فلسطين المسلمة    -     شهرية - سياسية - جامعة

• من نحن • اشتراك • الأعداد السابقة • الإتصال بنا • دليل المواقع • خريطة الموقع •

May2007
PDF نسخة
وراء الأخبار
ولنا كلمة
دفاتر فلسطينية
هنا فلسطين
حول القضية
وجه وحدث
أخبار وتقارير1
أخبار وتقارير2
أخبار وتقارير3
تقرير
مؤتمــر
شؤون فلسطينية1
شؤون فلسطينية2
شؤون فلسطينية3
قضايــا
تحليــل
شؤون العدو
شؤون دولية
الغلاف1
الغلاف2
حــوار
الملف1
الملف2
الملف3
أوراق ثقافية1
أوراق ثقافية2
أوراق ثقافية3
صورة معبّرة
مساهمات
أقوال وأرقام
قناديل الشهادة
رسائل من الوطن
لوحات فنية
لحظة

 

الملف3




بعد خمسة أعوام على ملحمة جنين، كيف كانت الأوضاع الإنسانية في تلك الفترة وما تلاها من جهود بناء للحجر والبشر، هذا ما ستجيب عنه السطور التالية التي استقيناها من مقابلة أجريناها مع مدير المخيم في تلك الفترة عبد الرزاق أبو الهيجا، والمدير الحالي نظمي أبو علي.

عبد الرزاق أبو الهيجا مدير مخيم جنين أثناء الحصار
اجتياح المخيم كان عقاباً جماعياً لشعب أعزل

مجزرة المخيم عام 2002 هي عمل أسطوري، أكدت أن إرادة الشعب هي القوة العظمى التي ستبقى السلاح وتصدت له حيث هزمت آلة الحرب بما فيها من عدة وعتاد العدو الصهيوني، مع العلم أن ميزان القوى بين قوات العدو والمقاومة يميل لصالح العدو، والمساحة التي دارت فيها المعركة لعبت دوراً كبيراً لصالح الصهاينة حيث إن مساحة المخيم لا تتعدى 372 دونماً. وكان المخيم في فترة المعركة محاصراً من ثلاث جهات ترك العدو الجهة الشرقية منها مفتوحة مؤقتاً؛ لعلها تكون منفذاً لخروج المقاومين منها، ولكن سرعان ما تبددت آمالهم وكانت منفذاً لدخول مقاومين جدد إليه، بالإضافة إلى إن السماء كانت مكشوفة لطائرات ((الأباتشي)) و((الكوبرا)) الحربية الإسرائيلية حيث قطعت كل وسائل الاتصال بالمحيط الخارجي طيلة فترة الحصار الذي دام 13 يوماً. وأيضاً قطع الماء والكهرباء وأي نوع من أنواع التواصل الإنساني في المخيم حتى بين أبنائه المحاصرين. فكان قناصة الاحتلال يعتلون أسطح البيوت العالية ويتمركزون على الطرقات والشوارع وبين الأزقة.
كان هناك ما يقارب 450 آلية عسكرية صهيونية في محيط المخيم، ومع استمرار هذا الحصار كانت وتيرة المقاومة، ذات المقومات البسيطة، تتعالى وتشتد مما أدى بقوات الاحتلال إلى استدعاء الجرافات التي كانت تتسابق على التهام جميع أحياء المخيم وعلى رأسها حي الحواشين وحارة الدنك والبيوت التي اعترضت طريقهم، فهذه المعركة وضمن النتائج تبدو كأنها نسج من الخيال ولكنها حقيقة بعينها وواقعية حدثت ما بين الأول وحتى الخامس عشر من نيسان/أبريل عام 2002، حيث خلفت تخريباً كاملاً لكافة الشوارع، بالإضافة لشبكة الكهرباء والماء، وسقط 52 شهيداً و167 جريحاً واعتُقل ما يقارب 600 شاب، أفرج عن العديد منهم وبقي ما يقارب 167 معتقلاً داخل السجون. وحسب الاعترافات الإسرائيلية فقد تكبد جيش الاحتلال ما يقارب 25 قتيلاً و72 جريحاً. وهناك الكثير من الخسائر المادية في المخيم حوالي 472 بيتاً مدمراً بالكامل، و160 منزلاً مدمراً جزئياً و32 منزلاً أحرقت بالكامل.
خسر الناس كل مقومات الحياة الرئيسية حتى هوياتهم وجوازات سفرهم، وأصبحوا بحاجة لكل شيء، فهرع إخواننا في الداخل وفي الخط الأخضر بكل أنواع المساعدات من أثاث وتمويل بإشراف لجنة محلية من أهل المخيم كما دولة الإمارات العربية المتحدة حيث قدمت مساعدة مالية تقدر بـ27 مليون دولار أمريكي لبناء وإعمار ما تهدم من المخيم، كما تبرع الرئيس الراحل صدام حسين بـ25 ألف دولار لكل ربّ أسرة تهدّم بيته وقامت الأنروا بدراسة ومخططات البيوت الجديدة.

