الصهاينة حيث إن مساحة المخيم لا تتعدى 372 دونماً. وكان المخيم
في فترة المعركة محاصراً من ثلاث جهات ترك العدو الجهة الشرقية منها مفتوحة
مؤقتاً؛ لعلها تكون منفذاً لخروج المقاومين منها، ولكن سرعان ما تبددت آمالهم
وكانت منفذاً لدخول مقاومين جدد إليه، بالإضافة إلى إن السماء كانت مكشوفة
لطائرات ((الأباتشي)) و((الكوبرا)) الحربية الإسرائيلية حيث قطعت كل وسائل
الاتصال بالمحيط الخارجي طيلة فترة الحصار الذي دام 13 يوماً. وأيضاً قطع الماء
والكهرباء وأي نوع من أنواع التواصل الإنساني في المخيم حتى بين أبنائه
المحاصرين. فكان قناصة الاحتلال يعتلون أسطح البيوت العالية ويتمركزون على
الطرقات والشوارع وبين الأزقة.
كان هناك ما يقارب 450 آلية عسكرية صهيونية في محيط المخيم، ومع استمرار هذا
الحصار كانت وتيرة المقاومة، ذات المقومات البسيطة، تتعالى وتشتد مما أدى بقوات
الاحتلال إلى استدعاء الجرافات التي كانت تتسابق على التهام جميع أحياء المخيم
وعلى رأسها حي الحواشين وحارة الدنك والبيوت التي اعترضت طريقهم، فهذه المعركة
وضمن النتائج تبدو كأنها نسج من الخيال ولكنها حقيقة بعينها وواقعية حدثت ما
بين الأول وحتى الخامس عشر من نيسان/أبريل عام 2002، حيث خلفت تخريباً كاملاً
لكافة الشوارع، بالإضافة لشبكة الكهرباء والماء، وسقط 52 شهيداً و167 جريحاً
واعتُقل ما يقارب 600 شاب، أفرج عن العديد منهم وبقي ما يقارب 167 معتقلاً داخل
السجون. وحسب الاعترافات الإسرائيلية فقد تكبد جيش الاحتلال ما يقارب 25 قتيلاً
و72 جريحاً. وهناك الكثير من الخسائر المادية في المخيم حوالي 472 بيتاً مدمراً
بالكامل، و160 منزلاً مدمراً جزئياً و32 منزلاً أحرقت بالكامل.
خسر الناس كل مقومات الحياة الرئيسية حتى هوياتهم وجوازات سفرهم، وأصبحوا بحاجة
لكل شيء، فهرع إخواننا في الداخل وفي الخط الأخضر بكل أنواع المساعدات من أثاث
وتمويل بإشراف لجنة محلية من أهل المخيم كما دولة الإمارات العربية المتحدة حيث
قدمت مساعدة مالية تقدر بـ27 مليون دولار أمريكي لبناء وإعمار ما تهدم من
المخيم، كما تبرع الرئيس الراحل صدام حسين بـ25 ألف دولار لكل ربّ أسرة تهدّم
بيته وقامت الأنروا بدراسة ومخططات البيوت الجديدة.
الأوضاع الإنسانية
الوضع التعليمي كان مستقراً وجيداً بعد الاجتياح بفترة وجيزة، هناك مدرستان
للإناث وثلاثة للذكور، ورياض أطفال، كما كان هناك إقبال من الناس على التعليم،
بالإضافة إلى التعليم الجامعي. وبالرغم من ضيق الموارد وحالة الفقر الشديد التي
يعيشها الناس في المخيم، إلا أن التعليم يسير بحماسة نحو الأفضل.
الوضع الصحي يميل إلى الجيد بسبب تطور الخدمات الصحية على مستوى العيادات
والمستشفيات، وتم التنسيق مع مستشفى الرازي على تحويل الحالات الطارئة إليه.
ويوجد في المخيم وحدة علاج طبيعي ووحدة أمومة ومختبر وثلاثة أطباء، ووحدة أشعة،
كما يوجد وحدة علاج ميدانية متنقلة.
بخصوص العمالة يوجد برامج تشغيل للشباب من قبل وكالة الغوث (الأنروا) لمدة 3
أشهر، ما يساعد قليلاً في حل مشكلة البطالة العالية في المخيم الذي يعاني من
ضائقة اقتصادية عاتية، فحوالي 85% من سكانه هم تحت خط الفقر.
وهناك عدة مشاريع غير استثمارية في المخيم مثل جدران إسنادية وتعبيد للطرقات
وشبكات صرف صحي وزيادة عمال التنظيفات، ومعظم هذه المشاريع مقدمة من وكالة
الغوث الدولية (الأنروا).
الإعمار
تشكلت لجنة الإعمار وإغاثة مخيم جنين من مثلث إماراتي – محلي - الأنروا. كان
دور الأنروا هو التخطيط لعملية البناء من حيث شكل البناء ومضامينه، بما يتناسب
مع البناء السابق ومساحته وعدد أفراد الأسرة، وإزالة الركام والمواد المخلفة
والخطرة من متفجرات وغيرها، التي استمرت إزالتها مدة 6 أشهر. وبعدها قام
المهندسون بمسح المناطق التي تم هدمها، ودراسة مساحة كل بيت، والتواصل مع أصحاب
البيوت المهدمة بشكل فردي وجماعي وإطلاعهم على سير التخطيط ونماذج البناء بشكل
متواصل، ومن ثم تم طرح عطاءات على البيوت بشكل مجموعات، بعد أن وقّع أصحاب
البيوت على مخططات ترسيم للموقع والبيت. ولما كانت المساحة التي تم هدمها لا
تتسع للبيوت بشكل لائق تمّت إضافة مساحة محاذية للمخيم تقدر بـ14 دونماً. ودام
بناء المخيم أكثر من عام ونصف العام، حيث كان معظم من هدمت بيوتهم مستأجرين في
مدينة جنين والقرى المحيطة، وكانت لجنة طوارئ مخيم جنين تدفع أجور هذه البيوت
من التبرعات التي قام بها سكان القرى والخط الأخضر والسلطة والمؤسسات الداعمة.
ومن الجدير ذكره أن السلطة في أواخر المشروع قامت بدفع الأجور، حيث إن لجنة
الطوارئ لم يعد بمقدورها تحمّل الأعباء المادية بسبب نفاد ما لديها من مال.