الأوضاع الإنسانية

الوضع التعليمي كان مستقراً وجيداً بعد الاجتياح بفترة وجيزة، هناك مدرستان للإناث وثلاثة للذكور، ورياض أطفال، كما كان هناك إقبال من الناس على التعليم، بالإضافة إلى التعليم الجامعي. وبالرغم من ضيق الموارد وحالة الفقر الشديد التي يعيشها الناس في المخيم، إلا أن التعليم يسير بحماسة نحو الأفضل.
الوضع الصحي يميل إلى الجيد بسبب تطور الخدمات الصحية على مستوى العيادات والمستشفيات، وتم التنسيق مع مستشفى الرازي على تحويل الحالات الطارئة إليه. ويوجد في المخيم وحدة علاج طبيعي ووحدة أمومة ومختبر وثلاثة أطباء، ووحدة أشعة، كما يوجد وحدة علاج ميدانية متنقلة.
بخصوص العمالة يوجد برامج تشغيل للشباب من قبل وكالة الغوث (الأنروا) لمدة 3 أشهر، ما يساعد قليلاً في حل مشكلة البطالة العالية في المخيم الذي يعاني من ضائقة اقتصادية عاتية، فحوالي 85% من سكانه هم تحت خط الفقر.
وهناك عدة مشاريع غير استثمارية في المخيم مثل جدران إسنادية وتعبيد للطرقات وشبكات صرف صحي وزيادة عمال التنظيفات، ومعظم هذه المشاريع مقدمة من وكالة الغوث الدولية (الأنروا).

الإعمار

تشكلت لجنة الإعمار وإغاثة مخيم جنين من مثلث إماراتي – محلي - الأنروا. كان دور الأنروا هو التخطيط لعملية البناء من حيث شكل البناء ومضامينه، بما يتناسب مع البناء السابق ومساحته وعدد أفراد الأسرة، وإزالة الركام والمواد المخلفة والخطرة من متفجرات وغيرها، التي استمرت إزالتها مدة 6 أشهر. وبعدها قام المهندسون بمسح المناطق التي تم هدمها، ودراسة مساحة كل بيت، والتواصل مع أصحاب البيوت المهدمة بشكل فردي وجماعي وإطلاعهم على سير التخطيط ونماذج البناء بشكل متواصل، ومن ثم تم طرح عطاءات على البيوت بشكل مجموعات، بعد أن وقّع أصحاب البيوت على مخططات ترسيم للموقع والبيت. ولما كانت المساحة التي تم هدمها لا تتسع للبيوت بشكل لائق تمّت إضافة مساحة محاذية للمخيم تقدر بـ14 دونماً. ودام بناء المخيم أكثر من عام ونصف العام، حيث كان معظم من هدمت بيوتهم مستأجرين في مدينة جنين والقرى المحيطة، وكانت لجنة طوارئ مخيم جنين تدفع أجور هذه البيوت من التبرعات التي قام بها سكان القرى والخط الأخضر والسلطة والمؤسسات الداعمة. ومن الجدير ذكره أن السلطة في أواخر المشروع قامت بدفع الأجور، حيث إن لجنة الطوارئ لم يعد بمقدورها تحمّل الأعباء المادية بسبب نفاد ما لديها من مال.


 

نظمي أبو علي مدير المخيم الحالي
85% من سكان المخيم تحت خط الفقر


معركة المخيم معركة بطولية وملحمة تاريخية شهدها العالم وسيدونها التاريخ بين صفحاته، تجربة قام بها أبناء المخيم بإمكاناتهم الذاتية المحدودة على كل السبل من غذاء ودواء، وحتى السلاح كان يصنع من مواد خام بسيطة. المقاومة ما زالت مستمرة حتى هذا الوقت وهي يومية وغير منقطعة، الوضع المعيشي لأبناء الشعب سيّئ وخانق وارتفاع كبير في نسبة الفقر، أي حوالي 85% من سكانه تحت خط الفقر بسبب البطالة وشح الموارد والوضع الاقتصادي والعملة الراكدة وانقطاع رواتب السلطة والوكالة وتوقف دعم الكثير من المؤسسات، مما أنتج مشاكل اجتماعية فكثرت أعمال النهب والسطو في فترة من الفترات، وأحدث مشاكل نفسية، وترك بنية تعليمية سيئة، لكن مع هذا يوجد هناك بعض المؤسسات الداعمة.

الأوضاع الإنسانية

عانى الوضع الصحي معاناة شديدة في الآونة الأخيرة بسبب الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وإضافة إلى ذلك إضراب القطاع الصحي عن العمل بسبب انقطاع الرواتب. وكون جنين مدينة مهمشة تقريباً على مستوى الوطن بالنسبة للمحافظات الأخرى، يعاني أبناء المخيم من وضع صحي سيئ حيث توافر الأدوية محدود جداً والبرامج الصحية التي يتلقونها تقتصر على بعض المهدئات والعقاقير والعلاج الطبيعي، والمبيت في المستشفى الحكومي عدة أيام فقط، كما أن المستشفيات لم تشهد أي نوع من التطور والدعم، وتعاني من قلة المختصين ومن معدات طبية قديمة، كل هذا بسبب الحصار المفروض على مدينة جنين بالذات.
شهد الوضع التعليمي استقراراً أفضل في العامين الماضيين بعد الاجتياح، ومن ثم تردت الأوضاع بعد الإضراب، لكن، وبشكل عام، هناك إقبال من أهالي المخيم على التعليم، وخاصة التعليم الجامعي. وتمّ بناء عدة مدارس منها مدرسة حشكاد ومدرسة أخرى حديثة بتمويل من دولة الإمارات العربية وغيرها من المراكز التعليمية.
أما وضع العمالة في المخيم فهو مأساوي، فغالبية العمال يعتمدون في معيشتهم على العمل داخل الخط الأخضر، وقسم آخر في مؤسسات السلطة العسكرية، وبعد الاجتياح ارتفعت نسبة البطالة بسبب توقف العمل داخل مناطق الخطر الأخضر، وانقطاع الرواتب بين فترة وأخرى، والتشديد الأمني الصهيوني على أبناء المخيم وملاحقتهم، مما منعهم من التنقل إلى مناطق أخرى طلباً للرزق.

 

مقاومو جنين جسّدوا أسطورة الحرب الشعبية


د.أيمن طلال يوسف
الجامعة العربية الأمريكية- جنين

في نيسان/أبريل من عام 2002، سطّر الفلسطينيون في مخيم جنين، وفي المناطق الريفية القريبة منه، انتصاراً كبيراً على جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي حاول مراراً وتكراراً اقتحام مخيم جنين من عدة جبهات، ومن جميع الجهات إلا أن محاولاته باءت بالفشل بسبب الإرادة الصلبة والروح القتالية العالية التي تحلى بها المقاومون الفلسطينيون الذين تحصنوا داخل أزقة المخيم، وفي الدهاليز والطرقات الضيقة التي تفصل بين منازله. مخيم جنين الملتحم مع مدينة جنين من الجهة الغربية، والواقع إلى الشرق من المعانق لحرش السعادة، والمحاذي لأكثر من موقع ريفي خاصة على الناحية الغربية منه، يمتاز بمجموعة من الخصائص والسمات الطبوغرافية والجغرافية والديموغرافية. ويبدو أن المقاومين الفلسطينيين داخل المخيم استفادوا فعلاً من هذه التركيبة الجغرافية والديمغرافية لشنّ حرب كرّ وفرّ ضد جنود الاحتلال الذين حاولوا في أكثر من مرة اقتحام المخيم، والتسلل خلسة تحت جنح الظلام إلى بيوته وطرقاته التي تعج بالروح الوطنية العالية، وبالتماسك الفصائلي والتنظيمي بين مختلف أطيافه السياسية.
استفاد المقاومون في المخيم من متغيرات موضوعية وميدانية ساعدتهم على الصمود والتصدي لقوات الاحتلال. فأزقة المخيم وطرقه الضيقة وبيوته المتكدسة على بعضها البعض أعطتهم حصناً لوجستياً منيعاً حيث تحولوا إلى فدائيين مقاتلين يلبسون سواد الليل، ويحملون أسلحة خفيفة وبسيطة، سهلة الاستخدام وخفيفة على الحمل والحركة. كما أن سكان المخيم، الذين يصل أعدادهم إلى بضعة آلاف قد وفروا الحاضنة البشرية والإنسانية التي فعلاً احتضنت المقاتلين ودافعت عنهم. باختصار يمكن القول إن المقاومين في المخيم قد جسدوا أسطورة الحرب الشعبية التي زاوجت ودمجت بين الجغرافيا والديمغرافيا في سيمفونية التحرير الأبدية.
متّنت معركة مخيم جنين الروابط الاجتماعية والأواصر التضامنية بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية للشعب الفلسطيني داخل المخيم، وفي المدينة والأرياف المحيطة. ورغم إن الأكثرية من شهداء معركة المخيم كانوا من سكان المخيم نفسه إلا أن بعض الشهداء الذين سقطوا في هذه المعركة كانوا من المدينة والأرياف المجاورة، وحتى من المحافظات الفلسطينية الأخرى. من هنا شكلت معركة المخيم الميدان الواسع الذي اختلط فيه الدم الفلسطيني بالأرض وبعبقها الفواح. من الصور التضامنية الرائعة التي جسدها الفلسطينيون على أرض الواقع خلال معركة مخيم جنين كانت الاحتضان الاجتماعي، والتعاضد الأسري والتناغم الوطني والمناطقي العالي بين مختلف الشرائح والفئات والطبقات المشكلة للشعب الفلسطيني داخل المحافظة بغض النظر المواقع وأماكن السكن. فقد تم احتضان العديد من أسر المخيم من قبل أهل القرى المجاورة بعد أن أجبروا على الخروج من بيوتهم ومنازلهم. وقد اعتبر العديد من سكان القرى المجاورة أن احتضان أهالي المخيم والتخفيف من معاناتهم واجب وطني، وأنه أقل ما يمكن تقديمه في معركة الفلسطينيين ضد الاحتلال، وفي سبيل معركة التحرر والاستقلال.

خوف صهيوني

كمتتبع ومحلل سياسي واستراتيجي، عززت معركة مخيم جنين الكثير من الهواجس والتخوفات المشروعة المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر مع النظرية الأمنية الصهيونية والفكر الاستراتيجي الإسرائيلي. تاريخياً اعتمدت النظرية الإسرائيلية على أساس التخوف والشك والريبة من الفلسطينيين، مما ولد شعوراً لدى المخططين والخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين مفاده ضرورة قتل الفلسطيني والتخلص منه، لأن الصهيونية اعتمدت في سبيل إنجاح مشروعها في قلب فلسطين، وتثبيته على أرض الواقع على رافعة قتل الفلسطينيين بالآلاف وتشريدهم لأن مضمون الفكر الصهيوني هو اغتيال الديمغرافيا في فلسطين، وتفتيت الجغرافيا من خلال الاستيطان والمصادرات والطرق الالتفافية، ووضع اليد على الأرض الفلسطينية بكل الوسائل الملتوية وغير المشروعة.
إن القصف الإسرائيلي المكثف للمخيم إنما هدف إلى تحقيق هدفين استراتيجيين من الدرجة الأولى، أولها إعادة روح الثقة والمصداقية لجيش الاحتلال وللمجتمع الإسرائيلي الذي تخلخلت وتزعزعت ثقته بنفسه بعد سقوط عدد من جنود الاحتلال على أرض مخيم جنين بعد محاولة الاقتحام الفاشلة التي قاموا بها للمخيم، وبعد نجاح المصيدة الذكية التي نصبها المقاتلون الفلسطينيون بدقة متناهية. أما الهدف الثاني فكان إرسال رسالة دموية واضحة للفلسطينيين في كل إرجاء الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة مفادها إن أي مقاومة فلسطينية شرسة ستقابل وستواجه بكتلة هائلة من النيران الإسرائيلية التي تعني ارتكاب الإجرام والمذابح والمجازر، وبالتالي قتل روح المقاومة لدى الفلسطينيين التي تشتد يوماً بعد يوم رغم الإغلاقات والاغتيالات والاعتقالات والممارسات الاحتلالية البائسة.
خلقت انتفاضة الأقصى وضعية جديدة على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولفته بصبغة جديدة أيضاً خلال سنوات الصراع الطويلة التي بدأت مع بداية هذا القرن حيث وصل حجم الخسائر بين الطرفين إلى نسبة 3-1 لصالح الإسرائيليين. وهذه هي أفضل النسب والنتائج التي تحققها المواجهات العربية الإسرائيلية منذ عام 1948، خصوصاً وأن المقاومة قد استطاعت اختراق العمق الإسرائيلي، والقيام بعمليات فدائية نوعية في الداخل. من هنا يرى العديد من المحللين والخبراء الاستراتيجيين من أن انتفاضة الأقصى قد خلقت حالة من توازن الرعب بين الطرفين، ولعل الخسائر التي تكبدتها (إسرائيل) في معركة المخيم يجب أن تفهم في هذا السياق الموضوعي للصراع مع الإسرائيليين.

 

 

فلسطين المسلمة - جميع الحقوق محفوظة © 2003